في اليوم التاسع عشر من الحرب على غزة ،لا أعلم من أين أبدأ ،وإلى أين انتهي في وصف مجمل ما حدث ،الأحداث هي كارثية مؤلمة وقاسية ، لم يكن في غزة ما هو غير مستهدف ، عندما أنظر من نافذتي أرى مجموعات من الناس النازحين تمشي حفاة في الشوارع هاربين من الموت ، كثير من لم يكمل لباسه ، لم يحملوا شيئا معهم من بيوتهم ، يحتضنون أطفالهم بين أذرعهم، واذا ما نظرت إلى نوافذ في شقق الابراج الموازية للبرج الذي أقطن به ، لوجدت عشرات الناس تسكن بيتا واحدا هربا من التشرد في الطرقات ، يبكون ،يصرخون ، والأطفال في كل الظروف يحاولون اللعب ، ولم تعد هنالك شققا كافية للسكن ، لقد امتلأت بالنازحين.
ومجموعات أخرى من الناس تتوجه إلى وسط مدينة غزة تنام في حديقة عامة تسمى الجندي المجهول ، في هذا الصيف الحار ،الاطفال يسبحون في نافورة مياه وسط الحديقة ،النساء تحتمي من مارة الطريق من خلال ربط الاحبال والاسلاك ووضع قماش وملابس وستائر عليها ،يصنعون بيتا مؤقتا من القماش في وسط المدينة .
ومجموعات تنزح إلى المدارس التابعة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين ، ينامون في صفوف الدراسة ،يستخدمون نفس المراحيض ، ويصنعون بيوتا من مقاعد الدراسة في ساحات اللعب المخصصة للمدارس ، يتظللون من الشمس ، المساعدات لا تكفي ، لا فراش ،لا وسائد ، لا طعام ،لا مياه نظيفة ، وكثير من الاحتياجات الانسانية للحياة.
ومجموعات تنام في العراء ، في حديقة مستشفى الشفاء ، المستشفى الأكبر في غزة ، كم هو الوضع صعب للغاية.
أصبح الشباب الفلسطيني الهارب من الموت يستذكر هجرة 67 و48 ، ما سمعوه من آبائهم وأجدادهم حول المجازر القديمة والهجرة التي مازالت تواجههم آثارها في كل يوم في مخيمات الشتات في الداخل الفلسطيني وفي الجوار العربي وفي كل دول العالم ، أنهم يخافون أن تسرق أرضهم ولا يعودون .
اتصالات من جيش الاحتلال الاسرائيلي على الأجهزة الخليوية للفلسطينيين تحثّهم على الخروج فورا من بيوتهم ، تحت تهديد قصفها ، الطائرات تلقي بمناشير من السماء تنصح الأحياء الفلسطينية بإخلاء أحيائها السكنية ،ما لا يعلمه الكثيرون أن مساحة قطاع غزة لا تتعدى 365 كيلو متر مربع ،ما بين 7 إلى 12 كيلو متر عرضا، و45 كيلو متر طولا ، حيث الكثافة السكانية العالية، وليعلم من لا يعرف قطاع غزة، أن هناك 35% من مساحة قطاع غزة كانت تحتلها المستوطنات الإسرائيلية قبل انسحابها عام 2005، وهذه المساحات ما زالت فارغة، إذن يتبقى من مساحة غزة 65% هي 237 كيلو متر مربع، وعندما ترفع منها الشوارع والمدارس والمنشآت العامة والمنتزهات والشواطئ والمستشفيات... إلخ، سيتبقى حوالي 150 كيلو متر مربع، على اعتبار أن المنشآت العامة تشكل 40% من المساحة إن لم يكن أكثر، وفي 150 كيلو متر مربع يسكن مليون وثمانمائة ألف نسمة .
لو توسعت العملية الاسرائيلية برا وجوا وبحرا في غزة واستمرت لأسابيع أطول ، فالجميع مهدد بالنزوح من بيته ، لن يبقى مربعا واحدا آمنا في غزة ،مع العلم أنهم يقصفون في المربع الذي نزح إليه المواطنون من مناطقهم القريبة للحدود ولكن بأهداف اختيارية.
