تاريخ النشر: 2018-11-26 | 00:00
تاريخ النشر: 2018-11-26 | 00:00
أمد/ غزة- أحمد قنن: يلجأ الكثير من الأطفال للهروب من مدراسهم، كي يوفروا قوت يوم أو يومين لعائلتهم، نتيجة تردي الوضع الاقتصادي في قطاع غزة، مستخدمين أسلوب الاستعطاف، أو الاستجداء للحصول على المال أو الطعام.
وحول أبرز دوافع اللجوء للتسول تقول الأخصائية الاجتماعية والنفسية نرمين أبو جياب،: "الحاجة والفقر الشديدان، وسهولة الحصول على المال دون بذل جهد بدني، إضافة إلى تهاون السلطات في الحد من هذه الظاهرة، وعدم وجود مظلة أمان اجتماعي لحماية الفقراء والمحتاجين لتسد احتياجاتهم، وليس ختامًا استهتار أولياء الأمور بأطفالهم وجعلهم وسيلة رزق سهلة دون الإحساس بمعانتهم".
وترى أبو جياب أن ذلك ينعكس بشكل سلبي وكبير على الأطفال، ويؤدى إلى شعورهم بالدونية والاضطهاد، ويصبحوا بذلك حاقدين على أنفسهم وعلى المجتمع ما يجعلهم أكثر عرضة للانحراف والتحرش"، لافتةً إلى أن التسول، يؤثر على المجتمع بشكل كبير، لما يتبعه من تفشي لظاهرة السرقة والبطالة.
ووصفت ذلك بالقنبلة الموقوتة، التي تؤثر على الاقتصاد والمنظومة الأخلاقية والمثل العليا، وتدنيها لعدم وجود حسيب ورقيب، منوهةً إلى أنها أصبحت ظاهرة للأسف، ووباء ينتشر بسرعة كالهشيم في النار ومظهر غير حضاري ويدل على وجود فجوة بين الحكومة والشعب".
أساليب التسوّل
وتوضح الأخصائية أبو جياب لـ "أمد للإعلام"، أن أبرز أساليب التسول التي يمتهنها الأطفال هي: "مسح زجاج السيارات مقابل مبلغ مادي زهيد"، مستحضرة التسول في الدول المتحضرة قائلة: "في الخارج يكون التسول بشكل حضاري وأرقى ومقبول نوعًا ما، فنجد أحدهم يلجأ إلى أن يقدم موهبته أو مقطوعة موسيقية مقابل عائد مادي أو معنوي، علمًا بأن الحكومات تحد من ذلك وتنظمه كأن يكون له أماكن معينة أو شوارع محددة".
وحول سبل القضاء على هذه الظاهرة تؤكد أبو جياب أنها: "تتطلب تعاون جميع فئات المجتمع من أفراد ومؤسسات وسلطات كل حسب مسؤوليته حتى يتم دحر هذه الظاهرة"، مشيرةً إلى أن توفير الحد الأدنى للاحتياجات الإنسانية، واللجوء إلى مثلث التنمية ألا وهو (الحكومة ورجال الأعمال والمؤسسات)، وتقديم الرعاية مسبقا لهؤلاء الأطفال، بالإضافة إلى توفير بعض المهن البسيطة لتحسين ظروفهم المعيشية".
من جهته، يقول مدير عام العلاقات الدولية والعامة بوزارة التربية والتعليم العالي معتصم الميناوي إن: "التسرب المدرسي موجود في كل الفترات، لكن بنسب متفاوتة ما بين فترة وأخرى، لكن نجده قد انتشر في الفترة الاخيرة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها قطاع غزة".
ويُضيف الميناوي: "هناك خططًا علاجية من قبل المرشدين التربويين المتواجدين داخل المدارس، وبدعم من بعض مؤسسات الدولة لأجل الحد من التسرب المدرسي، وبالفعل نجحنا في الآونة الأخيرة بالحد من هذه ظاهرة التسول"، مشددًا على أنه تبقى المشكلة كما هي وحلها الأوحد هو تحسن الأوضاع الاقتصادية.
