في مكتب البريد السريع بقطاع غزة لم يخطر علي بالي أني سأكون علي موعد مع الحصار بجميع أركانه الذي أصبح جزءا من حياة الناس, ففي الدقائق القليلة التي قضيتها في المكتب لعمل يخصني, لم استطع تجاهل حجم المعانة التي يتكبدها الناس من جراء الحصار الذي يكاد أن يشل الحياة بشكل كامل.
فقد رفض موظف البريد استلام شيكات من أحد الزبائن وإرسالها إلي الضفة الغربية لأنه عمل ممنوع ومخالف لقانون الحصار كما قال, ثم وصلت إلي المكان امرأة تظهر عليها ملامح الإعياء واضحة تسأل عن جواز سفرها الذي تأخر كثيرا وكانت ترمق الموظف بنظرات حاقدة ظنت انه الحصار, علي الرغم أن الموظف قد علق إشعارا مكتوبا علية: نحن نستقبل ونرسل الوثائق فقط, ولا علاقة لنا بأي أمر آخر . وهو يقصد أنه لا يصدر جوازات أو تأشيرات وفي نفس اللحظة يدخل رجل وفي يده جواز سفر يريد أن يرسله إلي ابنه في احدي الدول العربية فنصحه الموظف أن لا يفعل فقد يتم إرجاع جواز السفر أو حجزه لدواعي أمنية , ثم جاءت امرأة تريد أن تنجز معاملة بجواز سفرها المنتهي وعندما أخبرها الموظف أن ذلك لا يجوز انفجرت فيه مثل القنبلة الموقوتة وهكذا توالت الطلبات والاتهامات والنظرات الحاقدة علي موظف مكتب البريد وكثرت لآته حتي ظننت أن الرجل قريبا سيغلق مكتبه ويغادر فكل شيء تقريبا ممنوع ومحرم ولدواعي أمنيه باستثناء بعض الأشياء القليلة.
الغريب والمدهش أن طالبي هذه الخدمات المدنية هم مواطنون عاديون لا حول لهم ولا قوة فيما يحدث وفيما يسببه الحصار لهم من ويلات ومآسي إنسانية, هم يسعون بما تبقي لديهم من طاقة وجهد لحل مشاكلهم , والحكومة هنا غائبة تماما , كل شيء يتم بواسطة مكتب البريد الذي يرسل الأوراق إلي الجهات المختصة في رام الله, ولا أبريء الانقسام ولو للحظة واحدة من دم الحصار ومن كل ما يحدث لنا في غزة من ويلات ومآسي.
لقد تفنن العقل الفلسطيني في اختراع الانقسام, ووجد له آلية دقيقة في تطبيقه والحفاظ علية وتطويره, لكن هذا العقل لم يفكر في صناعة الترياق لإنهاء الانقسام, والعمل علي وئده .
القائمة طويلة وطويلة وليالي المرضي الذين ينتظرون السفر للعلاج مريرة وحزينة, ولكن لا حياة لمن ينادي.
ارحموا مرضانا وعجائزنا وذوي الحاجة, وارحموا شبابنا ومستقبل أولادنا, دعوا الشعب يعيش ويمضي في حياته بجلوها ومرها ولا تجعلوا الانقسام فرضا أو شرطا , ولا تتركونا نعيش مثل مومياء الحقول.
في مكتب البريد شعرت حقا أن كل أركان الحصار حاضرة, تقاسيم وجوه غاضبة ومهمومة, ومستقبل في علبة غزة لا نعرف ماذا بداخلها.