حركة حماس استطاعت أن تلهب الأنظار الشعبية في تطويرها النوعي لقدراتها العسكرية ،وقدرتها بأن تضرب عمق اسرائيل حتى وإن لم تقتل ولم تدمر ، ولكنها بعثت ببارقة أمل جديدة للرأي العام الفلسطيني ، نعم نستطيع المجازفة في فعل الكثير ، نعم نستطيع تأكيد وجود الفلسطيني ، تتعدد أوجه المقاومة الشعبية ، لكن يسّر الشعب عندما يشعر أن عدوه يتألم كما هو يتألم.
يحاصر الشعب الفلسطيني جوا وبرا وبحرا في كافة مناطق تواجده على أراضيه التي ورغم اتفاقية أوسلو التي نقلت هذه الاراضي لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية ، إلى أن تعثر المفاوضات منذ انتفاضة الاقصى عام 2000 سلب من الفلسطينيين كل عناوين السيادة الوطنية على أراضيه ، ضربت البنية التحتية للأجهزة الامنية الفلسطينية بالكامل ، أضعفت القبضة الأمنية للسلطة الفلسطينية على أراضيها وأخص بالذكر قطاع غزة .
منذ عام 2005 وما بعد الانسحاب الاحادي الجانب لإسرائيل من مستوطنات في قطاع غزة ، واتفاق معبر رفح في ذلك الوقت الذي يقضي برقابة دولية على المعبر ، وثم الانتخابات التي سيطرت من خلالها حركة حماس على أغلبية اصوات المجلس التشريعي ، وما تلى ذلك من مشاورات مع مؤسسة الرئاسة بقيادة الرئيس أبو مازن ،وما أثمرته من حكومة وحدة وطنية انتهت بصراع داخلي حول السيطرة على قطاع غزة أمنيا ، مما فجر انقلابا عسكريا ضد الأجهزة الأمنية الفلسطينية وحسم الصراع إلى انفصالا في النظام السياسي والأمني .
انفصالا سياسيا كان قد مهد له الاحتلال الاسرائيلي من خلال الفصل الجغرافي والسيطرة على معبر بيت حانون بشكل محكم يفرض شروط مشددة لحركة المواطن الفلسطينيين من خلاله.
منذ سيطرة حماس على قطاع غزة ، تعرض القطاع لثلاثة حروب منذ نهاية عام 2008 إلى عام 2012 و الآن عام 2014 ، تتحدث اسرائيل في كل حرب عن ضرب البينة التحتية العسكرية لحماس أي ضرب القوة الصاروخية ، كسر العظم ، تلقين حماس درسا مؤلما لإعادة التفكير كثيرا قبل ضرب مناطق دولة الاحتلال مرة أخرى ، تحقيق قوة الردع الاسرائيلية والتأكيد عليها ، التفكير مليا بعنوان انهاء حكم حماس في غزة أم حكم ضعيف لحماس في غزة.
شعبيا الفلسطينيون عندما قصفت مناطقهم عام 2000 ، كان الخوف والاندهاش شديدا من صوت الطائرات الحربية ودمار صواريخها ، ومع تجدد القصف في كل جولة حرب ، اعتاد الفلسطينيون في القطاع هذا الصوت المدمر ، أصبحوا أكثر قدرة على مجابهته ، ومع حصاره تنازلوا عن الكثير من ملذات الحياة ورفاهيتها واكتفوا بقليل ما يصلهم من بضائع وقليل ما يروه عن العالم من شاشات التلفاز والانترنت ، وتحولت العمليات الاستشهادية داخل العمق الاسرائيلي من خلال تفجير حافلات وسيارات نقل إلى صواريخ لا تقتل إنما ترعب رفاهية اسرائيلية لم تتعود فقدان الأمان والاستقرار وحياة منظمة ضمن نظام عام أكثر أمنا مدجج بسلاح دفاعي وهجومي حديث دقيق مدمر مميت.
أسماء صواريخ جديدة تيمنا بأسماء قيادة حماس التي استشهدت بأعوام أنقضت ، تصل إلى تل أبيب وتخوم حيفا ، تستطيع القبة الحديدية في كيان الاحتلال تفجير الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى ، حيث تتكلف هذه القبب ثمنا اقتصاديا ليس بالقليل لأداء مهامها الدفاعية في حماية دولة اسرائيل ومستوطناتها الحدودية ، وصفقات سلاح عربية امريكية تعقد هنا وهناك بمليارات الدولارات التي تعوض خسارات اقتصادية جراء حروب غير متكافئة في دول حليفة أخرى.
