لا توجد زيارة سامية لأحد الرؤساء لدولة ما قد اثارت جدلا واسعا مثلما حدث مع زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لألمانيا ،والبلبلة التي اثارتها الزيارة تعود لعدد من الامور اهمها كيف استقبلت المانيا الرئيس والمقصود هنا المؤسسات الرسمية للدولة وأيضا القطاع غير الرسمي مثل الاعلام ومنظمات المجتمع المدني والأمر الثاني يتعلق بشكل الزيارة و ظروفها ، فمنذ البداية اعلن رئيس البرلمان الالماني نوربيرت لامر رفضه استقبال الرئيس المصري مبررا ذلك بوضع مصر السياسي الذي لا يوجد فيه اي تقدم ملموس للديمقراطية و تدهور وانتهاكات حقوق الانسان الواسعة وفي تصريح اخر عبر "انه كان سيكون سعيدا باستقبال رئيس البرلمان المصري لكن للأسف لا يوجد برلمان حتى الان في مصر" ! وهو نفس الموقف الذي سجله عدد من رؤساء احزاب بارزة في المانيا .
من ناحية ثانية الموكب الذي اختاره الرئيس لمرافقته اثار جدلا جديدا فالمعروف عن الرئيس المصري انه شخصية تميل للاستعراض يمكن ملاحظة ذلك ببساطة من خلال التنصيب بعد انتخابه الذي شبه البعض باحتفالات التنصيب الملكية او الطريقة التي تم بها تنظيم المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ حيث يتعمد اسلوب البهرجة المبالغ فيها لإثارة الاهتمام و الاعجاب و ترك اثر وصدى واسع لدى الجميع ،وهذا ما كان المقصود من الوفد المرافق إلا ان الامور كانت عكسية تماما حيث وجه له سيل من الانتقادات اهمها انه لا يبرز صورة مصر بشكل جيد كما انه تم تغييب كفاءات علمية و وجوه ثقافية وتم اختيار فئة ضيقة من الشريحة الموالية للرئيس والمدافعة عن سياساته ، اضافة الى انه امر غير تقليدي في زيارات الرؤساء ، ايضا كانت وظيفة هذا الوفد اظهار شعبية الرئيس والترويج لها وتوفير حالة "ردع جماهيري " لأنه كان متوقعا ان تستقبل الزيارة باحتجاجات و انتقادات من مؤسسات حقوقية في المانيا .
طبعا ما سبق يدل على سوء فهم لطبيعة والمزاج العام لالمانيا والدول الأوروبية عموما التي لا تهتم بالمظاهر بل بالانجازات الميدانية و التي ما يزال البعد الاخلاقي مسيطرا الى حد كبير على مؤسساتها خاصة غير الرسمية فالدول الاوروبية بشكل عام تهتم بشكل كبير لحقوق الانسان والديمقراطية وليس لمن رافق الرئيس او من يدعمه ، ونظرة بسيطة لوضع حقوق الانسان في مصر بعد عزل الرئيس مرسي يدلل بقوة ان مصر في اسوا حالاتها سواء من ناحية حقوق الصحفيين المنتهكة من خلال التضييق عليهم واعتقالهم وإغلاق القنوات المعارضة ، الى التعامل مع المعارضة السياسية حيث تستعمل ادوات القمع و الاجتثاث للفكر المعارض بدل الحوار ورغم ان التكلفة الاكبر تحملها تنظيم الاخوان المسلمين وجناحها السياسي حزب الحرية والعدالة إلا ان الاعتقال طال شخصيات ليبرالية ويسارية ايضا واهم ادوات القمع المستعملة هنا الجيش و الشرطة وهي مؤسسات بحاجة الى اصلاح داخلي من اجل احترام حقوق الانسان بشكل افضل ، وما يمكن اضافته الى هذا السجل الثقيل احكام الاعدام غير المسبوقة من حيث العدد والتي انتقدتها مؤسسات حقوقية من كل انحاء العالم ، و غياب اهم مؤسسة منتخبة في الدولة الى حد الان هي البرلمان بسبب تعقيدات سياسية وإجرائية فسرها البعض في ان السيسي يريد التحكم في مخرجات العملية الانتخابية ليكون البرلمان في صفه ولا تترسب اليه العناصر المعارضة اهمها الاخوان المسلمون ، وابسط ما يمكن ان يقال ان خلال الفترة التي حكم فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي انه تم تحويل مصر الى سجن كبير لا مجال فيه للمعارضة او الاختلاف في الرأي .
انعكس كل ما سبق في الصحافة الالمانية التي وصفت الرئيس السيسي ب "الضيف الثقيل "وقد ركزت على تاريخه المحفوف بالانتهاكات بشكل محرج ومهين ، نفس الامر يمكن ان يقال عن الاحتجاجات التي نظمت وهي ترفع شعار "رابعة"منددة بالقمع، مما يجعل السؤال المطروح بقوة لماذا لم يتم الغاء هذه الزيارة ببساطة لتفادي هذا الكم الهائل من الاحراج ؟ قد لا توجد اجابة واضحة على هذا السؤال لكن يمكننا ان نفترض انه تم قراءة المؤشرات الاولية لهذه الزيارة بشكل خاطئ خاصة وان الرئيس السيسي قد قام بزيارات مشابهة لعدد من الدول مرت بسلام ربما اكثرها اهمية زيارته لروسيا خاصة وان الزيارة الالمانية تحكمها عدد من المصالح شديدة الاهمية للطرفين فمصر حليف هام لألمانيا في مكافحة الارهاب وأيضا في مكافحة الهجرة غير الشرعية اضافة الى المصالح الاقتصادية بين البلدين في مجال الطاقة ، وبين المسائل الاخلاقية والمصالح دائما تتحطم المبادئ على صخرة المصالح وهذا ما حدث بالفعل فميركل استقبلت الرئيس وتم توقيع اتقافيات شديدة الاهمية مع شركات المانية و قد غاب اي توتر على المحادثات ماعدا الاشارة العابرة لان المانيا تعارض احكام الاعدام هذا على المستوى الرسمي ، لكن للرأي العام الالماني وجهة نظر مختلفة طبعا .
الامر الثاني يتعلق بتعميق شرعية الرئيس الاوروبية خاصة وان الاتحاد الاوروبي كان ذو موقف غامض من عزل الرئيس مرسي ولعل الرهان الرئيس في هذا الامر هو ان الدول الاوربية ليست متجانسة تماما من ناحية السياسية الخارجية خاصة وان المانيا ليست من الدول التي تحبذ التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومن ثم فان المانيا كدولة كبيرة وذات تأثير في الكتلة الاوروبية وانطلاقا من تاريخها المحايد كانت الوجهة المفضلة لفك عزلة النظام السياسي المصري اوروبيا .
ربما التصريح الاخير للرئيس المصري بأنه سيتم انتخاب مجلس تشريعي خلال هذه السنة يدل جزئيا على انه فهم الدرس الالماني فاستعراض الشعبية ليس كافيا حينما يكون الوضع السياسي سيئا للغاية ، لكن هل يدل هذا على اي تغير قادم في سياسات الرئيس في المجال سابق الذكر ؟ لابد ان الايام القادمة ستكون حبلى بالإجابات والتي لا اتوقع انها ستكون مٌرضية على ايه حال .