ويتابع الميناوي، أن المدرسة تلجأ للطرق العلمية المتمثلة بالتوعية من قبل المعلمين والمرشدين وعن طريق مجلس أولياء الأمور، للحد من هذه الظاهرة، موضحًا: "هناك متابعة ميدانية ولحظية من خلال الإدارات العامة في الوزارة، وترفع تقاريرها باستمرار لوكيل الوزارة، حتى يتسنى له وضع خطط لأجل الحد من الظاهرة وغيرها".
معالجة المشكلة
وحول تعامل الوازرة مع أهل المتسول يقول: "تتواصل المدرسة مباشرة مع ولي أمر الطالب، حتى يتم معالجة المشكلة، وفي كثير من الأحيان نجحنا، وإن كان هناك بعض الإخفاقات التي لا تكاد تُذكر"، منوهًا إلى أنه يبقى الدور الأبرز للبيت ولكن هناك بعض الأهالي لديهم "عدم مبالاة إزاء ذلك"، ما ينعكس سلبًا على مسيرة الطالب التعليمية.
ووجه رسالة للأولياء الامور أكد فيها أنه يجب عليهم أن يصبروا على الألم الذي نمر فيه، فطريق العلم محفوف بالمكاره، ويجب ألا يضحوا بفلذات كبدهم لأجل قوت يوم أو يومين، ويجب أن ندفع دماء قلوبنا لأجل هذا الجيل فهو الساعد والأمل في المرحلة المقبلة".
وعلى قارعة الطريق وجدنا طفل "رفض أن يذكر اسمه"، يرتاد الطرقات العمومية "خاصة على المفترقات"، يحمل بيده "علبة من الشوكولاتة رديئة الجودة"، ويبيعها للناس بثمن بخس، لكن دون جدوى، فقلة من يشترون من هذه الفئة رغم احتياجها الشديد نتيجة الفقر.
فقر مدقع
وتمتم الطفل بكلمات قائلًا لـ أمد للإعلام: "والله يا عمو الوضع صعب ولو ما بعت الشوكولاتة أهلي ما راح يتغدوا، وأبويا تعبان ومريض ومش لاقي شغل واحنا في البيت عددنا عشرة، صارلنا زمان على هالحال وبيتنا مبني بالزينقو (صفائح من الحديد توضع كسقف للبيت بدلًا من الباطون والحجر حتى تقي حر الشمس وبرد الشتاء)".
وفي نهاية حواره، يذكر الطفل وعيناه تمتلأ بالدموع: "حسبي الله ونعم الوكيل.. في رب كريم، ما راح ينسانا وهو هيرزقنا"، وحينها ذهب الطفل لطريق أشبه بالسراب، فتردي الوضع الاقتصادي بغزة، حال دون فرحته ومنعه من أن يعيش كباقي أطفال العالم اللذين ينامون على أوسده من ريش النعام، بينما ينام هو على قطعة خشبية أو فتات كرتونة ممزقة.
وأظهرت البيانات الصادرة عن جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني لعام 2017 انتشار الفقر لدرجة مذهلة في قطاع غزة، فما يقارب ثلث السكان (29.2%) في فلسطين يعيشون دون خط الفقر الوطني، وأنّ ما يزيد عن نصف سكان القطاع (53%) يعانون من الفقر.
كما أنّ معدل الفقر في قطاع غزة يفوق المعدّل السائد في الضفة الغربية بـ (3.8) مرات، أي بحوالي أربعة أضعاف، كما أنّ مساهمة فقراء قطاع غزة (71.2%) في معدل الفقر الوطني أكبر من مساهمة الفقراء في الضفة الغربية (28.8%) بحوالي 3 أضعاف.