تاريخ النشر: 2023-03-07 | 10:00
تاريخ النشر: 2023-03-07 | 10:00
جنين- صافيناز اللوح: بين الركام وحجارة المنازل، وأصوات الرصاص التي تبعثرت في أزقة المخيم، وجثث الشهداء التي تناثرت تحت الأبنية المهدمة، ورفاق السلاح ممن أعدموا أو تم اغتيالهم أمام أعين الكاميرات ومرأى ومسمع العالم الصامت، عاش ذاك الفدائي صاحب الكوفية الفتحاوية تحت الردم الذي خلفته آليات الاحتلال خلال اجتياحها الكامل لجنين ومخيمها، وخرج منها مرفوع الرأس شامخاً لا يهاب محتليه.
زكريا الزبيدي "التنين" الذي خرج من تحت الركام مرفوعاً على الأكتاف، بين التكبيرات وأصوات الفلسطينيين الذين نجوا من غدر آليات الاحتلال، التي جعلت من جنين ومخيمها أسطورة لعام 2002.
التنين الذي أرعب الاحتلال..
زكريا محمد عبد الرحمن الزبيدي 46 عاماً من مواليد عام 1976، قائد كتائب شهداء الأقصى، بطلاً من أبطال مخيم جنين، بل من رجال فلسطين الأشداء الذين كتب التاريخ اسمهم بالدم والرصاص، أحد أبرز المطاردين منذ عام 2000، ولقب بـ"التنين" الذي أرعب الاحتلال الإسرائيلي.
تعرَّض الزبيدي لأربع محاولات اغتيال، وأصيب بالرصاص عدة مرات، ولم يَسلم من الجراح بفعل الإصابات، فانفجرت في وجهه عبوة ناسفة أثناء التجهيز، ولا تزال آثارها على جسده.
وصفته مخابرات الاحتلال بـ"قط الشوارع"؛ لأنه يفلت من بين أيديهم في كل مرة، واتهمته بالمشاركة في عملية مسحلة على مقر لحزب الليكود في عام 2002، والتي قتل فيها 6 إسرائيليين.
وفي 15 يوليو 2007، أعلن الاحتلال الإسرائيلي إطلاق عفو عن مسلّحي كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح، ومن بينهم "التنين" زكريا الزبيدي.
وفي مقابلة في الرابع من إبريل لعام 2008، قال الزبيدي: "إنه لم يحصل على العفو العام، لذلك استمر في البقاء داخل أحد مقارّ الأجهزة الأمنية في جنين" وبقى مطارداً صنديداً يواجه عدوه بالبندقية.
ويعد "التنين"، أحد أبطال عملية الخروج الكبير من نفق سجن جلبوع، في الـ6 من سبتمبر لعام 2021، وأعاد الاحتلال اعتقاله مع باقي الأسرى الفارين بعد عدة أيام من تنفسه للحرية، ولم يُصدر بحقه أي حكم حتى مشاركته بنفق الحرية.
وفي عام 2018، التحق الزبيدي ببرنامج ماجستير الدراسات العربية المعاصرة في جامعة بيرز، وقدم أطروحة ماجستير بجامعة بيرزيت تحت عنوان "الصياد والتنين"، وتناولت الرسالة ما يقارب 50 عاماً من ملاحقة الاحتلال للمطلوبين الفلسطينيين، ولم يتسنَّ له إكمالها ومناقشتها بسبب اعتقاله أواخر فبراير 2019.
انتظار قد يطول..
شابان وفتاة ووالدتهم التي تنتظر عودة عمود البيت القوي الذي لم تهزه ضربات الاحتلال، على أمل عودة التنين سند وحارس المنزل بل مخيم جنين، إلى منزله حراً طليقاً يتنفس الحرية.
هكذا تحدث محمد زكريا الزبيدي 20 عاماً، وهو نجل "تنين جنين"، ذلك الجبل الشامخ خلف السجون، صاحب "الأرواح التسعة" والمواقف الصعبة، الشهيد الحي الذي خرج من فم الموت، ومن تحت ركام المنازل، والمطلوب الأول على قائمة الاغتيالات الإسرائيلية.
ويقول محمد لـ"أمد للإعلام" عن والده زكريا القابع في سجن "ايشيل": إنّ اعتقل خلال تواجده في مدينة رام الله بتاريخ 27/2/2019م، وتنقل خلال تواجده في سجون الاحتلال عبر 8 زنازين منهم "عسقلان، جلبوع، ايشيل، نفحة، كيدار، وغيرها".
من خلف قضبان حديدية، ولوح زجاج، وبمعنوياته المرتفعة، زار محمد والده "التنين" 5 مرات قبل عملية نفق الحرية في سجن جلبوع و3 مرات بعدها في عسقلان، فاستمع إلى توصياته من سماعة الهاتف رغم الألم وعدم احتضانه لوالده لكنه؛ كان مبتسماً لرؤيته من بعيد وسماع صوته.
