سبقونا للجنة ، لَمْ أكُن أتخيل أن أسْمَع نَبَأْ استشهادهم من وسائل الإعلام .. لَمْ أُصدق ما سمعت ، رحلوا في طُرفة عَينْ لَمْ يبقى أحد ، أُبيدوا بالكامل دون سابق إنذار ... كذّبنا أنْفُسَنَا ، كُنّا ننتظر بصيصاً من الأمل ، نتعلق بقشة ... علّهم بخير ، علّنا في كابوس أو أن وسائل الإعلام كاذبة !! لَمْ نَسْتطع الوصول لَهُم ساعةَ القصف .. لا أحد استطاع أن يصل .. جلسنا أمام التلفاز وعلى الراديو ، تابعنا وسائل الإعلام الإلكتروني ، لَمْ يكُن لدينا خيار آخر ... اسم شهيد هنا واسم شهيد هُناك ، تتضارب الأنباء ، تُقْبض الأنفاس مع كل اسم .. لم نُردد سوى كلمة \"يارب\" ، يارب وفقط .. كُنّا ننتظر أن يُخرِجوا أحدهم حيّاً ليُعيد لنا الأمل ليُعيد لنا أنفاسنا والحياة ... لَمْ تُراعي وسائل الإعلام مشاعرنا وخوفنا ، يذكرون اسم الشهيد ثُم يقولون عفواً هُناك لبس في الموضوع إنه لم يستشهد بعد أوالعكس .. وعلى هذا الحال بقينا أكثر من 7 ساعات إلي أن استطاع أبي الوصول إلى هُناك .. جميعهم استشهدوا أكثر من 20 شهيداً من المدنيين قُصفوا بصاروخي أف16 دون سابق إنذار ، دون أمر مُسْبق بالإخلاء ، لم يُبلغوهم الصهاينة بأن يُخلو منزلهم حتى يتم تدميره ، دَمروه على رؤوسهم .. بعضهم كانوا نيام ، والبعض الآخر كانوا يتهيأهون للذاهب لِصّلاة الفجر ثاني أيام عيد الفطر ... منزل مُكون من ثلاثة طوابق إنهار بالكامل عليهم ليُعلن الخبر اليقين في استشهادهم جميعاً .
\"29-7-2014\" كابوس حقاً كابوس ، لم يكن هذا العيد سعيداً كما اعتدنا ، كان عيد بِرائحة الشهيد .. بَلْ عيد وَجع .
ياااالله كيف لَمْ أُفكر في اليوم الذي سأفقد فيه أحبتي ؟؟!
كُنت خائفة من هذه الفكرة ، لَمْ أكن أُريد أن أفقد أحد ، كُنت أدعي الله باستمرار أن يجعل يومي قبل يوم أحبتي .. ما كُنت أُريد التفكير في هذا اليوم ، فَـ الفكرة كانت تُرعبني حد الموت ..
ها قد أتى هذا اليوم على استعجال ، لَمْ يُخبرنا بموعد قدومه .. لَمْ يُهيأنا لذلك ، أخذهم ورحل .. لَمْ يترك لنا أحداً لنستمد قوتنا منه .. قدر الله وما شاء فعل .
يااااه كم هو صعب أن تكون أب أو أخ أو أم أو حتى صديق شهيد .. فما بالُكم بعائلة كاملة من أقاربُكُم وأصدقائُكُم ؟؟!
كم كنّا نقول أننا نشعر بعائلات الشهداء ، كم من مواساه وتعزية قدمنا ، لكن صدقاً أقول أننا مهما حزنّا ومهما قدمنا من عبارات مواساه وتعزية أو رفع معنويات لعائلات الشهداء ، لن نوفهم حقهم ، ولن نشعر بِحَجم المعاناة والمأساه التي يعيشونها ... نقول لهم \"ابنكم شهيد افتخروا وافرحوا ، إملأوا الدُنيا زغاريد .. ابنكُم في الجنة الآن ادعوا له علّ الله اصطفاه مع الأنبياء والصديقين ، هو في دارٍ أحسن من دارنا الآن يَرعاه الله برحمته وكرمه \" ..
هم يعرفون كل هذا ، ولديهم يقين بالله عز وجل .. لكن يبقى هذا ابنهم صديقهم توأم روحهم ..
ننبهر ونستغرب عندما نرى أُم الشهيد كيف تُزغرد في عرس شهادة ابنها ، كيف لها أن تتحمل فكرة فراقه للأبد ؟؟!
لكن من قال لكم أنها لا تبكي ، لا تتألم ، لا تتمنى لَوْ أنه معها الآن ؟؟!
لا أحد يعرف كم تُعاني ، ولا كيف يكون حالها حين تجلس لوحدها ..
نحن شعب لا يُقهر .. مع كل قطرة دمٍ تنزف ، مع كل شهيدٍ يُزف للسماء ، مع كل دمعة أُم في ليلة مظلمة فارقها جزء من روحها ، ومع كل صديق شهيد فقد توأمه الروحي فقد أخاه الذي لم تُنجبه أمه .. نبقى شعب الجبّارين .. حتى لو ارتفع عدد الشهداء لن يُرهبنا هذا ، لن يُضعف من عزيمتنا وصمودنا .. بل سنزداد قوةً وصبر ، سنزداد تمسُكاً بأرضنا وبالمقاومة .. ونُعيد بناء غزة لتكون أجمل وأقوى من السابق ، ففي كل مرةٍ يدمروها ويعيثون فيها فساداً تُصبح بعدها أقوى وأجمل ، ويزداد أهلها قوةً وثقةً بالله ..
وسننتقم لشهدائنا عاجلاً غير آجل .... ولا خيار آخر أمامنا إلا النصر أو الشهادة .