أنفاق يتسلل من خلالها المقاومون لتنفيذ مهام داخل الخط الاخضر ، منصات صواريخ ، مخازن صواريخ ، محطات انتاج صواريخ، هذا ما يتحدث عنه الاسرائيليون من حيث توصيف التهديد الصاروخي لحماس والأجنحة العسكرية المطلقة للصواريخ المدعومة حسب مزاعم اسرائيلية ايرانيا من حيث التصنيع والتدريب والتمويل، بينما يتحدث المقاومون الفلسطينيون عن انتاج محلي للصواريخ.
تراهن اسرائيل أن حركة حماس ستتفاجأ بحجم الخسارة التي وجهت لها عندما تخرج القيادة من مخبئها ، وأنها على المستوى الاستراتيجي ستحقق هدفها في إبطاء قدرة حماس على امتلاك صواريخ في ظل ضعف العلاقات مع النظام المصري الحالي بعد فشل الإخوان المسلمين في حكم مصر مهما اختلفت الأسباب والتأويلات والمزاعم حول مؤامرات ضد الإخوان المسلمين ، ذلك أن في ذهن أي مراقب ، لو كانت حركة الإخوان المسلمين قوية وتمتلك برنامجا واقعيا للحكم لما استطاع أيا كان إسقاط هذا الحكم الذي لم يستمر طويلا.
الصراع الاقليمي يرسم أدوارا جديدة ، يقلب صفحة جديدة ، من حيث رسم مختلف لأدوار لاعبيه ، والملفت هو ضعف دور الحركات الاسلامية المعتدلة في بلدانها العربية ، بعد فشلها في إدارة التأزم الداخلي من حيث توفير العيش الكريم وفرص العمل واطلاق الحريات المجتمعية بموازين مدنية بحتة .
السعودية والإمارات العربية وتنضم إليها مصر هي محور واضح لحماية الأمن القومي العربي وأمن الخليج العربي هو جزء منه ،ويعادي أي تدخل ايراني في أمن المنطقة ،دور تركي حذر لا يتماشى كثيرا مع مساعي السعودية حول الحفاظ على الدور السني في العراق ، وذلك خوفا من تقسيم العراق ، وطرح استقلال الاكراد بشكل يزعج تركيا التي تتفق وايران على عدم المس بهذا الموضوع رغم جمود العلاقات التركية الايرانية ، حيث دور قطري من خلال علاقات أفضل مع تركيا ، وتناقض قطري ايراني واضح حول الملف السوري .
هذا لا ينسجم مع اصطفافا كان بالسابق يتمثل في محور ايراني قطري سوري ومحور تركي سعودي مصري ، أعيد رسمه الآن بدور سعودي اماراتي مصري أردني و دور اقليمي سياسي منفرد لمصر في الشرق الاوسط ودور قطري تركي ، ودور ايراني سوري ، وتجمع لبنان بدولتها تناقض هذه التناقضات الاقليمية إضافة إلى دور امريكي روسي يحاول احتواء هذه الأوراق السياسية بشكل منفرد يحرز تقدما سياسيا استراتيجيا في رؤية الدولتين الطامحتين مع عدم استثناء الدور الاوروبي المتوازن في التعاطي مع الملفات المختلفة في الشرق الاوسط بشكل يضمن وجوده وينعش توازنه وثقله الدولي المطلوب، واذا ما انعكس ذلك على مجمل الوضع الفلسطيني المتغير والمرتبط بصراعات عربية اقليمية دولية أوسع ، سيتوضح أدوارا مختلفة لمختلف الاجندات السياسية للفصائل الفلسطينية والأهم حركتي فتح وحماس ،والتحالفات العربية والاقليمية الجديدة عنوان هذا التغيير.
اسرائيل تحاول رسم مسافة واحدة من تحركات الجميع الاقليمي والدولي من خلال تكتيك يربك تحالفات الجميع والتشكيك بجدواها والتوجه المدروس لتفكيك نتائج هذه التحالفات.
اسرائيل تغازل السيسي الرئيس المصري الذي لم يرفض السلام بين الإسرائيليين والمصريين واحترم نصوص قوانين كامب ديفيد عهد السادات كما الرئيس مرسي من قبله والرئيس مبارك لثلاثين عاما مروا على مصر ، ولكن تكهنات حول دور اسرائيلي قطري من خلال اللعب بورقة غزة التي تشتعل عام 2014 لإضعاف السيسي شعبيا في مصر .
