تاريخ النشر: 2016-01-24 | 08:33
تاريخ النشر: 2016-01-24 | 08:33
لا يستطيع أحد أن ينكر على الدولة حقها في فرض الضرائب والرسوم؛ كي تتمكن من تحقيق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية والمالية، شريطة أن يتم ذلك في إطار قانوني وتحت غطاء دستوري، وإلا كنا أمام ظلم للعباد ومكس لحقوقهم، وإهدار بالأصول القانونية، واستهتار بمبادئ العدالة الإنسانية، واستخفاف بالقواعد الاقتصادية.
فقد حرم الله جل وعلا أكل أموال الناس بالباطل، حيث قال: "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" سورة البقرة آية188، ونهى عن إنقاص الناس حقوقهم، حيث قال عز وجل: "ولا تبخسوا الناس أشياءهم" سورة الأعراف آية85، كما أن الأحاديث الشريفة بتحريم المكس عديدة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة صاحب مكس" وكذلك: "إن صاحب المكس في النار".
وحتى المشرع الوضعي على اختلاف الفلسفة أو الأيديولوجية التي يتبناها، لم يتجاهل وضع الحماية الدستورية للأموال من أي اعتداء وإن كان تحت مسمى ضريبة أو رسم، على غرار ما نصت عليه (م88) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003م: " فرض الضرائب العامة والرسوم، وتعديلها وإلغاؤها، لا يكون إلا بقانون، ولا يعفى أحـد من أدائها كلها أو بعضها، في غير الأحوال المبينة في القانون"، وعليه فإن الضريبة لا تشرق شمسها إلا بقانون، ولا تأفل إلا بقانون، وإلا كان وجودها باطل، وتحصيلها غير دستوري.
ومنذ سنة 1976م والمواطن الفلسطيني يدفع عنوة ضريبة مضافة للإسرائيليين بموجب أوامر عسكرية إسرائيلية، واستمر الحال بعد قيام السلطة الفلسطينية فدفع المواطنون للخزينة العامة أكثر من 3 مليار دولار كضريبة على القيمة المضافة المحلية فقط، بخلاف تلك التي دفعها لإسرائيل وحصلتها السلطة الفلسطينية بموجب المقاصة، والتي نؤكد جازمين أنها لم تحصّل وفق مسوغ قانوني، دون أن نعدم الدليل على ذلك.
ضريبة القيمة المضافة مفروضة بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي!
يسند البعض ضريبة القيمة المضافة إلى بروتوكول باريس الاقتصادي، غير أن هذا الإسناد باطل، لأن التزام السلطة الفلسطينية ببنود الاتفاقية مع إسرائيل (بروتوكول باريس الاقتصادي)، لا ينشئ التزاماً على المواطنين بدفع ضريبة القيمة المضافة أو غيرها، ما لم تستوف الإجراءات الشكلية اللازمة، وكما يقول الفقه الضريبي "ليس هناك ما يمنع من أن تفرض الضريبة أو تنظم بمقتضى معاهدات دولية، ثنائية كانت أم جماعية، ما دامت تستوفي شكلها القانوني"، والشكل القانوني المقصود هو أن تصاغ في قانون وطني من السلطة التشريعية، أو على الأقل أن يصدر مرسوماً بسريان بنودها وينشر في الجريدة الرسمية، فالالتزام بالنشر في الجريدة الرسمية، ليس مجرد إجراء شكلي وإنما هو منشئ للالتزام القانوني، وتوطين للالتزام الدولي، وهذا ما لم يتم من قبل السلطة الفلسطينية، وعلى هذا، فإن فرضها يقع باطلاً.
ضريبة القيمة المضافة مفروضة بموجب امتداد سريان التشريعات!
ويسند البعض ضريبة القيمة المضافة إلى امتداد سريان التشريعات السابقة! وهنا لا بد أن نفرق بين فترتين زمنيتين الأولى هي الفترة الممتدة بين قيام السلطة الفلسطينية 1994م ونفاذ القانون الأساسي 2002م، وقد جرى ضبط سريان التشريعات فيها بالمادة الأولى من (القرار رقم1) لرئيس السلطة الفلسطينية سنة 1994م، بأن: "يستمر العمل بالقوانين والأنظمة والأوامر التي كانت سارية المفعول قبل تاريخ 5/6/1967 في الأراضي الفلسطينية "الضفة الغربية وقطاع غزة" حتى يتم توحيدها". ويفيد هذا القرار بأنه في حال وجود تعارض بين الأوامر العسكرية والأنظمة الإسرائيلية بعد عام 1967م، وما كان سارياً من قبل، فحينئذ يسري ما كان سارياً قبل الاحتلال. وبمعنى آخر أصبح للأوامر الإسرائيلية حالين: الحال الأول يتعلق بعدم تعارضها مع ما كان سارياً من قبل، وحينئذ تبقى سارية إلى أن يصدر قانون بإلغائها، والحال الثاني إذا ما كان هناك تعارض بينها وبين ما كان سارياً، وفي هذه الحال تصبح لاغية لتعارضها.
