تاريخ النشر: 2026-10-03 | 17:34
تاريخ النشر: 2026-10-03 | 17:34
هناك أسرارٌ لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالخوف.
وأحياناً، لا يكون أخطر سلاح في يد الأجهزة الأمنية مسدساً أو قنبلة، بل إنسانٌ مُهندسٌ للاقتراب من إنسان آخر، لكسب ثقته، وتحويل نقاط ضعفه إلى بابٍ خلفي للأسرار.
هذه الفكرة استدعت إلى ذهني كتاب «الخداع على الطريق» (By Way of Deception)، للضابط السابق في الموساد فيكتور أوستروفسكي وكلير هوي، الصادر عام 1990؛ وهو العمل الذي هزّ صورة أجهزة الاستخبارات من الداخل.
كنت قد قرأت هذا النوع من المؤلفات في سنوات الأسرفي السجون الإسرائيلية، لا بحثاً عن الإثارة، بل تفكيكاً لعقل العدو: كيف يفكر؟ كيف يُجند؟ وكيف يجرّد الكائن البشري من كرامته ليصبح مجرد مادة أولية في ملف؟
لكن بين طيات تلك التجارب تبرز القسوة الأشد: استخدام الخصوصية والجسد والعلاقات الإنسانية كأدوات اختراق استخبارية. ومن هنا يولد السؤال الأكثر إزعاجاً: ماذا يحدث عندما يتحول الجسد ذاته إلى جزء من الخطة؟
غشاء البكارة… حين يصبح الخاص سلاحًا
في مكاتب الظل، الثمن يُقاس بحجم السقوط.
الخائف من الفضيحة يُبتز، والطامع يُشترى، والباحث عن الأمان يُستدرج. وفي هذا السياق، لم تتردد العقول الأمنية في توظيف الأجساد، كاستخدام المجندات أو الواجهات الدبلوماسية، لاستدراج الشخصيات المستهدفة وإسقاطها في براثن العمالة والابتزاز، وصولاً لتقديم التنازلات المطلوبة. ووفقاً للعديد من الشواهد والملفات، سقطت عبر هذه الأساليب المخابراتية شبكات معقدة ضمت كبار القيادات، والزعماء، والسفراء، وذلك في سبيل حماية هذا الكيان المسخ وضمان أمنه.
ورغم أن روايات أوستروفسكي ومذكرات الاستخبارات طالها الجدل والنفي أحياناً، مما يمنع التعامل مع كل تفصيلة كحقيقة مطلقة، إلا أن القيمة الحقيقية لهذا النقض تكمن في السؤال الأخلاقي العاري: متى يتوقف الإنسان عن كونه غايةً في ذاته، ليتحول إلى مجرد وظيفة؟
حينها..
لا يعود الجسد جسداً.
ولا العاطفة عاطفة.
ولا الثقة سوى فخٍ محكم.
وهنا لا تعود القضية مجرد استباحة لغشاء بكارة أو انتهاك لخصوصية، بل استعراضاً لمنظومة تسحق أقدس ما يملكه الإنسان لتحويله إلى أداة طيعة.
لكن، إذا كان الجسد قد صار طُعمًا في استراتيجيات الضغط الفردي.. فماذا يحدث حين تنتقل الفكرة من حدود "الجسد المستباح" إلى بحر "الدم المسفوك"؟
السابع من أكتوبر… من فخ الفرد إلى سؤال الدم الكوني
في السابع من أكتوبر 2023، اهتزت المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية على وقع زلزال مدمر سقط فيه المئات.
ومن اللحظة الأولى، انفتح السؤال الأولي: كيف نجح الهجوم رغم السور التكنولوجي والاستخباري الهائل؟
ثم تفرّع السؤال إلى ما هو أشد خطورة: ماذا كانت المؤسسات الأمنية تعرف قبل الطوفان؟
تقارير لاحقة أشارت إلى تحذيرات مبكرة، بينما نفت الحكومة الإسرائيلية تلقي رئيس وزرائها إنذاراً دقيقاً. وهنا، تقتضي الأمانة النقدية الدقة: وجود الإخفاق الاستخباري لا يعني بالضرورة وجود قرار مُتعمد بالتضحية بالجنود والمدنيين.
لكنه يُشرّع الأسئلة الكبرى على مصراعيها: من قرأ التقارير؟ من حذّر؟ ومن آثر الصمت حتى وقعت الكارثة؟
هذه ليست تساؤلات نظرية.. هذه أسئلة دمٍ لا تحتمل التلفيق.
حين يُعاد تدوير الإنسان إلى "رقم"
هنا تتقاطع الحكايتان، لا بوصف إحداهما دليلاً قاطعاً على الأخرى، بل باعتبارهما وجهين لعملية مسخ واحدة تمارسها عقلية الأجهزة المغلقة:
في الأولى (وفق المنسوب لأوستروفسكي وما خلف الكواليس): الجسد طُعمٌ للوصول وإسقاط الرؤوس.
وفي الثانية: الإنسان بأكمله يتحول إلى رقم في حسابات سياسية واستراتيجية أوسع.
تلك هي المفارقة المرعبة؛ فالمرأة ليسـت ملفاً سرياً، والجندي ليس رقماً في تقرير، والمدني ليس هامشاً على خريطة العمليات. لكن حين تُدار الدول بعقلية الغرف السوداء، يصير الكائن البشري أداةً لكل شيء: مرةً للاستدراج، ومرةً للابتزاز، ومرةً للحروب، وأخيراً.. لدفع ثمن قرار لم يصنعه.
من يملك الإجابة؟
ليس السؤال اليوم: هل أخفقت إسرائيل في السابع من أكتوبر؟ فالوقائع ناطقة بالفشل المدوي.
السؤال الأثقل: هل كان ما جرى مجرد عجز، أم أن خيوطاً كثيرة من الإنذارات المبكرة والتقديرات المُغيّبة ما زالت مخفية تحت الطاولات؟
هنا يجب أن يتقدم التحقيق على الانطباع، والشهادة القابلة للفحص على البروباغندا. لأن الضحية لا تحتاج أساطير لتثبت مظلوميتها، والدم أطهر من أن يُختزل في بازار السياسة.
خاتمة: بين الباب والوقود
عنوان هذا المقال قد يبدو صادماً، لكنه يعكس حقيقة اللعبة حين ينفصل القرار السياسي والأمني عن أي وازع إنساني.
في المشهد الأول: الجسد بابٌ وممر.
وفي المشهد الثاني: الإنسان وقودٌ ومعبر.
وبين الباب والوقود، تتناسل الأسئلة المعلقة فوق الملفات المغلقة:
من استخدم من؟
من حذّر ولم يُسمع؟
من صمت ليحصد النتيجة؟
ومن أُلقي به في النار؟
الأجهزة السرية تتقن إخفاء المعلومة، والسياسة تبرع في تدوير الزوايا، والحروب قادرة على تكفين آلاف القصص تحت الأنقاض.. لكنها جميعاً تعجز أمام سؤال واحد:
ماذا يبقى من آدمية الإنسان حين يتحول إلى أداة؟
حين يصبح الجسد طُعمًا، ويصبح الدم ثمنًا.. لا يعود السؤال: من ربح المعركة؟
بل: كم إنسانًا دُفِع إلى النار، لكي يكتب المنتصر روايته؟