"لم أصدق في البداية هروب والدي من السجن".. هكذا قال محمد لـ"أمد" عن عملية الخروج الكبيرة من سجن جلبوع، مضيفاً: أنّه تأكد من ذلك بعد رؤيته لصورة والده تتراود عبر مواقع السوشيال ميديا والإعلام العبري ووسائل الإعلام العربية والمحلية، وجلست أنتظر قدومه إلى المنزل.
وتابع: كنت متوقعاً وصول والدي إلى المنزل لكنه لم يقترب منه بسبب التشديد الأمني الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي، وحينما اعتقلوه شاهدته عبر شاشات التلفاز وعاد شعورنا الذي كان مرتفعاً إلى نقصان الفرحة التي نشعر بها وهو داخل السجون.
عائلة فتحاوية شقت طريق البطولة..
عبد الرحمن محمد عبد الرحمن الزبيدي 48 عاماً، وهو شقيق الأسرى والشهداء ووالدته شهيدة، تحدث مع "أمد للإعلام" عن التنين زكريا وأخوته الأسرى يحيى وجبريل والشهداء طه وداود، لعائلة مناضلة كتبت اسمها بين طيات الانتصار وحملت أرواح أبناءها أكفاناً فداءً لفلسطين والأقصى، ولمخيم جنين.
وأكد عبد الرحمن لـ"أمد"، أنّ جيش الاحتلال اعتقل شقيقيه جبريل 36 عاماً، ويحيى 43 عاماً، بحادثتين منفصلتين، يحيى الذي اعتقل عام 2002، ولمدة 17 عاماً داخل سجون الاحتلال ليخرج بعام 2018، ليتزوج وينجب محمد وأسامة، ومن ثم اعتقل عندما كان عائداً من مدينة أريحا، بعد سفره إلى العاصمة الأردنية مع نجل شقيقه الشهيد داوود خلال فبراير 2023.
وعن جبريل الذي قضى 12 عاماً داخل السجون منذ عام 2006 ليخرج بعام 2018، وهو ذاك الفدائي الذي لازال صدى أصوات رصاص بنادق كتائب شهداء الأقصى- لواء الشهداء يصدح باسمه، والذي اعتقل بعملية خاصة نفذتها قوة من اليمام بعد محاصرتهم لمنزله في منطقة الجابريات بمخيم جنين عام 2023.
وعن الشهداء طه الذي استشهد خلال اجتياح مخيم جنين في شهر مارس لعام 2002م، وذلك قبل 3 أشهر من استشهاد والدتهم، وداود الذي أصيب برصاصة في البطن جعلته طريح فراش المستشفى لقرابة الأسبوعين، وتم نقله إلى مستشفيات إسرائيل، وأعلن عن ارتقاءه إلى العلى في شهر مايو لعام 2022.
أحلام فلسطينية ضائعة بفعل الاحتلال..
"حلمي يروح أبوي"، هكذا أجاب محمد ابن زكريا الزبيدي على سؤال "أمد للإعلام" عن أحلامه وأمنياته، مضيفاً: نحن نعيش تحت احتلال نرسم لحلم لا نستطيع أن نكمله.
وعن مخيم جنين، وحلمه وسط أزقته، أوضح محمد، أنّني "أريد أن أقاوم مثل أي شاب في هذا المخيم، حتى نحرر الوطن من دنس الاحتلال، متمنياً الفرج القريب لوالده ولكافة الأسرى داخل سجون الظلم الإسرائيلية".
عبد الرحمن قدم رسالته عبر "أمد"، إلى الشعب الفلسطيني، مؤكداً فيها أنّ فجر الحرية قادم لا محالة، وأنّ الاحتلال مصيره إلى زوال، وسيبقى الشعب الفلسطيني من أرقى الشعوب، وسنأخذ بأيدينا ما نريد، وسيتبعنا جيلاً بعد جيل، يحملون الوصية ويحافظون على الأمانة.
اذن.. هدم المنزل أكثر من مرة، وعاد عبد الرحمن إعادة بناءه بحسب م تحدث به مع "أمد للإعلام" بمساندة أخوته، واعتقل أشقاءه وخرجوا من خلف القضبان ليعيد الاحتلال الهمجي اعتقالهم ويزج بهم خلق قضبان ظلمه، واستشهد اثنين من أخوته ووالدته، ليبقى 4 من الرجال من أصل 6 على قيد الحياة، واثنتين من البنات، متمسكين بحب الوطن، ومتشبثين بجذوع المخيم، حتى الرمق الأخير فداء لفلسطين وقدسها وأقصاها.