الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

عائد إلى غزة. !

عائد إلى غزة. !

تاريخ النشر: 2026-08-14 | 13:23

د بسام حسن سعيد
د بسام حسن سعيد
لم أخرج من غزة خلال الحرب، حتى لا يلتبس الأمر على القارئ. بقيت في قطاع غزة طوال سنوات الحرب الثلاث ، لكن غزة المدينة، التي لا تبعد عن مكان سكني سوى نحو خمسة عشر كيلومترًا، لم أزرها منذ بداية الحرب، ولم أدخلها كمدينة طوال هذه المدة. لا أعرف على وجه الدقة لماذا تجنبت الذهاب إليها. ربما كان الإحباط، وربما الخوف من الصدمة، وربما لأنني لم أكن مستعدًا نفسيًا لأن أرى غزة التي أعرفها وأحبها وقد تحولت إلى هذا المشهد القاسي. كنت أخشى أن أرى بأم عيني ما كنت أسمعه وأشاهده عبر الصور والشاشات؛ غزة ببيوتها وشوارعها وأسواقها ومبانيها وقد أصابها هذا الوجع الكارثي. لكنني في النهاية لم أستطع مقاومة دعوة صديق لي على الذهاب إلى غزة، خصوصًا بعد أن توافرت وسيلة المواصلات الخاصة ، فالمواصلات العامة مرهقة وبدائية ومللت من ركوبها ! وهكذا عدت إلى غزة، بعد أكثر من ألف يوم من الحرب والحصار والدمار ، وكما يقولون: اللي بيشوف مش زي اللي بيسمع. دخلت غزة، فإذا بها ليست غزة التي أعرفها. لا الشوارع هي الشوارع، ولا البيوت هي البيوت، ولا المحال التجارية التي كانت تضج بالحركة والناس ما زالت في أماكنها. تسير في طرق كانت ذات يوم عامرة، فلا تجد إلا الركام، والخيام المنصوبة على جنبات الطرق، ومياهًا آسنة، ووجوهًا تبحث عن أبسط مقومات الحياة. قبل الحرب كانت غزة، رغم كل ما مرّت به من حروب وحصار، مدينة زاهرة وعامرة. كانت فيها روح، وكانت تنظر إلى المستقبل. كان الناس، كما نقول ، «شادّين حيلهم»؛ يعملون، ويفتحون محالهم، ويذهب أبناؤهم إلى المدارس والجامعات، ويجلسون في المقاهي، ويتسوقون، ويتبادلون الزيارات، ويحلمون بغد أفضل رغم كل شيء. أما اليوم، فأنت تسير في الشوارع وترى وجوهًا عابسة، مثقلة بالتعب والحزن. الهمّ الأكبر عند معظم الناس أن يؤمّنوا قوت يومهم، أو يقضوا حاجة أساسية من حاجات الحياة. لا شيء تقريبًا يشبه البهجة التي كانت تسكن هذه المدينة. وأحيانًا يخيل إليك أنك لا تمشي في مدينة، بل في خربة خرجت للتو من قلب التاريخ. تمرّ على بيت أو عمارة مدمرة، فتسأل نفسك: كم إنسانًا كان يعيش هنا؟ كم عائلة كانت تجتمع تحت هذا السقف؟ هل خرج أهل هذا البيت أحياء؟ أم أن بعضهم ما زال، حتى هذه اللحظة، تحت الأنقاض؟ تمرّ بجانب جامعة كانت يومًا تعج بالطلاب والطالبات، بالحركة والطموح والأحلام. تمرّ على مراكز ثقافية كانت تستقبل المثقفين وعشاق الأدب والفن والحياة. فلا ترى إلا الخراب والدمار. هنا كانت مكتبة تبيع الكتب ، وهنا محل للحلويات كانت تفوح منه رائحة الفرح. وهناك محل للزهور والورود، يقصده العشاق والمحبون ، وهنا متجر للتحف والآثار ، وهناك مطعم شهير، ومقهى كان له ماضٍ جميل وذكريات لا تنسى. حتى البحر، الذي كان دائمًا متنفس غزة ونافذتها المفتوحة على الحياة، بدا حزينًا كالحًا. اختبأ خجلا خلف مئات الخيام التي نُصبت على شاطئه، وعلى امتداد كورنيشه الذي كان يومًا بهيًا، عامرًا بالناس، وممشى لمحبي الرياضة والتنزه والعشاق. كان البحر في غزة مساحة للفرح والهروب من ضجيج الحياة، أما اليوم فتبدو حتى أمواجه وكأنها تحمل شيئًا من حزن المدينة ووجع أهلها. وأسير قليلا فأرى برجًا عاليًا كنت أطل منه ذات يوم محللًا سياسيًا واجتماعيًا لقضايا الأسرة والتنمية لإحدى الفضائيات، أو متحدثًا عبر إذاعة نتواصل من خلالها مع المستمعين، ونناقش قضايا الناس وهمومهم ، أما البرج، فلم يعد موجودًا لم يبق منه إلا الحجارة والرمل، توقفت طويلًا وأنا أنظر إلى المكان، وشعرت أنني لا أبحث عن مبنى فقط، بل أبحث عن جزء من ذاكرتي وذاكرة مدينة كاملة. فالأماكن ليست حجارة فحسب؛ إنها وجوه وأصوات وضحكات وذكريات وأيام عشناها وظننا أنها ستبقى معنا إلى الأبد. هكذا رأيت غزة بعد أكثر من ألف يوم من الحرب والحصار والدمار والقتل. عدت إليها جسديًا، لكنني شعرت أنني أعود إلى مدينة أعرفها ولا أعرفها، إلى مكان يحمل ملامح غزة القديمة تحت طبقات هائلة من الركام. ومع ذلك، وسط هذا الخراب كله، بقي شيء واحد لم تستطع الحرب أن تهدمه بالكامل: حب الانسان للحياة . رأيت في عيون الناس تعبًا وحزنًا وانكسارًا، لكنني رأيت أيضًا إصرارًا غريبًا على البقاء وترميم مايمكن ترميمه ، غزة اليوم ليست المدينة التي كانت، لكنها ليست مدينة ميتة. فالمدن قد تهدم بيوتها وشوارعها، وقد تفقد أسواقها وأبراجها ومؤسساتها، لكنها تستعيد نفسها حين يتمسك أهلها بالحياة والتوق للسلام والأمن والأمان، ربما لن تعود غزة كما كانت، وربما يحتاج ترميمها إلى سنوات طويلة، وربما ستبقى آثار هذه الحرب محفورة في المكان والناس والذاكرة. لكن غزة التي عرفناها لا يمكن أن تختصر في الركام. عائد إلى غزة، لا لأرى ما تهدّم فقط، بل لأبحث عن غزة التي ربما ستنهض يوما ما من بين الركام.
×
أخبار
تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط