تاريخ النشر: 2026-10-02 | 02:10
تاريخ النشر: 2026-10-02 | 02:10
ألا يستحق أهل قطاع غزة أن يعيشوا كما يعيش سائر البشر؟
ألا يستحق أطفال غزة أن يكبروا في مدن آمنة، جميلة، نابضة بالحياة، بدلاً من أن يكبروا بين الركام والخوف والانتظار؟
غزة لم تكن قدراً محتوماً أن تتحول إلى هذا الخراب، ولم يولد أهلها ليعيشوا على هامش الحياة، وما وصلت إليه غزة هو نتيجة تراكمات طويلة من الحرب والانقسام والأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية، وغياب مسار وطني مستدام يضع الإنسان الفلسطيني وحقوقه ومستقبله في مقدمة الأولويات.
لكن السؤال اليوم لا ينبغي أن يكون فقط: من المسؤول عما حدث؟
بل يجب أن يكون أيضاً: ماذا سنفعل من أجل إنقاذ غزة؟
خطة عملية لإنقاذ غزة
إنقاذ غزة يحتاج إلى خطة وطنية متكاملة، لا إلى مبادرات متفرقة أو وعود مؤجلة. وخلال المرحلة المقبلة يمكن أن تقوم هذه الخطة على سبعة مسارات متوازية:
أولاً: تثبيت الحياة وحماية المدنيين
الخطوة الأولى هي توفير الحد الأدنى من شروط الحياة: حماية المدنيين، ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، توفير الغذاء والمياه والدواء، وتأمين المأوى للعائلات التي فقدت منازلها.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون هناك آلية واضحة وشفافة لتوثيق احتياجات السكان وتحديد الأولويات، حتى تصل الموارد إلى مستحقيها وفق الحاجة، بعيدًا عن المحاباة أو التوظيف السياسي.
ثانياً: تشكيل إدارة انتقالية مهنية
غزة تحتاج إلى إدارة مدنية مهنية وشفافة تتولى الخدمات الأساسية خلال مرحلة الانتقال وإعادة الإعمار.
وتكون الأولوية للكفاءة والخبرة والنزاهة، مع وجود رقابة مستقلة وآليات واضحة للمساءلة ومنع تضارب المصالح.
والهدف ليس خلق سلطة جديدة، وإنما بناء إدارة تخدم المواطن وتوفر الخدمات وتعيد تشغيل المؤسسات، وصولاً إلى ترتيبات فلسطينية شرعية ومستقرة تحظى بقبول المجتمع الفلسطيني.
ثالثاً: إطلاق برنامج عاجل لإعادة الإعمار
إعادة الإعمار يجب ألا تقتصر على إزالة الأنقاض وإعادة بناء المباني.
نحتاج إلى خطة إعمار شاملة تشمل:
- إعادة بناء المنازل المدمرة وفق معايير عمرانية حديثة.
- إعادة تشغيل المستشفيات والمراكز الصحية.
- بناء المدارس والجامعات وتأهيل المؤسسات التعليمية.
- إصلاح شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء.
- إعادة تأهيل الطرق وشبكات الاتصالات.
- إنشاء مناطق صناعية ومراكز اقتصادية جديدة.
- تطوير الميناء والمرافق التجارية عندما تسمح الظروف السياسية والأمنية بذلك.
- إنشاء مساحات عامة وحدائق ومرافق رياضية وثقافية تعيد للمدن حياتها.
ويجب أن تكون الأولوية في مشاريع الإعمار للشركات والعمال والمهندسين والفنيين الفلسطينيين كلما أمكن، حتى يتحول الإعمار نفسه إلى مصدر لفرص العمل والدخل.
رابعاً: إنشاء صندوق دولي شفاف لإعادة إعمار غزة
إعادة بناء غزة تحتاج إلى تمويل ضخم ومنظم، ولذلك يمكن إنشاء صندوق دولي متعدد الأطراف لإعادة الإعمار، تكون موارده وإيراداته ومشاريعه خاضعة لتدقيق مستقل ونشر دوري للرأي العام.
ولا يكفي الإعلان عن حجم الأموال التي جرى جمعها؛ بل يجب أن يعرف المواطن:
كم جُمع؟ وأين أُنفق؟ ومن نفذ المشروع؟ وكم بلغت تكلفته؟
الشفافية هنا ليست تفصيلاً إدارياً، بل شرط أساسي لاستعادة الثقة.
خامساً: إنقاذ الاقتصاد وخلق فرص العمل
لا يمكن بناء غزة بالاعتماد الدائم على المساعدات.
المطلوب الانتقال تدريجياً من اقتصاد الإغاثة إلى اقتصاد الإنتاج.