نعم هؤلاء الناس الذي يصل تعدادهم إلى أكثر من350 ألف نسمة ، هم من نزحوا قسرا من شمال وشرق وجنوب غزة ، من بيت لاهيا منطقة السلاطين والعطا طرة ، من بيت حانون ، من خزاعة والقرارة ، من حي الشجاعية ، من بيوتهم ومناطقهم الآمنة، من استقرارهم كانسان.
موجع هو إلى ما آلت له الظروف في قطاع غزة ، 25 ألف منزل دمروا بشكل كلي أو جزئي أو لحقت بها أضرار متفاوتة ، لقد ألقي على القطاع أكثر من 7000 طن متفجرات ، استخدمت القنابل الفوسفورية والأبام والقنابل المسمارية في مناطق مكتظة بالسكان ،وأكثر من 27 ألف هجمة من الطائرات والبوارج والمدفعية ،تعرض القطاع إلى عقاب جماعي من خلال ارتكاب ابادة جماعية وجرائم ضد الانسانية ،حيث ارتفع عدد الشهداء إلى أكثر من 825 شهيد ، وأكثر من 5300 جريح قرابة نصفهم من النساء والأطفال ، حيث معظم هؤلاء النساء هم أمهات في مقتبل العمر من مواليد الثمانينيات والتسعينيات ، 57 مجزرة حتى الآن بحق عائلات فلسطينية قضت كلها أو جزئها أو بعضها تحت ركام منازلها.
مجزرة بحق أطفال يلعبون على البحر ، لم تحميهم طفولتهم من غدر الآلة العسكرية الاسرائيلية ، مجزرة كبرى في حي الشجاعية ،وفي خزاعة ومجزرة لمدرسة تابعة لوكالة الغوث في بيت حانون.
استهدفت المدارس والمستشفيات والأطقم الطبية والصحفيين وعمال البلديات ، تم تدمير ممتلكات عامة ومنشآت خدمية وقطعت خطوط الكهرباء ومنعت المساعدات الاغاثية و الطبية ، حيث تعمل طواقم الاسعاف والتمريض والاطباء في ظروف صعبة ، شح في المعدات الطبية واللوجستية والأدوية.
إلى جانب الفلسطينيون في غزة ،تشتعل الضفة الفلسطينية بمظاهرات غاضبة ، هبّ الشعب في كل مدنه لنصرة غزة ، في الخليل ورام الله ونابلس وجنين ،الاسرائيليون هناك يطلقون الرصاص الحي على المتظاهرين حيث استشهد 7 شبان فلسطينيين.
الطبيب النرويجي مادس جيلبرت ، الذي يعمل وينام في مستشفى الشفاء في وسط غزة لم يتحمل قلبه رؤية الظروف المأساوية والوجوه الشاحبة في المستشفى حيث الأشلاء والدماء والأطراف والجثث ،أناس ينتظرون أقاربهم عند ثلاجات الموتى ، علّهم لم يموتوا تحت الركام.
لقد أرسل الدكتور جيلبرت رسالة للسيد أوباما ، أقتبس منه قولا \" سيد أوباما .. ألك قلب ؟ أدعوك لقضاء ليلة ، ليلة واحدة فقط ، معنا في الشفاء ، لربما متنكرا كعامل نظافة ، أنا على يقين تام ،أن هذه الليلة ستغير التاريخ \"
لقد أيقن دكتور جيلبرت أن الشعب الفلسطيني في غزة يدافع عن الانسانية في العالم .
كنيسة القديس فيريوس في غزة الأصيلة أحيت ليلة القدر في آخر جمعة من شهر رمضان المبارك للمواطنين النازحين من منطقة الزيتون والشجاعية، حيث قال البابا أناويل من الكنيسة قولا يسّطر وحدة الشعب الفلسطيني و ترابطه ،قال \" إذا هدمت مساجدكم ارفعوا الأذان من كنائسنا \"
ولكن صدقوني ما من عيد فطر سعيد ، لقد سرقوا السعادة.