حول الضربة الاسرائيلية لغزة بمراحلها المتعاقبة ، تقديرات باستعادة حماس شعبيتها التي انخفضت خلال العامين السابقين وقد سبق هذه الحرب تفجيرا للصرّافات الآلية للبنوك جراء عدم صرف رواتب بشكل مباشر لموظفي حماس من خزينة السلطة الوطنية الفلسطينية، تتوهج حماس وتتلمع شعبيا لأنها تطلق الشعار الاول بالكفاح المسلح ضد اسرائيل وتمارسه أرضا ، ولكن عندما تمعن اسرائيل بقتل المدنيين وتدمر غزة بشكل أكبر ،و بتدحرج العملية الاسرائيلية من حرب جوية إلى برية وبحرية بقصف مدفعي من الدبابات والبوارج وتوغل محدود على الشريط الحدودي للقطاع ستستنزف قوة حماس العسكرية ، واذا ما قيس ذلك بالمعيار الزمني لطول العملية ، ستكون خسائر للجيش الاسرائيلي يتمثل في تفجير معدات عسكرية وقتلى من الجنود والضباط الاسرائيليين ،ذلك أن حماس أحسنت تدريب عناصرها عسكريا من حيث التسلل والمجابهة على الارض وتحديد الكمين المناسب لإيقاع الخسائر بالعدو من خلال حفر الانفاق الملائمة , لكن هذا لن يمنع إضعاف قيادة حماس إلى الصفر العسكري .
حماس قد تنتحر عسكريا ،لم يبقى لها بدائل سياسية مؤيدة بعد نتائج ثورات العالم العربي التي حصدت ثمار التأزم الداخلي للقوى السياسية لكل دولة على حدى ، ولم تستطع القوى الاسلامية إن تستغل الفرصة السانحة أمامها في الاستمرار في حكم البلدان العربية لضعف التشخيص المجتمعي والسياسي لتركيبة المجتمعات العربية وسوء ادارة العلاقات الدولية بما يخدم هذه الدول ،إذ أن لا أحد يستطيع نفي تضامن شعبي عربي ودولي جراء قتل نساء وأطفال وشيوخ في غزة والدماء نزفت بشكل يخلق تعاطف انساني يبعد كل البعد عن أي تضامن سياسي ينسق المواقف عربيا مع حماس القوة التي هي عنوان المجابهة العسكرية مع اسرائيل ولكن هذا لا ينفي عمل عسكري من باقي الفصائل الفلسطينية على الأرض سواء الجهاد الاسلامي بجناحها العسكري سرايا القدس ، لجان المقاومة الشعبية بألوية الناصر صلاح الدين، حركة فتح بكتائب شهداء الأقصى ،الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بكتائب أبو علي مصطفى ، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين من خلال كتائب المقاومة الوطنية.
ما تريده حماس هو إظهار قوتها حتى النهاية للفت أنظار العالم الدولي لسيطرتها الأمنية ، كان من الأفضل لحماس أن تعلن وقف اطلاق نار من طرف واحد قبل أن تعلن اسرائيل ذلك ، قد ترتكب حماس حماقة وقصر نظر وتلفظ أنفاسها الاخيرة ، إن لم تدير حربها بشكل يحرز فك الحصار لتكتيك أولي أساسه الارتباط المباشر ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية في رؤيتها لتحرير فلسطين المحتلة ،وبالمقابل على منظمة التحرير الفلسطينية تبني مطالب المقاومة لوقف اطلاق النار من أجل الضغط على الجميع في سبيل اتفاق هدنة على مستوى الحدث ، أي التركيز على مصدر التمويل لرواتب موظفي حماس وفتح معبر رفح المصري هو سوء تقدير لحماس للمصلحة الشعبية من أي مواجهة مع الاسرائيليين والتركيز على وجودها كحركة حماس.
إن لم يستطع الرئيس أبو مازن انجاز هدنة فلسطينية اسرائيلية قد يسقط سياسيا ، وتنبؤات عدة تختلف حول مستقبل يعود بدور أردني مصري عالي المستوى حول التدخل في ادارة الداخل الفلسطيني ومناقشة هياكله الأمنية.
