الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

على هامش أزمة المثقف العربي

على هامش أزمة المثقف العربي

تاريخ النشر: 2024-06-27 | 13:50

هل آن الأوان للعقل العربي كي يتحرر من أوهامه..التي يزداد ارتكاساً فيها..؟!

“المثقفون لديهم مشكلة:عليهم تبرير وجودهم.”(نعوم تشومسكي)

مقدمة :

إن المراجعة التي يقوم بها الغرب لدور المثقف لا يمكن إسقاطها تعسفاً على الواقع العربي،لا لشيء،وإنما لأن المثقف هناك عبر برازخ من التحوّلات والتجارب والاستبدالات.الغرب يغذ السير على طريق التحول،وأنجزت الثقافة فيه الدور التحريري والتنويري الضروري في مراحل سابقة،أوصلت الغرب إلى ما هو عليه اليوم من نهضة،بينما المثقف العربي يعيش سياق التخلف التاريخي والاستبداد السياسي والفساد،ما يؤكد ضخامة الرسالة الملقاة على عاتق المثقف العربي والمهام المنتظرة منه في النقد والتحليل والتنوير والتحديث.

 

ليس من موضوع أسيل فيه مداد كثير،كما أسيل في موضوع المثقف العربي وأزمته.فمنذ عقود من الزمن ساد في الأوساط الفكرية والثقافية العربية حديث أزمة المثقف،وانتشرت لازمة الأزمة بوجه خاص منذ أن نشر المفكر المغربي عبد الله العروي1 كتابه باللغة الفرنسية “أزمة المثقفين العرب: تقليدية أم تاريخانية؟” في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي،حتى ذهب الظن إلى أن المثقف العربي ولد وفي أحشائه أزمته.!

 ويمكن القول بأن التساؤل المتكرر والدائم عن أزمة المثقف العربي يخفي وراءه-بطريق المداورة-الشعور بالموقع الرئيس الذي يحتله في البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية في المجتمعات العربية الحديثة،ومدى الرهان الملقى عليه في التحولات المتوالية، والإحساس بالحاجة إلى دوره المتزايد.وبصيغة أخرى،فإن التساؤل الملح عن أزمة المثقف العربي ينطوي-بشكل ضمني-على الشعور بأن هناك وضعا شرطيا،مفاده أن خروج المثقف من أزمته شرط للنهوض والخروج من التخلف.

ونحن نعتقد بأن استئناف المثقف لدوره من جديد،يتأتى من خلال مدخل يربط النظر بالفكر،والقلم بالعمل،ويتمثل ذلك في هبوط المثقف إلى الهموم اليومية التي يعيشها المواطن العربي،بدل التنظير من خلال برج عاجي يعزل المثقف عن الناس ويعطي عنه صورة رجل التأمل المجرد المُفاصل للواقع المنقطع عن الحياة العامة.أما المدخل الثاني فهو يرتبط بإعادة تحديد العلاقة بين الثقافي والسياسي،في ظل هيمنة هذا الأخير في المشهد العربي اليوم،وهيمنته على مختلف جوانب النقاش العمومي،وتهميشه لدور المثقف.

ولكن..

منذ سنوات والمثقف يتعرض لتقريع،وحتى إدانة ومطالبة له بالانسحاب من دورٍ لم يعطه إياه أحد،أو حسب تعبير جان بول سارتر،من مهام لم يكلفهُ بها أحد،وعلى سيرة سارتر بالذات،فجإن البعض إذ عَدّ القرن العشرين قرن المثقفين،فإنه كان قرن سارتر، في فرنسا على الأقل،بوصف سارتر مثقفاً وداعية .

اليوم،مع تقدم المعرفة وفحص الأوهام،بدأ التساؤل عن دور المثقف،عن المثقف الملتزم في إطار التجدد المستمر للفكر الغربي. في فرنسا ذاتها يُطور بورديو سوسيولوجيا للمثقفين يكشف فيها أنهم ليسوا ملائكة،ليسوا كائنات فوق الجاذبية الاجتماعية،بل هم كائنات لها مصالح واستراتيجيات هيمنة وإرادات قوة كغيرهم من الفئات .

