تاريخ النشر: 2016-03-06 | 23:08
تاريخ النشر: 2016-03-06 | 23:08
رسالة العام 2016م
"صندوق باندورا معروف" بطريقة أو بأخرى لدى معظم المثقفين ورجال السياسة، أما غالبية الناس فلم تسمع عنه.
ولأنهم لا يقرأون فأغلب الظن أنهم لن يسمعوا عنه الآن أيضاَ، لذلك سأعيد تفصيل وصياغة الصندوق الخرافي القديم الذي وصلنا من الميثولوجيا الإغريقية ثم أُلبِسَه ميثولوجيا عربية حديثة نعيش الآن في ظلامها.
ففي ذات يوم قرر إله الإغريق أن يجمع الشر والشياطين والأباليس في قمقم واحد، ولأنهم كُثر ولا يسعهم القمقم فقد وضعهم في إناء كبير من الفخار المتين (نسميه في هذه الأيام جرَّة) ثم أغلقها وأحكم إغلاقها ودهنها بطبقة من الطين حتى لا يُعرف قعرها أو بابها أو فوهتها وثبتها في إحدى مغائر جبال الأوليمب.
وتمر السنون... وفي ذات يوم بينما كان أحد الرعاة يريد أن يختبئ من المطر مع حماره وغنماته فلجأ إلى تلك المغارة وشاهد الجرة ففرح وظن أن بها كنزاً فقرر أن لا يفتحها ويأخذها معه ويعطيها لأبيه لكي يفتحوها سوياً، حملها على ظهر الحمار وكانت ثقيلة تعب حتى الحمار من حملها، لكنه وصل بها سالمة إلى البيت وزف البشرى لوالديه وأخوته.
قام الأب مسروراً ليجلب فأساً لكسر الجرة فصاحت زوجته أرجوك لا تفعل فنحن عائلة فقيرة وضعيفة فلو أحس بنا الناس أننا قد أصبحنا ننفق كالأغنياء فسوف يُشاع الأمر ويصل إلى القيصر فيأتي ويصادر الجرة بما فيها ولا ندري أي عقاب سيحل بنا، لكن الرأي أن نأخذها فنهديها للقيصر فيعطيك جائزة سخية فنسعد بالثروة بطريق مشروع وشريف، فقال لها زوجها نِعم الرأي رأيك.
وفي صباح اليوم التالي توجه بالجرة إلى القصر وعند الباب سأله الحرس ما هذا فقال لهم هدية مني لعظمة القيصر، قالوا له دعها عندنا وسنسلمها له، فقال لهم: زوجتي أوصتني أن لا أسلمها لأحد إلا للقيصر نفسه، فطردوه وظل يكرر التردد على باب القصر بلا طائل.
وفي ذات يوم بينما كان يتجادل مع الحرس فإذا بموكب القيصر يعود للقصر من رحلة صيد هو وأتباعه فسأل: من هذا؟
قيل له: هو يدعي أنك صاحب الجرة التي على كتفه ويريد أن يسلمها لعظمتكم.
فقال: دعوه يدخل.
بانت الفرحة على الرجل وجرى وراء الركب يهتف للقيصر.
وصل القيصر للديوان وتجمع حوله الفلاسفة والحكماء والعظماء ورجال الدولة ثم أمر الحاجب أن يدعو الراعي للدخول بجرته.
سأله ما بها؟
قال: لم افتحها!
قال له: أين وجدتها؟
قال: ابني وجدها في إحدى المغائر الجبلية.
قال: حسنا فعلت سنفتحها ونعطيك ربع ما فيها والباقي لخزانة الدولة.
فهب أحد الفلاسفة الحكماء وقال للقيصر: أنا أرى عظمتكم أن نعطي الراعي بضعة دنانير ثم نأخذ الجرة فننزلها بعناية حتى لا تنكسر إلى مقر بئر عميق ثم نردم عليها البئر.
فتعجب القيصر وسأل لماذا؟
فقال له الحكيم: هذه جرة مليئة بالشر والشياطين التي حبست من قبل الرب زيوس منذ أمد بعيد فإذا فُتحت فسيسود الشر والدمار في كل مكان.