الجهاد الاسلامي لا يرتبط بأجندة الاخوان المسلمين السياسية ، مما جعله يمتلك خطابا ومطالبا سياسية أكثر تقدما وعقلانية من حركة حماس بما لا يمس الأداء العسكري على الأرض، حيث ايران شددت على ضرورة أن تلعب مصر دورها في انجاز الهدنة مع الاسرائيليين ، فلا يمكن تجاوز مصر التي ترتبط جيوسياسيا بقطاع غزة ، لذا تفاهمات جنيف 2 التي لم تنجز بشكل نهائي ما بين الايرانيين و مجموعة 5+1 تلقي بظلالها على كافة ملفات الشرق الاوسط بما فيها العالم العربي ، ايران قد تلوح بورقة حماس حول الحد من تسليحها وأن يحفظ لها دورا سياسيا ، لم يحدد بعد ، هل يتصل وأجندة الاخوان المسلمون كما تتمنى أمريكا ، أم حركة حماس حركة مقاومة فلسطينية ذات ايدلوجية دينية لا تتبع أدبيات الإخوان العالمية ، في ظل حظر حزب الإخوان المسلمين في مصر العربية.
ما يحتاجه الفلسطينيون هو اعلام فلسطيني عربي قوي مرافق لما يحدث ،وحراك شعبي على الأرض واسع وشامل في كافة مدن الضفة وقراها ومخيماتها وأراضي 48 وكامل الدول العربية ،للضغط على قوات الاحتلال الاسرائيلي من أجل تخفيف شدة الضربات العسكرية للمقاومة الفلسطينية طالما كانت المواجهة مع الاحتلال هي مفتوحة.
وبالفعل تظاهر الآلاف من الفلسطينيين في مظاهرة (48 ألف) التي حاولت الاقتراب من حاجز قلنديا للوصول إلى القدس المحتلة وسقط العديد من الشهداء في نابلس والخليل وجنين وبيت لحم.
على نقيض الاعلام العالمي الذي يغطي حراك حماس على الارض الفلسطينية بمنأى عن حراك الحركات الوطنية الأخرى ، ويحاول تجاهل فعلها العسكري على الأرض ،حتى لو كانت حماس تمتلك الحجم الأكبر من السلاح ، وإن ما تابعنا اعلام حماس ،لوجدنا أنه مازال اعلام متفرد بالحدث واقصائي لدور الجميع الوطني ويحتكر المقاومة ،رغم أن هذه الفصائل الوطنية تقدم جرحى وشهداء وتفجر ناقلات للجند الاسرائيلي وتشتبك مع العدو وتطلق الصواريخ إلى المستوطنات الاسرائيلية.
تقارير عدة تنفي صحة الرواية الاسرائيلية حول اختطاف ثلاثة مستوطنين اسرائيليين وقتلهم على يد حماس ،كثير من التشكيك حول أنها جريمة مدنية تم التعتيم عليها واستغلالها من الحكومة الاسرائيلية في وقت لاحق ،كورقة ضغط لضرب حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية ، بعد فشل المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية ورفض الاسرائيليين إطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى ( أسرى ما قبل أوسلو) ،وما تلى هذا الحدث من حرق بشع للطفل الفلسطيني محمد أبو خضير في شعفاط ، حرقه وهو على قيد الحياة ، من قبل مستوطنين اسرائيليين ، هذا ما فجّر الشارع الفلسطيني في الضفة وأراضي 48 و لاحقا غزة التي أطلقت الصواريخ مؤازرة وردا على الأحداث في الضفة وليس لفك الحصار على غزة كما انحرفت المطالب الفلسطينية المقاومة بعد الهجمة الشرسة على قطاع غزة .
رفض حماس للمبادرة المصرية للتهدئة ، وفّر تغطية دولية للهجوم الاسرائيلي بشكل أعنف على الفلسطينيين.
الإطار الرسمي الفلسطيني بمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية والفصائل المنضوية تحت سقفها إلى جانب حركة المقاومة الاسلامية حماس والجهاد الاسلامي ،يجب أن ترفع من سقف تقديراتها حول ماهية أهداف الاحتلال الاسرائيلي من الهجوم على المناطق الفلسطينية و التصعيد ،إذ ليس على القيادة الفلسطينية بكافة أطرها الثقة بأن العدو لن يتمادى أكثر من المعقول، وأنه يمتلك أهداف ضمنية غير معلنة جراء أي تصعيد مفاجئ ينتهي إلى مجازر بحق الشعب الفلسطيني ،لذا يجب توقيع معاهدة روما للمحكمة الجنائية الدولية القادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الانسانية وجرائم حرب وجرائم الاعتداء ،لردع هذا العدو عن إجرامه وتجاوزه لكافة الأعراف الدولية ، ذلك أنها مطلب فلسطيني أساسي وملّح.