وذلك من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتمويل رواد الأعمال، وإعادة تشغيل المصانع والمنشآت الإنتاجية، وتوفير برامج تدريب مهني واسعة للشباب، وفتح قنوات للتجارة المشروعة، وتشجيع الاستثمار الفلسطيني والعربي والدولي.
كما يمكن إنشاء برنامج وطني للتشغيل المؤقت يشارك فيه آلاف العمال في إزالة الركام وإعادة تأهيل البنية التحتية والمرافق العامة، بما يوفر دخلاً للعائلات ويساهم في عملية الإعمار في الوقت نفسه.
سادساً: الاستثمار في الإنسان
أخطر ما خلفته سنوات الحرب ليس فقط الدمار المادي، بل الأثر العميق على جيل كامل من الأطفال والشباب.
لذلك يجب أن تتضمن خطة الإنقاذ برنامجًا واسعاً للتعليم، والتدريب، والدعم الاجتماعي، وإعادة دمج الأطفال في المدارس، وتعويض الفاقد التعليمي، وتأهيل الكوادر الطبية والتعليمية، وتوفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين.
فإعادة بناء الإنسان يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع إعادة بناء الحجر.
سابعاً: إنهاء الانقسام وبناء مرجعية وطنية
لا يمكن أن تنجح أي خطة لإعمار غزة في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني.
ولهذا فإن إعادة الإعمار يجب أن تكون جزءًا من مسار سياسي وطني أوسع ينهي ازدواجية المؤسسات ويعيد توحيد النظام الإداري والقانوني والمالي الفلسطيني.
المطلوب ليس انتصار طرف فلسطيني على طرف آخر، وإنما الوصول إلى صيغة تجعل المؤسسات فوق الفصائل، والقانون فوق الجميع، ومصلحة المواطن فوق الحسابات الحزبية.
غزة بحاجة إلى عقد جديد
إنقاذ غزة لا يعني فقط إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما بناء نموذج مختلف للحياة والإدارة.
نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على أربعة مبادئ واضحة:
الأمن والكرامة، القانون والمساءلة، التنمية والفرص، والوحدة الوطنية.
لا يمكن أن تكون إعادة الإعمار مجرد مشروع إسمنتي ضخم؛ يجب أن تكون فرصة لإعادة بناء المؤسسات والاقتصاد والحياة السياسية والاجتماعية على أسس أكثر استقراراً وشفافية.
وفي هذا المسار، يجب أن يكون المجتمع الفلسطيني شريكاً في تحديد الأولويات، لا مجرد متلقٍ للقرارات.
من غزة المدمرة إلى غزة الجديدة
قد تبدو المهمة هائلة، لكن التاريخ يثبت أن المدن والمجتمعات تستطيع النهوض بعد الحروب والكوارث عندما تتوفر الإرادة السياسية والموارد والخطة والمؤسسات القادرة على التنفيذ.
غزة تمتلك طاقات بشرية كبيرة، وشباباً متعلماً، ومهندسين وأطباء وأكاديميين ورجال أعمال وعمالًا وحرفيين، وكل ما تحتاجه هذه الطاقات هو بيئة تسمح لها بالعمل والإنتاج.
ولهذا يجب ألا يكون هدفنا فقط أن تعود غزة إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
بل أن تصبح غزة أفضل مما كانت عليه.
غزة تستحق مدناً حديثة، وبنية تحتية متطورة، واقتصاداً منتجاً، ونظاماً صحياً وتعليماً قوياً، ومؤسسات تحترم المواطن، وحياة سياسية تقوم على المسؤولية والمساءلة.
وفي النهاية، فإن إنقاذ غزة ليس مسؤولية أهلها وحدهم، ولا مسؤولية طرف فلسطيني واحد.
إنها مسؤولية وطنية تتطلب توافقاً فلسطينياً، ودعماً عربياً ودولياً، وآليات واضحة للحماية والتمويل والتنفيذ والرقابة.
لكن البداية يجب أن تكون من قناعة بسيطة:
أن الإنسان الفلسطيني ليس رقمًا في تقرير، ولا صورة في نشرة أخبار، ولا ورقة في صراع سياسي.
إنه صاحب الحق في الحياة والكرامة والأمن والمستقبل.
غزة لا تحتاج إلى مزيد من الوعود.
غزة تحتاج إلى قرار شجاع، وخطة واضحة، وإدارة نزيهة، وتمويل شفاف، وإرادة سياسية تضع حياة الناس فوق كل اعتبار.
فأهل غزة يستحقون أكثر من البقاء على قيد الحياة، يستحقون أن يعيشوا.