ومن على حافة الحياة نطق بما يليق بكاتب وروائي وشاعر شجاع ،عندما رفض للصمت أن يستمر وهو يشاهد من حقائق ما يكفي لقول الحقيقة ، فكيف إن كانت فاضحة فادحة ، لكن ، للمرء أن يتعرف ، بأن غراس أبى الرحيل قبل قول للأعور ، أنك كذلك ، وفي قصيدته ( ما ينبغي قوله ) تسأل في بدايتها ، لماذا كل هذا الصمت ، أهو ، إدمان ،أم خوف من قول الحقيقة ، وبالرغم ، من اعتراضه الذي جاء على بيع بلاده ،ألمانيا ،غواصة قادرة على حمل رؤوس نووية لإسرائيل ، جاء القرار ، ليحرر شاعراً من صمته الذي أوشك التخاذل أن يصاحبه إلى يوم الرحيل ، ورغم ، أن الجمهور ينتظر ، دائماً ، من شخص بحجمه ، التصدي لقضايا عالمية ، لهذا ، كان له أخيراً أن يتساءل عن المغزى الجوهري عن ذاك الزائد ، لدولة تريد العداء لدولة آخرى في ظل اختلال عالمي ، ظنت ، هو ، مجرد ظن ، لا أكثر ، أنها تسعى لامتلاك قدرات نووية ، ومن جانب آخر ، افتضح غراس نفاق مرهق لأوروبا ، بلا استثناء ، كان الشاعر قد اعتقد سابقاً ، أن ألمانيا الوحيدة التى تحظى بهذا النفاق أو أنها علامة مسجلة تخصها ، كونها التصقت بها جرائم لن تمحوها الأيام مهما بلغ الدعم المالي والمعنوي والاعتذار وغيرهم ، ليكتشف الشاعر في أرذل العمر أن القارة الباردة ،هي لا سواها ، سجينة الصمت وغير قادرة على هدم جدرانه مهما بلغت من إرث ثقافي أو تحضر صناعي وتكنولوجي .
لاحظوا أن موقف الشاعر غراس ،رغم ،أهميته ، إلا أنه ،متناقض متضارب ويرتكز على معايير لا تقل اختلالاً عن مواقف الدول الكبرى ، وقد يكون ، أول العارفين ، بل ، هو بالتأكيد يعلم بأن موقفه هذا لا يغير من الواقع شيئاً ، كأنه ينفخ في قربة مثقوبة ، لكن ، ما يستوقف امرئٍ مثلي ، أن هذه المغامرة التى أقدم عليها ،هي ، في الحقيقة من نوع ثقيل ، خصيصاً ، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل ، لأن ، دائماً ، كانت عواقبها وخيمة ، وتقدر أحياناً ، بالكارثية ، إلا أن ، للمرء أن يتصور ، أيضاً ، لما تمارسه مراكز التفتيش العصري ، التى تعتني بأي هجوم يقع بحق المشروع الصهيوني ، عموماً ،أو الدولة خصوصاً ، كانت الانتقادات الإسرائيلية واليهودية بحق شاعر ألماني ، استنكر حجم التحريض الإسرائيلي المبالغ فيه ضد إيران ، هي ، أقرب إلى ظاهرة صوتية ، تضليلية ، حيث ، دافع بعزم عن حقوق ايران بامتلاك البرنامج النووي ، في حين لم يرى العالم هذا الحماس أو بالأحرى ، المرونة التى تتحلى بها إسرائيل اليوم عندما لفقت في السابق البعيد والقريب ، التهم ومارست جميع الضغوط والحصار لمن تجرأ انتقادها بسبب العراق وحقوقه الطبيعية بامتلاك برنامج مماثل لإيران أو مصر ، بل ، على الدوام كان التنكيل والعقاب جاهزين لمن يجرؤ انتقادها ، السجن أو تجفيف القنوات المالية ، أو حتى التخلص بطريقة بوليسية .
لا عجب في ضوء هذا الدلال الفائق التى تتمتع به إيران ، أن يتمدد الاستمتاع إلى آخرين ، أفراد وجماعات ، لكن ، من حق المرء أن يرد بضاعة غراس إليه ، طالما ، الباحث تسلح بجملة حقائق ودلائل حول العلاقة الوثيقة بين الطرفين ،الإسرائيلي والإيراني ، وفي ذات الوقت ، ليس لأحد الحق أن ينزع عن الشاعر الألماني طابع الإنساني أو التشكيك بنواياه ، رغم أن ، الترابط العرقي بين الألمان والإيرانيين حقيقة لا يمكن إنكارها أو إخفاءها ، فكلاهما من العرق الآري ، من هنا جاءت كلمة ايران ، من الآرية ، الذي يبرر للشاعر اندفاعه الغير محسوب ، لكن الأيام بالطبع ستكشف ، لاحقاً ، وثائق مازالت طي الكتمان ، عن دور الدول الكبرى ، هي لا سواها ، أزالت جدار الرعب أمام من يرغب انتقاد سياسات اسرائيل ، والقصد من وراء ذلك ، هو ، تشكيل وعي لدي المواطن الغربي ، بأن ، ليس صحيحاً ، التورط من جديد في منطقة الشرق الأوسط ، كأن الاختلال الذي أبدى الشاعر تخوفه منه يوحى بأن الصراع بين قوتين تمتلكان ترسانة من الأسلحة ، غير تقليدية ، بالإضافة ، إلى اقتصاد وصناعة تغطيان الكرة الأرضية .
لا الثقافة ولا الإنسانية تقبلان التجزئة ، فكيف ، لشاعر متفوق بالمهنة يجتزئ العدالة لصالح جغرافية دون الأخرى ، رغم ، أن المسألة الفلسطينية والعراقية أو حتى السورية ، تعرضوا في العصر الحديث إلى أبشع وأهمج الحروب والتهجير والتنكيل على صعيدين الإنساني والجغرافي ، رغم أن ماضي غراس ، سجل انتقادات خجولة وفي أفضل حال متواضعة .
والسلام
كاتب عربي