الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

غزة بين الإعمار والهيمنة: كيف تُدار الطاقة بعد الحرب؟

غزة بين الإعمار والهيمنة: كيف تُدار الطاقة بعد الحرب؟

تاريخ النشر: 2025-12-21 | 11:00

لم تَعُد غزة أولوية استراتيجية للأطراف الإقليمية والدولية بقدر ما تمثل عبئًا تفاوضيًا، في مقابل تركيز الأطراف الرئيسة في معركتها على تثبيت مكاسبها الأمنية والسياسية والاقتصادية لا سيما البنية الطاقوِيّة كأحد مرتكزات الموارد السيادية في منظومة الإمدادات الإقليمية بمنطق المقايضة الصامتة.

منذ دخول وقف إطلاق النار في غزة حيّز التنفيذ وفق الخطة الأميركية وقرار مجلس الأمن 2803، انتقل النقاش الدولي من ساحة المعركة إلى فضاء "إعادة الإعمار". غير أنّ هذا الانتقال يُخفي تحوّلًا أعمق: من إدارة الصراع بالسلاح إلى إدارة غزة عبر الموارد والطاقة، بما يحدّد شكل القطاع وموقعه في المعادلة الفلسطينية والإقليمية في مرحلة ما بعد الحرب.

في هذا السياق، لم يَعد الغاز الطبيعي مسألة اقتصادية، بل أداة سياسية مركزية. وتتجسد هذه الأداة في مفارقة واضحة بين حقلين متجاورين في شرق المتوسط: حقل "لفيتان" قبالة ميناء حيفا الإسرائيلي الفاعل والمتوسع، وحقل "غزة مارين" الفلسطيني المُعطّل منذ أكثر من عقدين.

لم يَعد الاحتلال يُمارَس بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر التحكم بشروط الحياة الأساسية: الكهرباء، الوقود، وشبكات الطاقة. هذا هو جوهر ما يمكن تسميته بـ"الهيمنة الطاقيَّة"، حيث تُدار المجتمعات عبر ضبط مقومات بقائها اليومية. وفي حالة غزة، يجري تأطير المسألة بعد الحرب بوصفها أزمة إنسانية تتطلب إدارة تقنية، لا قضية سيادة وحقوق سياسية. وهنا تكمن الخطورة: تحويل الصراع من مسألة تحرر إلى مسألة إدارة.

في المقابل، يمثل حقل "لفيتان" أحد أهم التحوّلات الاستراتيجية لإسرائيل خلال العقد الأخير. فهو لا يوفر مصدر طاقة فحسب، بل يُنتِج فائض قوة اقتصاديًا وأداة اندماج إقليمي، إذ تُصَدِّر إسرائيل الغاز إلى مصر والأردن وتطمح لتعزيز حضورها في السوق الأوروبية خصوصًا بعد التراجع الملحوظ في اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. وبهذا المعنى، يتحول الغاز إلى أداة هيمنة ناعمة، تُطَبَّع من خلالها مركزية إسرائيل في منظومة الطاقة الإقليمية، بحيث يبدو تجاوزها مُكْلفًا أو مستحيلًا.

أمّا على الضفة الأخرى من البحر، فيرقد حقل "غزة مارين" منذ اكتشافه عام 2000 دون استغلال. وتُقَدَّر احتياطاته بنحو تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وهي كمية كافية لتلبية احتياجات غزة لعقود، وتوليد فائض اقتصادي مهم. ومع ذلك، لم يُشَغَّل الحقل يومًا، ليس بسبب عجز تقني أو غياب استثمار، بل نتيجة قرار سياسي واضح. فتشغيله يعني استقلالًا طاقيًا يحرّر القطاع من التحكم الإسرائيلي في إمدادات الكهرباء والوقود، ويوفّر دخلًا سياديًا يُقلّص الارتهان للمساعدات الدولية، ويُؤسس لاعتراف عملي بالحقوق الفلسطينية في البحر.

