تاريخ النشر: 2025-11-27 | 13:43
تاريخ النشر: 2025-11-27 | 13:43
تمرّ غزة اليوم بمرحلة تتزاحم فيها الجراح مع ضباب المستقبل، وتتعانق فيها آثار الحرب مع الحاجة الملحّة إلى استقرار يضمن الحدّ الأدنى من وحدة القرار. في هذا المشهد، تبرز مجموعات مسلّحة تنمو في فراغ السلطة، وتتحرك وفق حساباتها الخاصة، بعيدًا عن رؤية وطنية مشتركة أو منظومة حكم متماسكة.
الواقع يكشف أن الفصائل نفسها لم تعد تمتلك خطابًا موحدًا؛ كل جهة تعمل بحسب مصالحها، ما يترك الساحة مفتوحة أمام فوضى السلاح ويضعف قدرة المجتمع على حماية نفسه. أي قوة مسلحة خارج مرجعية واحدة تتحول بسرعة إلى عامل تفكيك إضافي، لا رافعة للاستقرار.
الميليشيا، مهما تجمّلت شعاراتها أو تبريراتها، تظل نقيض الاستقرار. السلاح الخارج عن سلطة واضحة يتحول إلى أداة نفوذ لا حماية، ويجعل أي قوة مسلّحة تعمل منفردة وكأنها مشروع موازٍ، لا جزءًا من منظومة وطنية صالحة لحماية المجتمع.
خلال فترة الحرب الأخيرة، برزت مجموعات قدّمت نفسها كخيار اضطراري أو ضرورة أمنية مؤقتة، مستندة إلى غياب منظومة حكم قادرة على ضبط المشهد. لكن هذا الخطاب يخفي خطورة عميقة: لا يمكن مواجهة الفوضى بفوضى أكبر، ولا معالجة أزمة السلاح بتكثير حَمَلته، ولا بناء أمن على أنقاض بنية سياسية متداعية.
الأخطر أن بعض هذه التشكيلات بدأت تتقاطع مع الاحتلال علنًا تحت مبررات “محاربة سلطة الأمر الواقع” أو “فرض استقرار بديل”. هذا المسار ليس مجرد خطأ سياسي، بل سقوط وطني وأخلاقي وديني، فالسلاح الذي يُستخدم بتقاطع مصالح مع المحتل يفقد شرعيته، وأي مشروع يغذى على هذا لا يمكن أن يكون جزءًا من مستقبل غزة أو كرامتها الوطنية.
السابع من أكتوبر غيّر قواعد المعادلة. لم يعد مصير غزة قرارًا فلسطينيًا خالصًا؛ شكل الحكم وبنية الأمن ومستقبل الإدارة باتت تُدار على الطاولات الدولية أكثر مما تُناقش داخل القطاع. وهذا الواقع يفرض علينا مسؤولية مضاعفة: حماية ما تبقى من القرار الوطني، ومنع الميليشيات من أن تتحول إلى أدوات تُستغل في رسم مستقبلنا.
غزة لا تحتاج تعدد البنادق، ولا القوى التي تتضخم في ظل الحرب، بل تحتاج مرجعية وطنية مسؤولة، قادرة على ضبط السلاح، واستعادة الثقة، والحفاظ على الحد الأدنى من الانسجام الاجتماعي والسياسي. إنها لا تبحث عن دولة، لكنها تبحث عن بنية حكم واحدة قادرة على حماية أهلها وإعادة رسم مستقبلها بمصداقية وطنية.
الخاتمة:
ما تحتاجه غزة اليوم ليس تعدد السلاح أو الشعارات، بل قرار فلسطيني شجاع يوقف دائرة العبث ويؤكد أن مستقبل القطاع سيُصاغ على أساس المصلحة الوطنية العليا، لا بتدخلات خارجية أو نفوذ ميليشياتية. القدرة على تنظيم بيتنا الداخلي هي ما يضمن حقّنا في رسم ملامح الغد. وغزة — بتاريخها وصلابتها — تستحق أن يكون مستقبلها قرارًا وطنيًا خالصًا، يتجاوز كل تأثير خارجي ويصون كرامتها.