تاريخ النشر: 2017-09-02 | 17:02
تاريخ النشر: 2017-09-02 | 17:02
تطلع شمس نهار أول أيام العيد فتقودك يا غريب رغبة ملحة في أن تخرج إلى الشارع كالآخرين لتتبادل التهاني مع الجيران وأصحاب الدكاكين القريبة من بيتك خاصة الحاج مفتاح الذي يظل جالساً عند عتبة باب بيته الملاصق لبيتك والذي يلح عليك بالأسئلة حين يراك : هل أنت مبسوط يا شيخ غريب ؟ لماذا لا تسافر إلى بلدك فلسطين ؟ أم تريد أن تبقى هنا في ليبيا ؟ وترد عليه ببرود وأنت تشعر بالضجر ، تعود بك الذاكرة إلى الأزمنة والأمكنة القديمة طلقات مدفع العيد المتتابعة بعد العصر إيذاناً بثبوته ، أصوات الطلقات كانت مدوية تتردد أصداؤها في كل ضواحي المدينة ، حين كنت تسمعها تقفز من الفرح وتصيح مع الأولاد في الشوارع الضيقة وما في رأسك في تلك اللحظة سوى ملابس وحذاء وكعك العيد ، لطالما صحبت يا غريب أمك في ظل غياب أبيك لشراء لحم العيد ، لكن جدتك الحاجة عيشة كانت تجلس على مصطبة البيت وتمد قدميها المتورمتين لتلامس تراب الشارع البارد ، ليس لها في الدنيا سوى دور المراقب لكن مثل ذلك الوقت كان يبعث في نفسها الحنين فتلامس بيدها القماش الناعم الذي اشترته أمك بعد أن مشت طويلاً في السوق وسط الناس والبسطات والسيارات وضجيج الدكاكين المليئة بأطفال أحضرتهم أمهاتهم يقيسون سراويل و أحذية جديدة يملؤهم الفرح وعندما انتهى التجوال بها عادت إلى البيت شعرت بالراحة وصار بإمكانها أن تذهب بالقماش إلى أم نعيم الخياطة التي تسهر الليالي إلى جوار ماكينة الحياكة ، ما زالت تسمح لذاكرتك يا غريب أن تنقب في ذلك الزمان الذي فات فيلوح لك بيت أم نعيم الواسع بحجراته الكبيرة والفناء الرحب وشجرة التوت التي تجلس تحتها هرباً من أشعة الشمس وجدران غرفتها المليئة بالصدوع والنسوة اللواتي يأتين تباعاً ومعهن الصرر المليئة بقطع القماش .. وهكذا رحت تستسلم لرائحة السنين ولكن عندما تخرج إلى الشارع سوف تضعف الرائحة وأنت تمد يدك لمصافحة الأصدقاء والجيران وبعض الناس الذين تراهم خاصة العم أبو عجيلة صاحب تاكسي الأجرة الذي تركب معه كل صباح إلى العمل ولا بد قبل أن تخرج من البيت أن تحدق في بعض الصور المعلقة على الجدران في صالة بيتك وقد تلفت صورة أبيك الكبيرة اهتمامك في ذلك اليوم فتطالع رأسه المغطى بالكوفية والعقال وكتفه العريض الذي تنسدل عليه عباءة سوداء مقصبة وعينيه اللتين توغلان في الأشياء وكذلك شاربه الأبيض المرمري الذي يمتد طويلاً .. أما صورة أمك فكان عليك أن تقترب منها أكثر لترى في عينيها الذابلتين الأمنية التي تغمر قلبها المسكون بوجع الفراق والغربة في أن تعود إلى البيت الذي غبت عنه أكثر من ثلاثين عاماً وتلامس بيدك بابه الكبير الذي تتسلق على جنباته أزهار الياسمين .. وعندما تعود من جولتك يا غريب إلى البيت في ذلك اليوم ستتمدد مرة أخرى على السرير حاملاً أفكارك الكثيرة وذكرياتك وستبتسم حين تسمع محرك سيارة أبي رشدي ابن عمك يتوقف عند الباب فأنت تعرف صوت محرك سيارته العالي وتعرف أيضاً أنه سيأتي من مدينة ترهونة في مثل هذه المناسبة هو وزوجته التي تجلس بجانبه في السيارة وأولاده وسيحمل معه ضحكته العالية التي تسمعها في كل مرة حين يدخل وعند ذلك ستختار له مكاناً مناسباً في صدر غرفة الضيوف وتفتح النافذة الكبيرة التي تطل على مزرعة المبروك لتلامس أشعة الشمس جسده اليافع المكتنز الذي تلفه عباءة ثقيلة وعندما يجلس على الفراش سيتكأ على مسند ناعم ويمد رجليه مسترخياً على ظهره وعند ذلك سيستسلم هو الآخر لرائحة السنين فتنبعث النشوة من قلبه وهو يتحدث عن أيام زمان ، أعراس الحارة وحلقات الدبكة ونغم الشبابة والأرغول وبدر ألدبيّك الذي يلوح بالمنديل فيما النسوة فوق السطوح يطلقن الزغاريد والخيام التي تقام في المقبرة ليلة العيد وصواني الكعك والمعمول التي يحملها الصبية فوق رؤوسهم إلى الأفران التي تعمل بالحطب حتى منتصف الليل والساحات المليئة بالأراجيح وسينظر أبو رشدي إلى وجهك عن قرب ويقول وهو يضرب كفاً بكف : أكنا نعرف إننا سنعيش هنا في الغربة إلى هذا اليوم ؟ وقبل أن ترد عليه تسمع دقات صديقك الدكتور عادل على الباب وعندما تخرج لاستقباله تكون الشمس قد سقطت في بحر طرابلس الغرب فلم تعد ترى بوضوح دوالي العنب المتشابكة في مزرعة المبروك ، لقد اعتاد أن يأتي إليك الدكتور عادل في كل مناسبة هو وزوجته عواطف في زيارات خاطفة ، وغالباً ما يجيء في ذات اليوم الذي يزورك فيه أبو رشدي فيقضي كل منهما يوماً ممتعاً في مزرعة المبروك فتحس عواطف بالسعادة لأنها تلتقي بنادية زوجة أبي رشدي فكلتاهما من الإسكندرية وأنت تعرف أن زوجتك جملات تعاملهما بلطف كبير لأنها هي الأخرى مصرية من طنطا .. أكانت تعاملهما يا غريب بمثل هذه المودة لو كانتا الاثنتين من فلسطين ؟! ليتك بقيت يا غريب في غزة تعمل في أي مهنة ولم تذهب إلى الخارج قبل حرب 67 وتتزوج من طنطا وتصبح نازحاً ، يعود أبو رشدي فينتشلك بضحكته العالية من همومك وذكرياتك فهو من الرجال الذين يتربعون في مكانهم في الجلسة ويتحدثون بشيء من السعادة فلا يبدو على وجهه الهم والقلق ، تشعر بشيء من الراحة وأنت تسمع كلماته ، كأنما تريد أن تسمعها كل يوم .. أما الدكتور عادل فقد تسمعه وهو يقول : من الأفضل أن نهاجر ونترك هذه البلاد .. وعندها تسأله باستنكار وتقول له إلى أين ؟ فيجيبك بصوته الهادئ : إلى كندا أو أستراليا .. لحظتها يقول أبو رشدي بانفعال : الغربة هي الغربة يا دكتور .. هكذا هي كلمات أبي رشدي دائماً حاسمة ، تخمد نار الحيرة والقلق وهذا ما يسعدك .. كل ما في غرفة الضيوف يحتسي الشاي شاي أحمر تفوح منه رائحة نبتة النعناع الأخضر وبجانب صينية الشاي طبق الكعك والمعمول .. ثم بعد المغرب يبدأ الهواء يتدفق بارداً من النافذة الكبيرة ويصير بإمكانك أن تغلقها فأنت تعرف أن أبا رشدي قد اعتاد على الدفء بسبب وجع كليتيه .. أما أنت يا غريب فلم تصدق أنك أصبحت رجلاً كهلاً وأن لك أولاداً كبروا في الغربة و قد أنهوا دراستهم الجامعة و صبايا في سن الزواج ولكن رغم ذلك فأنت لم تيأس في هذه الغربة ولم تتخل يوما عن أحلامك الصغيرة في أن تعود إلى مدينتك غزة هاشم فتشتري فيها بيتاً وتزوج أولادك وبناتك وتعيش بقية عمرك في أمان وتتمدد أخيراً في قبرك في هدوء وسلام .. .