وتوسعت القضية لتشمل مفاوضات ثلاثية بين إسرائيل وأميركا ودول نفطية وازنة ومؤثرة حول إدارة أي عائدات محتملة من حقل "غزة مارين" في عملية إعادة إعمار القطاع.
وفق تقارير دبلوماسية تهدف هذه المفاوضات، إلى ضمان إبقاء غزة مرتبطة بالتمويل الخارجي، كما تسعى إلى ضمان أنْ تظل السيطرة النهائية على الموارد والقرارات الاقتصادية بيد الأطراف الثلاثة، وليس الفلسطينيين أنفسهم.

بعد الحرب، يُعاد إنتاج هذا المنطق ذاته. فخطط "الإعمار" المطروحة تُصَمَّم على أساس إبقاء غزة مرتبطة بمصادر طاقة خارجية، وإعادة بنائها كمستهلك دائم لا كمنُتِج. هكذا تتحول الطاقة من حق طبيعي إلى أداة ضبط سياسية، وتُدار الحياة اليومية في القطاع عبر صمامات الإمداد والتصاريح السياسية، لا عبر قرار ذاتي.

تأكيدًا على ذلك، يرى خبراء اقتصاديون وقانونيون أنّ منع الفلسطينيين من استغلال مواردهم الطبيعية، مثل احتياطيات الغاز في حقل "غزة مارين"، يُعيق استقلالية القطاع الطاقيِّة والسيادية. فقد أشار تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى أنّ الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك السواحل البحرية قبالة غزة، تزخر بخزانات من النفط والغاز الطبيعي، غير أنّ الفلسطينيين لم يتمكنوا من تطويرها واستغلالها لصالح تنمية اقتصادية واجتماعية، ما يعني حرمانهم من موارد كان يمكن أنْ تُموِّل طموحهم الطاقي والاقتصادي وتقلص اعتمادهم على التمويل الخارجي. وفق التقرير، إنّ استمرار منع الفلسطينيين من تطوير هذه الموارد يزيد من التكاليف الاقتصادية ويفرض اعتمادًا على الخارج بدلًا من بناء اقتصاد مستقل، ويُعيد إنتاج الهشاشة نفسها ويُعطّل فرص الاستقرار بأدوات أكثر حداثة.

في ذات السياق تتقاطع الاتصالات الهاتفية والتحركات العسكرية وحسابات المصالح الكبرى، في لحظة تؤكد أنّ قواعد اللعبة تغيَّرت: أمام الانصياع لتوازنات القوة أو السقوط تحت ضغطها، فيما تُرسم النهايات بشأن غزة ومصير القضية الفلسطينية بُرمّتها خلف الأبواب المغلقة أكثر مما تُحسم في أرض المعركة.

السؤال الجوهري إذن:
هل ستبقى غزة تحت الحصار عبر وصاية دولية متجددة، تُمارَس مرة أُخرى عبر حرمانها من مواردها؟، وإلى متى سيبقى القادة الفلسطينيون متمسكين بنظرية البقاء، خشية الإقصاء عن المشهد السياسي؟
الإجابة لن تحدد مستقبل القطاع وحده. بل ستحدّد نموذج الصراع العربي–الإسرائيلي كله في عصر ما بعد النفط، حيث لم تَعُد الأرض وحدها ميدان النزاع، بل ما تحتها من موارد طاقيَّة ومعادن نادرة، والتسابق على سطحها نحو الطاقة الخضراء، وما قِبالتها في البحر.
ولكي تتمكن الأطراف الرئيسة في المنطقة من كسر دائرة الهيمنة الطاقيَّة وارتداداتها السياسية لا بد أولًا من بناء استراتيجية تكاملية بين دول الترويكا العربية " السعودية ومصر والإمارات"، وثانيًا يتطلب الأمر اعتراف حركة حماس بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني بلا مواربة ودون اشتراطات، تعضيدًا ودعمًا لدور الترويكا العربية، ولمنظمة التحرير في مواجهة تصفية القضية الفلسطينية والهيمنة السياسية والاقتصادية.

×
أخبار
كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط