عندما تُعلنُ أمام كثير من الفلسطينيين والعرب أن غزة في حرب الاحتلال الصهيوني عليها لم تنتصر بحسب الزعم السياسي – الإعلامي العربي ، تجد كثيرين منهم يثورون غضبًا عليك، ثم تجدهم لا يستمعون لرأيك فحسب، وإنما ينبرون لتعداد أسبابهم الكثيرة في انتصار غزة؛ فبعضهم يتحدث عن الانتصار المعنوي الذي يعدّ في رأيهم أهم من الانتصار المادي، وآخرون يتحدثون عن نصر الشهادة والتضحية في سبيل الله ، بغض النظر عن النتيجة؛ لأنّ شهداءنا في الجنة ، وقتلاهم في النار !! ومنطق ثالث يتحدث عن أهمية كسر شوكة جيش الاحتلال الصهيوني الذي لم تكسر شوكته منذ احتلال فلسطين!! وجهة رابعة تفسر الانتصار من منظور اليأس والإحباط ، ومن ثمّ دعواهم كثَّر الله خير المقاومة الفلسطينية في غزة التي أطلقت هذه الصواريخ رغم الحصار المفروض على غزة من كل الأطراف!! وهناك رأي يعتقد أن انتصار غزة قد تحقق بإسقاط المفاوضات العبثية الفلسطينية – الإسرائيلية ...إلخ!!
في تصوري، يجب أن نفصل بين غزة بصفتها صمودًا وتحديًا ومأساة إنسانية فلسطينية تحت الاحتلال الصهيوني ، وغزة بصفتها المقاومة الفلسطينية التي غدت تسهم في إعطاء غزة أكثر مما ينبغي ، الأمر الذي يجعل الاحتلال الصهيوني أكثر إجرامًا ونازية في اجتياحه للمدن والقرى الفلسطينية تحت الاحتلال الصهيوني في فلسطين كلها!!
ما الذي قدمته الفصائل الفلسطينية لغزة ؛ حتى تصل إلى هذه الدرجة من الحصار والموت والدمار والخراب وتفشي الأوبئة...إلخ؟!
باختصار شديد، هناك أسباب عديدة ، من أبرزها بالنسبة إلى المقاومة الفلسطينية في غزة : اعتبار غزة محررة وهي محتلة ، وعسكرة المقاومة الفلسطينية بدلاً من أنسنة مأساة غزة ، واستقطاب تحالفات خارجية ضد المصلحة الفلسطينية( إيران ، وحزب الله ، والنظام السوداني المترهل ، والدور السياسي القطري التوريطي...)، وتصريحات سياسية وممارسات ميدانية غير مسؤولة ومربكة للفلسطينيين وغيرهم، والاستمرار في إجهاض الوحدة الوطنية الفلسطينية ، وتسهيل الاستجابة للمخططات والتآمرات المخابراتية الإسرائيلية ، وتقديم المصالح الفئوية أو الحزبية أو الفصائلية على المصلحة الفلسطينية ، وتفشي ظاهرات الكبت والدكتاتورية والهيمنة واضطهاد الآخر داخل التركية السياسية الفصائلية الفلسطينية؛ ليغدو الاحتلال الصهيوني المباشر أكثر "رحمة" مما هو حاصل في غزة "المحررة" في زعمهم... وهذا كله يؤكد أن أغلبية الفلسطينيين في غزة ( حوالي 90% تقريبًا) مغيّبون أو صامتون... وكان من المهم أن يكون هناك استفتاء حر وحقيقي بشأن أية سلطة تدير الحياة في غزة، والتعرف إلى رأي أهل غزة في أية معركة مع الكيان الصهيوني !!
علينا أن نؤمن بأنّ مسؤولية تحرير فلسطين من عدو استيطاني كارثي ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم... فهي مسؤولية العرب والمسلمين وأصحاب الضمائر الإنسانية الحية في العالم كله؛ لذلك يخطئ من يظن أن المقاومة الفلسطينية في غزة ستحرر فلسطين في هذه الظروف العصيبة التي تحاصر الفلسطينيين وأمتهم وملتهم وإنسانيتهم... من هنا علينا قبل غيرنا أن نساعد أنفسنا ، وأن نعترف بأن غزة لم تتحرر من الاحتلال الصهيوني؛ وأن هذا التحرر المزعوم في ظل هذه الحرب الصهيونية الإجرامية على غزة، هو مؤامرة صهيونية لممارسة الإبادة الجماعية والمجازر المؤلمة والدمار الشامل لغزة ولكل ما هو فلسطيني بالنسبة إلى الكيان الصهيوني وإجرامه في المنطقة!! وبعد ذلك نتبجح بالنصر ...على طريقة "عنزة ولو طارت"!!