ثمة نموذج جدير بالانتباه هنا هو ريجيس دوبريه الثوري اليساري المتطرف في ستينات وسبعينات القرن الآفل الذي رافق تشي غيفارا،وذهب إلى حمل السلاح في أدغال أمريكا اللاتينية،فإذا به اليوم من أشد منتقدي الدور الاجتماعي للمثقفين،إنه يتحدث عن نهاية اليقينيات،وانقشاع الأوهام الأيديولوجية التي تغشى الأبصار .

هذه الحمّى من النقد انتقلت إلى الوطن العربي أيضاً،فمنذ الثمانينات الماضية أصدر محمد عابد الجابري كتابه: الخطاب العربي المعاصر الذي قرَّع فيه دور المثقف العربي،لأنه كلما اشتدت عليه وطأة الواقع،وجد ملاذه في مزيد من الهروب إلى الأمام، وقد دفع هذا إلى الاعتقاد بأن ثمة حاجة إلى إعمال أدوات التحليل النفسي في رصد سلوك المثقفين العرب لرؤية عُقدهم .

في إيقاع قريب من هذا لم يهادن جورج طرابيشي المثقفين العرب في نقده لهم،إذ ميز بين ما يدعوه الصدمة والرضة.فبرأيه أن الصدمة يمكن أن تؤدي إلى فعل إيجابي في الأداء الجمعي،أما الرضة،كتلك التي أصابت العرب بعد هزيمة،1967 فهي التي أمرضت الوعي العربي وخطابه معاً،أو على الأقل هي التي أتاحت المناخ النفسي الملائم لجرثومة المرض الكامنة في الوعي العربي، لتنمو وتتطور وتحطم دفاعات الصحة وتجعلها فريسة مستباحة لمحفزات اللاشعور .

إن المراجعة التي يقوم بها الغرب لدور المثقف لا يمكن إسقاطها تعسفاً على الواقع العربي،لا لشيء،وإنما لأن المثقف هناك عبر برازخ من التحوّلات والتجارب والاستبدالات.الغرب يغذ السير على طريق التحول،وأنجزت الثقافة فيه الدور التحريري والتنويري الضروري في مراحل سابقة،أوصلت الغرب إلى ما هو عليه اليوم من نهضة،بينما المثقف العربي يعيش سياق التخلف التاريخي والاستبداد السياسي والفساد،ما يؤكد ضخامة الرسالة الملقاة على عاتق المثقف العربي والمهام المنتظرة منه في النقد والتحليل والتنوير والتحديث .

الحديث هنا يدور، بالتأكيد، عن المثقف التنويري المندمج في العصر،وأياً كانت المآخذ والسلبيات وأعراض الذي يعانيه هذا المثقف،فإن ذلك لا يقلل بحال من مسؤولياته إذا شئنا للعقل العربي أن يتحرر من أوهامه التي يزداد ارتكاساً فيها .

منذ سنوات والمثقف يتعرض لتقريع،وحتى إدانة ومطالبة له بالانسحاب من دورٍ لم يعطه إياه أحد،أو حسب تعبير جان بول سارتر،من مهام لم يكلفهُ بها أحد،وعلى سيرة سارتر بالذات،فإن البعض إذ عَدّ القرن العشرين قرن المثقفين،فإنه كان قرن سارتر، في فرنسا على الأقل،بوصف سارتر مثقفاً وداعية .

اليوم،مع تقدم المعرفة وفحص الأوهام، بدأ التساؤل عن دور المثقف،وعن المثقف الملتزم في إطار التجدد المستمر للفكر الغربي.

 في فرنسا ذاتها يُطور بورديو 2 سوسيولوجيا للمثقفين يكشف فيها أنهم ليسوا ملائكة، ليسوا كائنات فوق الجاذبية الاجتماعية، بل هم كائنات لها مصالح واستراتيجيات هيمنة وإرادات قوة كغيرهم من الفئات .

ثمة نموذج جدير بالانتباه هنا هو ريجيس دوبريه.3 الثوري اليساري المتطرف في ستينات وسبعينات القرن الآفل الذي رافق تشي غيفارا،وذهب إلى حمل السلاح في أدغال أمريكا اللاتينية، فإذا به اليوم من أشد منتقدي الدور الاجتماعي للمثقفين، إنه يتحدث عن نهاية اليقينيات، وانقشاع الأوهام الأيديولوجية التي تغشى الأبصار .