فلم يستمع القيصر للنصيحة بل قام وحطم الجرة بسيفه فتفتت وإذا بها فارغة لا شيء فيها، والعجيب أنها كانت قبل فتحها ثقيلة فكيف هي فارغة!!.
تعجب الجميع إلا الحكيم الذي أمر القيصر غاضباً بقتله هو وصاحب الجرة، وفي أقل من أسبوع تجمهر أتباع القيصر حوله وقتلوه... وانتهت أسطورة الجرة وانتهى يوليوس قيصر... ولكن السيرة أصبحت مثلاً على مر الزمان لصناديق الشر والحروب وجرار الفساد التي سادت في الماضي وتسود الآن على أرض العرب بالذات حيث فُتحت عليها جرار وصناديق الشر والدمار... ما الذي تغير إذاً؟
الذي تغير هو أن الجرة أو الصندوق قد تحول إلى عدد هائل من شنط السامسونايت المليئة بدل الشياطين بالدولارات ويجري توزيعها بالمئات ليس على الأكتاف ولكن في سيارات الهامر والمرسيدس واللاند كروزر وربما على ظهور الدبابات وما عليكم إلا أن تسألوا "التيار المُسْتَقبِل" وليس "تيار المُسْتَقبَل"... أو تسألوا المعارضات السورية ومن قبلها سكان القاعدة والمعارضات العراقية... والحركات التي تسمي نفسها إسلامية ولا أستثني مذهباً أو طائفة من هؤلاء الذين استحصلوا على المليارات من الدولارات فحولوها إلى أباليس وشياطين وشرور.
عام 2016 قد يكون عام أفول شمس العروبة والإسلام كليهما أو أحدهما حيث مررنا بمرحلة "الأعور" الدجال ومررنا بمرحلة تطاول البدو في البنيان و رأينا الدابة أو الدبابة، وبقي علينا أن يأتينا المسيح بن مريم (في قول) أو المهدي المنتظر (في قول آخر)... غير أنني وعلى قياس كل الرسل الذين جاءوا من أهل الأرض وليس من علم الغيب، فأنا أقترح أو أتنبأ و أأمل أن يأتي هذا المخلص مسلماً من سلالة الرسول ومن الذين يعيشون بيننا الآن، حيث أنه "هو" لن يصنع المعجزات، ولكن الشعوب إذا ما توحدت ستفعل.
الأردن بلد وسط بين أقطار بلاد الشام، ووسط بين الأقطار العربية، ووسطية في دينها ورزقها وشهامة أهلها الذين لا تزال العروبة تلفهم بعباءتها، ويحكمهم ملك هاشمي، إذاً لماذا نذهب بعيداً إلا إذا ذهبنا إلى آل البيت في مصر وهذا جيد أيضاً. وهنا أرى أن الندامة هي في التأني والسلامة هي في الإسراع، لقد أبطأنا طويلاً طويلاً وأضعنا الزمان حتى كادت الأيام أن توصلنا إلى الفناء ونحن نرى شعوبنا وأوطاننا وعمراننا وثقافتنا وأدياننا وهمتنا ومروءتنا واكتراثنا كلها تتلاشى أمام أعيننا.
ولا يفوتني أن أُشهد التاريخ على الفصائل والحركات والزعامات الفلسطينية التي في تفتتها تكمن عناصر الدمار العربي الشامل فهي النواة التي كان يجب أن يتوحد العرب حولها، فإذا بها تتحول إلى قنبلة ذرية تتفتت وتُفَتِت الأمة كلها وتنهي الأمل والعمل والماضي والحاضر والمستقبل.
كما أُشهد التاريخ على دول الجزيرة العربية التي هاجرت من عباءتها العربية فآمنت واعتنقت بعروشها وأموالها وبترولها "جرة باندورا" لتنفجر بشياطينها في كافة أنحاء الوطن العربي تدمر وتحرق وتغرق وتفني الجغرافيا والتاريخ والدين والتراث.
ألا هل بلغت أللهم فاشهد