وبالنظر إلى ما كان سارياً قبل عام 1967م فإننا نجد في قطاع غزة سريان القانون الأساسي رقم (255) لسنة 1955م، والذي نص في (م41) على أنه: "لا يجوز فرض الضريبة أو تعديلها أو إلغائها إلا بقانون..."، كما نجد سريان دستور المملكة الأردنية الهاشمية لسنة 1952م في الضفة الغربية، وقد نص في (م111) على أنه: "لا تفرض ضريبة أو رسم إلا بقانون...".
وبسريان هذين التشريعين بموجب قرار السلطة رقم (1) المشار إليه، حتى صدور القانون الأساسي الفلسطيني سنة 2002م، وباتفاقهما على أن فرض الضريبة وتعديلها والغائها لا يكون إلا بقانون، فإن التعديل الحاصل زمن الاحتلال يقع باطلاً ولا يجوز الاستناد إليه في فرض الضريبة على القيمة المضافة، باعتبار أن التعديل لم يتم بموجب قانون، أما بعد صدور القانون الأساسي سنة 2002م فإن موقف المشرع الفلسطيني أصبح باتاً ونهائياً، ليؤكد ما قررته التشريعات السارية قبل سنة 1967م.
والغريب أن المشرع الفلسطيني لم يبدِ أي موقف صريح بشأن الضريبة على القيمة المضافة، حتى أنه حين صدر قرار مجلس الوزراء رقم (4) لسنة 1999م، بشأن تحصيل ضريبة القيمة المضافة على الذهب، ذكر في ديباجته، بعد الاطلاع على قانون جباية الضرائب رقم (137) لسنة 1929م، وعلى قانون الجمارك رقم (42) لسنة 1929م، المعمول بهما في محافظات غزة، وعلى قانون الجمارك والمكوس رقم (1) لسنة 1962م، وعلى قانون الرسوم على المنتجات المحلية رقم (16) لسنة 1963م، وعلى قانون توحيد الرسوم والضرائب الإضافية المستوفاة عن البضائع المستوردة والمصدرة والمصنعة محلياً رقم (25) لسنة 1966 م، المعمول بها في محافظات الضفة الغربية، وعلى القانون رقم (5) لسنة 1998م بشأن دمغ ومراقبة المعادن الثمينة. وعلى قرار مجلس الوزراء رقم (1) لسنة 1999م بشأن رسوم فحص وتحليل ودمغ المعادن الثمينة والتراخيص المتعلقة بها، قررنا ما يلي.." وهو ما يعني تجاهل هذا القرار للإشارة إلى حقيقة الموقف من النظام المتعلق بالضريبة على القيمة المضافة.
بل والأغرب أن صدور المرسوم الرئاسي رقم (18) لسنة 2007م بتاريخ 26/2/2007م، بشأن إعفاء المواطنين في المحافظات الجنوبية (قطاع غزة) من الضرائب والرسوم، لم يجر تطبيقه في قطاع غزة وكأن حكومة الواقع في قطاع غزة لم تمنح المرسوم الشرعية، في حين منحتها لضريبة القيمة المضافة رغم أنها غير شرعية من حيث الأساس، لاسيما وأنها غير معترفة باتفاقية أوسلو التي من مكوناتها بروتوكول باريس الاقتصادي، فعلى أي أساس جرى فرض هذه الضريبة؟!
ومن جانب آخر فإن هذا المرسوم الرئاسي يعني أننا أمام ضريبة تستقطع من المواطنين تحت مسمى الضريبة على القيمة المضافة على الأنشطة المحلية، وما دام هو يقر بإعفاء المواطنين في قطاع غزة بعد التاريخ المذكور، فإن هذا يعني وجود استمرار السند القانوني لها في الضفة الغربية، فما هو هذا السند؟!
إن البحث المستفيض الذي عكفت عليه بشأن ضريبة القيمة المضافة في فلسطين، يخرج بحقيقة عدم دستوريتها، وبطلان متحصلاتها، وأنه لم يعد أمام السلطة الفلسطينية إلا اختيار أحد طريقين: إما أن تصدر قانون للضريبة على القيمة المضافة، أو أن تتوقف عن تحصيلها فوراً، ذلك أن لجوء أي مواطن متضرر منها إلى المحكمة الدستورية، يعني الحكم بعدم دستوريتها، وقد يصل الأمر إلى الحكم برد كافة متحصلاتها، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى خلل الموازنة العامة، أو اضطراب العلاقة بين الدولة والمكلفين، أو فقدان الثقة في العدالة وسيادة القانون.