أنا لا أكذب نحن في غزة بخير
ننام الليل، ونستيقظ بعد نومنا الهادئ غير مفزوعين من صوت الصواريخ الحربية الإسرائيلية التي تنثر الفسفور كبخور في سمائنا.
نذهب في صباحنا إلى عملنا ونرتشف قهوتنا ونبدأ بمزاولة أعمالنا، لا نتقوقع في زاوية قريبة من البيت، وحقائب أغراضنا بجانبنا لأن الطائرات الحربية تباغتنا فجأة دون إنذار، وتجعل أجسادنا أشلاء في كل مكان، وآخرين تحت الركام ينتظرون الدفاع المدني دون جدوى ، لصعوبة وصوله بسبب الخراب.
الناس في غزة تتجول بالمنتزهات والمطاعم فرِحة، غير منتشرة بساحات المستشفيات ومدارس الأونروا، لا مأكل ولا مشرب، ويقضون حاجتهم في حمامات معقمة بالديتول، لا يحفرون في الأرض لقضاء حاجتهم.
النساء في بيوتهن يتناولن النسكافيه وهن يرتدين أبهى اللباس ويستمعن لفيروز ، لا يجلسن متكومات وعيونهن متورمة من قلة النوم، بلباس الصلاة طيلة الـ 24 ساعة استيقاظ يحتضن أطفالهن المذعورين، ويودعن أولادهن وأزواجهن شهداء.
حتى الزمن في غزة يمر سريعا لأننا منشغلين في أعمالنا ، لا تمر الثانية كأنها ساعة وحال ألسنتنا تردد يا الله يا الله احمينا.
الناس معها رواتبها و تكفيها في هذه الأجواء، وثلاجاتها ممتلئة بكل الأطعمة، ليسوا جائعين، والمساعدات الغذائية تغرقهم من كل حدب وصوب.
لا أنسى أفواج الشهداء يتم تشييعهم وتقبيلهم واحتضانهم من ذويهم بكل روية، ويشبع ذويهم من نظرة الوداع لهم، لا يُدفنون بسرعة دون وداع، لأن الطائرات الحربية تمنحهم الفرصة لذلك.
الدول العربية والمجتمع الدولي ينصفنا، يشاهدون رؤوس أطفال غزة تتطاير، وتقصف البيوت عليهم دون إنذار ويضعون حدا لمجازر الاحتلال، لا يقفون متفرجين ولا يقتصرون على إدانة خجولة .
الجميع يعاملنا بإنسانية ولم يصدقوا كذبة نتنياهو في خطابه أننا داعشيون وحيوانات.
جميع الدول انتفض رؤساؤها ودافعوا عن إنسانيتنا، وهاجموا نتنياهو ووعدوه بالانتقام لأنه حولنا لحيوانات في خطابه.
حتى رئيسنا لا أنساه يهاتفنا في غزة كل دقيقة ويشُد على أيادينا..
لا تلقوا لنا بالا، الكهرباء متوفرة، والغذاء والماء متوفر، حتى الإنترنت متوفرا عندنا.
وسمح لي بأن أستيقظ حتى أكذب عليكم في الصباح.
لله المشتكى نحن في تعداد الموتى ونموت في الدقيقة ألف مرة.
لا حياة ، لا حياة ، لا حياة في غزة.
سامحونا نحن ننطق الشهادة كل دقيقة.
أذكرونا وليغفر الله لي أني كذبت.
والحمد لله أني كذبت، لأننا أبطال وكل ما كذبته لا يهمنا.
كلنا في غزة أبطال.
كلنا في غزة أحرار رغم رائحة الموت المعنونة لصباحنا ومساءنا، ونبتسم لمزحة الممر الآمن الذي سنمر منه لسيناء، المنتشرة عبر الأخبار ، وفي خطاب ختايرة الجن من كل الرؤساء سواء في خطابات مُعلنة أو من تحت الطاولة ..