تتقوقع أمام البريد وتحتضن طفلتها بملابس شديدة الاهتراء ، تحدق بالموظفين الذين يمرون من أمامها كأنهم مطالبين بالتوقيع في سجل الخروج، منهم من يضع لها الشيكل ، وهناك من يتجاهل.
حدقت بها وهي تنظر إلى أحد الموظفين يعد راتبه ، وكأنه يقول هذا الجزء للطعام وهذا مصروفات لأطفالي ، وهذا لسداد الديون وما يتبقى لشراء دجاجة يوم الجمعة ، لذلك لا داعي لشراء قميص جديد من هذا البائع الذي يتمركز أمام البريد ترقباً لخروجي!
ابتسمت وأنا أراقب ملامح وجهها من بُعد ولوحت لها بيدي :" كلنا بالهوا سوا ".
لا للضم، لا للضم، يهتف بأعلى صوته وهو يضم طفله الجائع إلى قلبه ،لأن رئيس العصابة في وطنه قرر أن يتصدى للضم بفتات راتبه التي حولها لِمنة!
عرض عسكري وهتافات قوية "نحن هنا " والتقاط للصور بجانب المسلحين، من شباب يتكدسون فوق بعضهم ويتصببون عرقا ، وكأنهم لم يعرفوا باي طريق يسيرون، فساروا مع القافلة دون انتماء !
من بُعد ترتدي خمارها وتركز عدسة كاميرتها على العرض العسكري ذاته ، وترفع علامة النصر، وزوجها ينظر باندهاش ونظراته تتساءل : متى سأنتصر على الجوع والحرمان ويتوفر في جيبي ثمن كأس قهوة في مكان بعيد عن صراخك وصراخ أطفالي ؟
تأخذني فيروز بعيدا عنهما وتجعلني أردد معها : بتجبلي منه تذكار شي ورقة وشي صورة، على الورقة يكتب أشـعار واسـمه على الصورة، ليلوح لي بيده : أمانة اشتري مني هذا البالون ومكتوب عليه أحبك ، جعلني أنتبه إلى أن اخر شيكل في محفظتي كان من نصيب بائع الذرة ، فطار الحب مع بالونته وغطته غبار سيارات العرض العسكري!.
تجلس بجانبي في البنك ، وإذ به يجتاز كل الجالسين بشنطة كُتِب عليها" شنطة النقود"، لتقول:" لو أنهم يوزعونها على الجالسين!
ضحكت وقلت لها:" طموحك كبير يا خالتي .
قالت :" لا فقط مئة شيكل تكفي حتى أتسوق عن بضع أيام لأطفالي ، وبعد ذلك ربك يرزقنا !
خدعته أضواء الفندق وهو يسير في طريقه، لأنه يغرق في مدينة يلِفها السواد والبؤس والقهر والظلم والرياء ، توقف عن سيره وصرخ: تلك الاضواء أراها كعجوز شمطاء تستعير شعر لونه خروبي ، يغطي شيب رأسها وعمرها الذي أفنته في سوء صنيعها !
اختارت أن تتناول عشاءها في مطعم فاخر مقابل ميناء غزة، وكانت الصدفة أنها اختارت مكان جلوسها يقابل تفاصيل الميناء واصوات المارة فيها.
سرحت وأخذت تقارن ما الفرق بين رفاهية هذا المكان والميناء؟، أطلت عليهم من سطح وثير بالورود ، والغريب أنها وجدته ثري بصدى ضحكاتهم ومرح أصواتهم التي كاد يأكلها التعب !
لمحت طول قامته من أعلى سطح الفندق، وهو يمرح في عربة أطفال مزركشة، على صدى أغنية من كلماتها "علشانك سبت الشيشة" .
قهقهت بحرقة وقالت:" لو تملك ثمن الشيشة ما ركبت عربة الاطفال بشيكل واحد ، وشهادتك ملقاه في درج مكتبك عشاء للفئران.
نزل من سيارته الفارهة والتف حول أولاده الذين يتبوؤون أرفع المناصب ،ويتلقون أعلى الرواتب ، ولاح بإصبع واحد لأن يده شاغرة بقطعة دجاج يأكلها ، وقال وهو يمضغ دجاجته :" المنتحر في النار !
حسرة علينا في غزة، في ميناءها تغرق أحلامنا ، و في قشر البزر المُلقى على رصيفها ندرك حجم قهرنا ، ورائحة الظلم النتنة فيها تعبق رئاتنا.