ليس من حقّ أحد—كائنًا من كان—أن يقفز فوق التاريخ، ويختصر شعبًا كاملًا، ويزعم أن غزّة لم تعرف الدين إلا مع نشأة الجامعة الإسلامية عام 1978.
هذا القول ليس رأيًا، بل افتراء. وليس قراءة، بل تجهيل متعمّد. وليس نقدًا، بل إهانة جماعية.
غزّة لم تكن يومًا أرضًا بلا دين، ولا مجتمعًا ينتظر من يعلّمه الصلاة.
آباؤنا لم يكونوا خطباء منابر ولا منظّري أيديولوجيا، لكنهم كانوا مسلمين بالفطرة والسلوك:
يصلّون بلا ضجيج، يصومون بلا استعراض، يزكّون بصمت، ويحجّون حين تتيسّر السبل.
وهذا—لمن يفهم—هو جوهر التدين.
من علّمنا الفاتحة؟
من أيقظنا لصلاة الفجر؟
من علّمنا الحلال والحرام قبل المدارس والجامعات والتنظيمات؟
إن لم يكن الآباء والأمهات، فمن؟
ربط التدين بتاريخ جامعة أو ولادة حركة، هو تسطيح فجّ للدين والمجتمع معًا.
الجامعة الإسلامية لم تُنشئ الإيمان في غزّة، بل نشأت من رحم مجتمع متدين.
وأي حركة خرجت من غزّة، خرجت من بيئة تعرف الله أصلًا، لا من فراغ روحي كما يدّعي العاجزون عن الفهم.
أما وصف الآباء بأنهم “دراويش” بلا وعي ديني، فهو سقوط أخلاقي قبل أن يكون فكريًا.
لأن فيه استعلاءً على البسطاء، واحتقارًا لتدين الناس الطبيعي، وكأن الدين لا يُعترف به إلا إذا كان مسيّسًا أو مؤدلجًا أو صاخبًا.
غزّة عرفت الإسلام:
في المساجد القديمة قبل المنصّات
في الكتاتيب قبل الجامعات
في الدعاء قبل الشعارات
في السلوك قبل الخطاب
ومن لا يرى هذا، فمشكلته ليست مع غزّة، بل مع ضيق أفقه هو.
في ختام سطور مقالي:
غزّة لا تحتاج من يعرّفها بالله،
ولا تنتظر شهادة إيمان من عقول متعالية.
ومن يحاول نزع وعيها الديني،
لا يُسقط تاريخها،
بل يكشف خواءه، وضعف قراءته، وعجزه عن فهم المجتمعات.
غزّة كانت تعرف الله قبل 1978،
وقبل الجامعات،
وقبل التنظيمات،
وستبقى تعرفه…
رغم أنف كل جاهل.