قد ينصح الشاباك الاسرائيلي بعدم تدحرج العملية الاسرائيلية للنهاية للإبقاء على حكم ضعيف لحماس في غزة كما كان ضرب الأجهزة الأمنية الفلسطينية في انتفاضة الاقصى وما تبع ذلك من عملية السور الواقي عام 2002 إلى حصار الرئيس ياسر عرفات بمقاطعته برام الله حيث نسفت البنية التحتية بالكامل مما سهل انقلابا عسكريا لاحقا عليها في غزة ، وأعيد هيكلة الأجهزة الأمنية بشكل مختلف في مناطق الضفة، ذلك أن رئيس الاستخبارات السابق عاموس يدلين تحدث عن نزع السلاح الصاروخي والثقيل من حماس ، الصراع الفلسطيني الاسرائيلي لا يحسم في حرب واحدة ومن جبهة واحدة ، المواجهات هي عديدة حتى نيل الحرية وتحرير الأرض الفلسطينية ،ولكن أن فقدت حماس حكمتها السياسية ستنتحر بالنهاية .
حزب الله في لبنان تموز عام 2006 لم يجرد من السلاح مع المطالبة بنزعه أمميا حسب قرار 1701، الذي طالب أيضا بنشر قوات دولية على الحدود ، ولكن جلس على طاولة السياسة اللبنانية بسلاحه ، ولم تفتح الجبهة اللبنانية إلى الآن حرب أخرى على الاسرائيليين و إنما تم توجيه سلاح حزب الله إلى الساحة السورية ، لا نريد لسلاح حماس أن يوجّه إلى سيناء ومصر العربية ، ولا أن يصدر قرارا دوليا وأمميا يطالب بنزعه.
في كل الأحوال ومهما كان حجم الخسائر لكل من حركة حماس و قوات الاحتلال الاسرائيلي ، فإن حماس ستعلن انتصارها في كل الظروف ، واسرائيل تعلن تحقيقها لأهدافها الاستراتيجية ، وهنا نحن في مفارقة أنها منظمة حماس التي تطرح نفسها بديل لمنظمة التحرير تجابه دولة اسرائيل بقرار منفرد ، والأهم هو تصوير توازن عسكري ميداني ما بين اسرائيل وحماس هو تمهيد لاستصدار قرار دولي من مجلس الأمن يحقق لإسرائيل الأهداف التي عجزت عن تحقيقها ميدانيا.
الحذر هو تدويل القضية الفلسطينية بما ينزع السلاح المقاوم بالكامل ، بدلا من نضال حول خلق مرجعية دولية أوسع للوصل إلى حل نهائي شامل وعادل.
السيسي وكتحالف سعودي إماراتي ،أعتقد أنه كحليف استراتيجي واقليمي مطالب بدور في غزة، أساسه زعزعة السيطرة الأمنية في غزة لصالح قوة لا تتبع النفوذ الايراني في الميدان ، مما يطرح تدخلا مصريا في إدارة غزة عسكريا وأمنيا من خلال قوى فلسطينية محالفة جديدة.
هذا يجلب دور جديد لتيار جديد في فتح استطاع إنجاز تحالفات اقليمية عربية تناوئ النفوذ الايراني إلى جانب قوى المجتمع المدني والقطاع الخاص الفلسطيني ،الأهم في ذلك هل تستطيع أي قوة جديدة في غزة تملك تحالف سعودي خليجي فتح حرب على اسرائيل ، والأهم من ذلك ، هل هو البحث عن قوة سياسية مساندة لحماس في غزة ،بمعنى خلق توافقات سياسية جديدة على الأرض ، أم زرع قوى أكثر تطرف كداعش في غزة ،( الدولة الاسلامية في العراق والشام) التنظيم المسلح الذي يتبنى الفكر السلفي الجهادي ،ويهدف إلى إعادة الخلافة وتطبيق الشريعة الإسلامية ، ويمتد في العراق وسوريا ،اللعب بالعصا والجزرة من خلال هذه الورقة إلى حين تمكين وجود سياسي مختلف.
عندما تضرب حماس البنوك وتدير حرب مفتوحة مع اسرائيل ،وتعطي ضوء أخضر لأجنحة الفصائل لقصف المناطق الاسرائيلية إلى أبعد مدى ،هي ترسل رسالة مضمونها ، حتى لو تم تدجيننا سياسيا ،نستطيع أن نكون داعش على الأرض وهذه رسالة إلى أمريكا.