هذه الحمّى من النقد انتقلت إلى الوطن العربي أيضاً،فمنذ الثمانينات الماضية أصدر محمد عابد الجابري كتابه: الخطاب العربي المعاصر الذي قرَّع فيه دور المثقف العربي،لأنه كلما اشتدت عليه وطأة الواقع،وجد ملاذه في مزيد من الهروب إلى الأمام،وقد دفع هذا إلى الاعتقاد بأن ثمة حاجة إلى إعمال أدوات التحليل النفسي في رصد سلوك المثقفين العرب لرؤية عُقدهم .

في إيقاع قريب من هذا لم يهادن جورج طرابيشي 4 المثقفين العرب في نقده لهم،إذ ميز بين ما يدعوه الصدمة والرضة.فبرأيه أن الصدمة يمكن أن تؤدي إلى فعل إيجابي في الأداء الجمعي،أما الرضة،كتلك التي أصابت العرب بعد هزيمة ،1967 فهي التي أمرضت الوعي العربي وخطابه معاً،أو على الأقل هي التي أتاحت المناخ النفسي الملائم لجرثومة المرض الكامنة في الوعي العربي، لتنمو وتتطور وتحطم دفاعات الصحة وتجعلها فريسة مستباحة لمحفزات اللاشعور.

ما أريد أن أقول ؟

إن المراجعة التي يقوم بها الغرب لدور المثقف لا يمكن إسقاطها تعسفاً على الواقع العربي،لا لشيء،وإنما لأن المثقف هناك عبر برازخ من التحوّلات والتجارب والاستبدالات.الغرب يغذ السير على طريق التحول،وأنجزت الثقافة فيه الدور التحريري والتنويري الضروري في مراحل سابقة،أوصلت الغرب إلى ما هو عليه اليوم من نهضة،بينما المثقف العربي يعيش سياق التخلف التاريخي والاستبداد السياسي والفساد،ما يؤكد ضخامة الرسالة الملقاة على عاتق المثقف العربي والمهام المنتظرة منه في النقد والتحليل والتنوير والتحديث.

الحديث هنا يدور،بالتأكيد،عن المثقف التنويري المندمج في العصر،وأياً كانت المآخذ والسلبيات وأعراض المرض الذي يعانيه هذا المثقف،فإن ذلك لا يقلل بحال من مسؤولياته إذا شئنا للعقل العربي أن يتحرر من أوهامه التي يزداد ارتكاساً فيها.

هوامش :

-1عبد الله العروي :مفكر ومؤرخ وروائي مغربي، يعتبر من المفكرين الذين اتخذوا التاريخانية الجديدة مذهبا وفلسفة ومنهجا للتحليل، كما يُعد العروي أيضا من أنصار القطيعة مع التراث العربي والإسلامي ومن دعاة تبني الحداثة الغربية كقيمة انسانية.

2-پيير بورديو (بالفرنسية: Pierre Bourdieu)‏ (1 أوت 1930- 23 جانفي 2002) عالم اجتماع فرنسي،أحد الفاعلين الأساسيين بالحياة الثقافية والفكرية بفرنسا،وأحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع المعاصر.

3-جول ريجيس دوبريه (بالفرنسية: Régis Debray)‏ (من مواليد 2 سبتمبر 1940) هو فيلسوف فرنسي،وصحفي،ومسؤول حكومي سابق،وأكاديمي.معروف بنظريته في الميديولوجيا،وهي نظرية نقدية في انتقال المعنى الثقافي في المجتمع البشري على المى البعيد،وبارتباطه بالثوري الماركسي تشي غيفارا في بوليفيا خلال عام 1967،وبدعمه لرئاسة سلفادور أليندي في تشيلي في أوائل السبعينيات من القرن العشرين.عاد إلى فرنسا خلال عام 1973 وشغل فيما بعد العديد من المناصب الرسمية داخل الحكومة الفرنسية.

4-جورج طرابيشي (1939م - 16 مارس 2016م)، مفكر وكاتب وناقد ومترجم عربي سوري. تخصص في نقد الأدب وشرب من ينابيع الفلسفة الوجودية والتحليل النفسي، وترجم عشرات المؤلفات،ثم خصص ربع قرن من حياته لنقد المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري موجها له انتقادات لاذعة.

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط