تاريخ النشر: 2025-10-27 | 11:08
تاريخ النشر: 2025-10-27 | 11:08
غزة ليست الموصل، ولا الفلوجة… إنها جرح مفتوح على ضمير العالم، وامتحانٌ دائمٌ لإنسانيته المزعومة.
بعد عامين من الدمار الذي لم يعرف له التاريخ مثيلاً، تقف غزة اليوم فوق ركامها، لا بوصفها مدينة منكوبة فحسب، بل كشاهدٍ على سقوط المنظومة الأخلاقية والسياسية للعالم بأسره.
لقد انتهت الحرب شكلاً، لكنها لم تتوقف مضمونًا؛ إذ تحوّلت من حرب بالنار إلى حربٍ بالخرائط، وبالصفقات، وبالمشروعات السياسية المسمومة، التي تسعى لتكريس نتائج الإبادة ضمن ما يُسمّى "خطة ترامب" التي صاغتها العقلية ذاتها التي شرّعت للقتل، وتطمح اليوم لتشريع الاستسلام.
كان د. وليد سالم قد كتب، بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب، أن واشنطن تريد لغزة أن تُعامل كما عوملت الفلوجة والموصل، واليوم، بعد عامين، يمكن القول إنّ المشهد تجاوز النموذجين معًا:
ففي غزة، تداخلَت الفلوجة في جسد الموصل، وامتزج الرماد بالنور، وبقي الإنسان الفلسطيني وحده في وجه الفناء.
لقد أرادت الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، أن تكون الحرب نموذجًا استراتيجياً لتصفية المقاومة، وإعادة تشكيل الجغرافيا الديموغرافية والسياسية للقطاع. لكنّ ما لم يدركه المخططون هو أنّ غزة ليست مجرد مساحة تُقاس بالكيلومترات، بل هي فكرة عصيّة على القهر، ووطنٌ متجذّر في الذاكرة، لا يُمحى بالقصف ولا بالخرائط.
أما ما يُسمّى بـ"خطة الإعمار" أو "اليوم التالي"، فليست سوى محاولة لتثبيت الهزيمة في ثوبٍ من البناء، إذ يُراد لغزة أن تُعاد إعمارها لتُحاصر من جديد، وأن تُدار بسلطة انتقالية مقطوعة الجذور، منزوعٌ عنها المعنى الوطني والسيادي.
إنها إعادة إنتاجٍ للاحتلال ولكن بأدواتٍ مدنيةٍ ناعمة، حيث تُستبدل المجنزرات بالمنظمات، والمستوطنات بالمشاريع الإنسانية، والاحتلال بالوصاية.
تحت رماد المدينة، ما زال القلب الفلسطيني ينبض.
غزة اليوم ليست فقط قضية فلسطينية، بل مرآة للإنسانية كلّها: من يقف معها يثبت أنه ما زال يرى، ومن يصمت أمام محنتها، فقد إنسانيته قبل أن يفقد ضميره.
إنّ الذين أرادوا لغزة أن تكون الموصل الجديدة، نسوا أن التاريخ لا يُكتب بالخرائط، بل بدماء الشعوب التي لا تعرف الركوع.
وأنّ ما لم تستطع القنابل أن تنتزعه، لن تقدر عليه الخطط السياسية ولا الأوامر التنفيذية.
فغزة، وإن تهدمت حجارتها، لم تهزم روحها، وإن خُنقت أنفاسها، لم يُطفأ نورها، وإن تآمر عليها قوى الشر في العالم سواء القريب والبعيد، بقيت تصلي للحرية من بين الرماد.
ويبقى السؤال بعد عامين من الحرب:
هل كان المطلوب تدمير غزة… أم تدمير المعنى الفلسطيني ذاته؟
لكنّ الإجابة تأتي من هناك، من تحت الركام، من بين أصوات الأطفال الذين ما زالوا يتهجّون اسم فلسطين كصلاةٍ أبدية:
على الباغي تدور الدوائر، وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.