تاريخ النشر: 2026-05-28 | 11:35
تاريخ النشر: 2026-05-28 | 11:35
ليس غريبا أن تحتفي مراكز الفكر الغربية بعبد الرحمن بن خلدون،مؤسس علم الاجتماع وأحد أعمدة الفلسفة التاريخية،فهو صاحب نظريات ثاقبة في نشأة الدول وسقوطها،وعصارة العقل التونسي الخالد.لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن أعلام الغرب-من ريغان إلى بايدن مرورا بشيراك وجونسون-يستلهمون منهج ابن خلدون في خطاباتهم الرسمية وإستراتيجياتهم السياسية والاقتصادية،بينما يُطيح إعلامنا العربي بهذا الثقل الحضاري ليحل محله راقصات الكاباريهات ومهرجانات الفسق والانحلال.!
والأدهى أن كتاب "العبر" ما زال في بعض الأنظمة العربية "ممنوعا من التداول" لأنه فضح طباع الغدر والخيانة لدى بعض حكام العربان.
إنه انكسار مزدوج: فقر ثقافي وهوان أخلاقي، يختزلان هذه العبارة الموجعة: "يا أمة ضحكت من جهلها الأمم".
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل إهمالنا لابن خلدون هو فقط تقصير إعلامي،أم أن أطروحته عن "العصبية" وصراع الأجيال داخل الدولة تخشاها الأنظمة العربية التي تعيش هشاشة التماسك الاجتماعي؟!
ابن خلدون لم يكن مجرد مؤرخ،بل كان "طبيب أمراض الدول" الذي شخّص ظواهر كالفقر والإصلاح الضريبي والانهيار الأخلاقي،وهي ذات الأمراض التي تخشى النخب الحاكمة في منطقتنا فتح ملفاتها.!
لذلك،بينما يحتفي الغرب به كمرجعية نقدية صريحة،تجده في وطنه محصورا في الكتب المدرسية بنزعة اجتزاء لا تليق بعبقريته.
إن إعادة اكتشاف ابن خلدون في تونس والجزائر والمشرق اليوم ليست ترفا فكريا،بل ضرورة وجودية لبناء نهضة تنقذنا من استمرار "حضيض الرداءة" الذي يملأ شاشاتنا ويهدم مستقبلنا.
وهكذا،بينما تمر ذكرى ميلاد ابن خلدون كأي يوم عابر في وجداننا العربي،يُعاد اكتشافه في الغرب كمنارة فكرية لا تغرب.!
إنها مفارقة مؤلمة أن يكون رائد علم الاجتماع وأبو الفلسفة التاريخية أسير رفوف المكتبات المدرسية وأوراق الامتحانات،بينما يستلهم قادته الغربيون دروسه في بناء الدول وتشخيص أمراضها.
ابن خلدون ليس مجرد اسم في كتاب تاريخ،بل مرآة تعكس واقعنا الأليم: أمة تمتلك مفاتيح نهضتها في تراثها،لكنها تبحث عنها في غير مكانها. إن إهمالنا لعبقريته ليس فقط جهلا بمكانته،بل هو شهادة على مرض أعمق: خوف من الفكر النقدي الذي لا يمجّد السقف،بل يكشف عيوب البنيان.
فهل آن الأوان لنعيد لابن خلدون مكانه الحقيقي في فكرنا ومناهجنا وإعلامنا؟ أم نبقى أسرى دائرة الجهل المركّب،نرثي لأنفسنا ونحن ندفن عقولنا بأيدينا؟!
إن النهضة التي نرجوها لن تبدأ ببناء القصور،بل ببناء الوعي،ولن تتحقق باستيراد حلول الغرب،بل بإعادة اكتشاف عباقرتنا الذين سبقوا عصرهم بقرون.
ابن خلدون انتظر طويلا..فمتى نوقظه من سبات الإهمال؟ ومتى نوقظ معه عقولا ظلت سنوات طويلة في غيبوبة التخلف الثقافي؟!
وخلاصة القول: إن ابن خلدون ليس مجرد عبقري ماض،بل هو ضمير الأمة النابض الذي اختارت أن تخرسه.فكل يوم نهمله فيه،ندفن جزءا من قدرتنا على النهوض.وظلّ سؤاله الخالد يلاحقنا: كيف تبني دولة وأنت تخشى كشف أمراضها؟!
إن إعادة الاعتبار لابن خلدون ليست انتصارا للماضي،بل هي المعركة الوحيدة الباقية لنصنع مستقبلا لا يضحك فيه التاريخ على جهلنا مجددا.
وهكذا،يظل ابن خلدون شاهدا على حقيقة مرة: أن الأمم لا تُنهض بتقديس الماضي،ولا بإحراق تراثها،بل بجرأة على مواجهة ذواتها.فكلما طمسنا صوت عبقريتنا،ازددنا هوانا.وكلما أعدنا اكتشافه، اقتربنا من خلاصنا.
رحمة الله عليك يا ابن خلدون.. فأنت في وطنك غريب،وفي تاريخنا حاضر غائب،وعند غيرنا نبراس يهتدى به.!
*عبد الرحمن بن خلدون:
مؤرخ وفيلسوف اجتماعي وسياسي، وهو أحد أبرز علماء القرون الوسطى،ومن أكبر المؤرخين العرب. ينسب إليه تأسيس علم الاجتماع، وهو واضع أصول فلسفة التاريخ، أنتج موسوعة تاريخية اعتُبرت من أهم مصادر الفكر العالمي، إضافة إلى كتابه "المقدمة" الذي اكتسب به شهرة عبر العصور. تقلب في مراكز الحكم والسلطان، وعرف المجد والشهرة،وابتُلي بالسجن والنفي والتشريد، وذاق مرارة الاغتراب.
وُلد عبد الرحمن بن خلدون يوم 27 ماي/أيار 1332م،الموافق للأول من رمضان 732هـ،في مدينة تونس زمن الدولة الحفصية.