وإلى الآن رغم كل ما يحدث من قصف ويصدر من تهديدات ، إلى جانب ورقة الجندي الاسرائيلي المخطوف وما بعد إعلان الجيش الاسرائيلي مقتل جنديه ،إلى أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد ،وقد تكون تراجعات ، ولكن تأجيل الضربة القاسمة إلى غزة هو لعب اسرائيلي على تأليب الرأي الداخلي الفلسطيني كما قال مبعوث اللجنة الرباعية للشرق الأوسط ، توني بلير، \"الفلسطينيون في غزة يقررون إن كانوا يريدون حماس أو لا \"، وفي غياب العملية الديمقراطية التي تفرز انتخابات يحتاجها الفلسطينيون ،هذا التأجيل سيبني واقعا لا تحمد عقباه ، على صعيد التناحر الأهلي الفلسطيني ، فالجميع فلسطينيا واسرائيليا وحتى اقليميا بحاجة لتفجير حرب تمتص أزمات وتوصل إلى حلول.
هدنة انسانية بعد نزوح أكثر من 350 ألف فلسطيني ، قد يسمح بتثبيت قوات الاحتلال لمواقعها العسكرية وانتشارها وجمع المعلومات الاستخباراتية ومراقبة تحركات المقاومين عن كثب ، وقد تخرقها فيما بعد وتستمر بهجماتها الجوية وتقدمها البري في القطاع.
إن أدى ذلك إلى التوصل لهدنة طويلة ومستدامة برعاية دولية اقليمية موسعة تحفظ غزة من إراقة دماء أكثر ،بعد استشهاد حوالي 1000 من الفلسطينيين وما يقارب 6000 من الجرحى والمصابين ،لا نريد أن يتم ذلك بمؤتمر جديد كما (مؤتمر باريس ) بحضور الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وبريطانيا و ألمانيا وايطاليا وتركيا وقطر ، مؤتمر يؤكد على فصل قطاع غزة عن باقي المدن الفلسطينية ،ورسم جديد لمناطق الفصل العازلة ،بما يحفظ أمن الاحتلال الاسرائيلي ، مما يعيد الذاكرة إلى مؤتمر مدريد الذي أفرز اتفاقية أسلو للسلام (الأرض مقابل السلام ) وعارضها الكثير في حينه ، فما بال الجميع باتفاقية تتحدث عن حدود قطاع غزة ومعابرها تحت بند (الهدوء مقابل الهدوء ) كمعادلة أمنية لا سياسية وكمفاوضات انسانية لانهائية سياسية ولا استراتيجية ولا تناقش باقي الحدود والأرض الفلسطينية المحتلة.
لطالما طالبت السلطة الوطنية الفلسطينية على لسان كبير مفاوضيها الدكتور صائب عريقات بعودة اسرائيل إلى حدود ما قبل 28/9/2000 ،والالتزام بخارطة الطريق ،بعد اندلاع انتفاضة الاقصى ،اسرائيل لم تستجب ، واتخذت خطوات أحادية في الانسحاب من المناطق ، لا نريد أن تحتل القوات الاسرائيلية كيلومترات جديدة ،ليتم التفاوض حول الانسحاب منها كما في السابق.
ما بعد حصار بيروت ،اجتياح 82 ، تم القضاء على العمل المسلح ،وإخراج منظمة التحرير الفلسطينية خارج لبنان ، لم يقضى على منظمة التحرير ولكن تم إضعافها ، التاريخ يعيد نفسه بأحداث متعاكسة ، نأمل أن لا تنفلت التطورات والأحداث على الأرض إلى ما لا يتوقعه الجميع.
إن لم تنجح منظمة التحرير الفلسطينية إلى الآن بتوحيد الآراء والمواقف الفلسطينية حول اتفاق أوسلو (اعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي ) عام 1993 وبرنامجها المرحلي ، فمن الصعب أن تنجح حماس عام 2014 من خلال (تحالف اقليمي جديد ،تحالف مستعد لدفع ثمن اقتصادي ضخم ،برعاية دولية ، ويهمش فعل تحالف عربي موازي في المنطقة ) بتوحيد كل المواقف الفلسطينية ،حول صياغة كردستان جديد في فلسطين ،فإن كانت شواطئ غزة لا تخلو من حقول الغاز ، لكنها حقل ألغام كبير ، رغم معاناتها ، لمن يتعدى على فلسطينيتها.