تاريخ النشر: 2016-09-08 | 21:21
تاريخ النشر: 2016-09-08 | 21:21
عندما يختلط الأمر على الصحفي بين ذاته ومقتضيات عمله
يتفق كل المهنيين تقريباً على أنه لا يمكن لشخص أن يجمع بين مقتضيات مهنته أو وظيفته وبين متطلبات حياته اليومية بالمعنى الشخصي، والمقصود هنا أن المسؤول الحكومي، على سبيل المثال، لا يحق له استخدام سيارته الحكومية أو سلاحه الحكومي المرخص في غرضٍ خاص، حيث لا ينبغي أن تظهر البطاقة الحكومية إلا في حال الضبطية القضائية أو ما يلزم من أعمالٍ تتطلبها واجبات المهنة، هذا في نطاق الصلاحية، أما في نطاق المسؤولية فالأمر يزداد تعقيداً هنا، فالطبيب يمارس عمله في نطاق تخصصه، ولكن ذلك لا يتيح له أن يمارس أي مخالفة، ولو ارتكب فعلاً منافياً أو مخالفاً لموجبات القانون فإن القانون سيتصدى له كمواطنٍ عادي ضمن معطيات مواد هذا القانون، وما يرتبه من مسؤوليات على جموع المكلفين.
الصحفي كغيره من المهنيين، يتمتع بصلاحية اختصاص ضمن معطيات ما تتطلبه المهنة، وله الحق في الحصول على المعلومات، ونشرها، وتداولها، ولكن من غير المسموح لهذا الصحفي أن يستغل بطاقته الصحفية في الحصول على أي منفعة بالمعنى الشخصي، أو أن يمارس فعلاً مخالفاً للقانون من أجل نشر معلومة، فالغاية هنا لا تبرر الوسيلة، ولا يجوز بالمعنى الأخلاقي أن يستغل مهنته لتحقيق أية غايات دون أن يمر عبر بوابة العدالة والحق ومبدأ المساواة بين المواطنين في الواجبات والحقوق.
كلنا يعرف أن المسؤولية الاجتماعية تطغى على كل ما هو مهني، وكل ما هو موضوعي، وكل ما هو محايد، وهنا لا نقصد شخصاً بعينه، أو جماعة بعينها، أو مؤسسة بعينها، فهل واقعنا اليوم، من جهة القانون والحريات ومستوى الوعي الجمعي، يسمح بما يُعرف بالصحافة الاستقصائية؟، هل هذا هو وقت تحقيقات الفساد والإفساد؟، لا يعني هذا أننا نرفض الاستقصاء أو نشرعن الفساد، ولكن واقع الحال يقتضي أن نلتفت بمسؤولية عن أوضاع وطنٍ يدفع من دم أبناءه ثمناً لحريته، وأن واقع الانقسام البغيض سيحول كل قضية حتى لو كانت شخصية إلى مسارها الحزبي والتنظيمي والعشائري والمناطقي، وهي أمور تجعل من الصحفيين طرفاً في انقسام كان يتوجب عليهم مقاومته في كل وقتٍ وحين.
لا يعني رفضنا لتحقيقات تتناول "زنا المحارم"، أو "التحرش في مواقع العمل"، أو "الشذوذ الجنسي" أننا نرفض فضح كل من يخالف قواعد القانون والأخلاق، وإنما عدم تحويل هذا النوع من القضايا إلى قضايا رأي عام، حتى لا تتهم الصحافة بأنها تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وحتى لا تصبح محطة لتبيان مثالب المجتمع وعيوبه في ظرفٍ نحن أحوج ما نكون فيه للتوحد خلف قضايا تمثل اجماع الكل الوطني الفلسطيني، ولا يعني رفضنا لشخصنة بعض القضايا من طرف الصحفيين أننا نؤيد لا سمح الله اعتقالهم أو قمعهم أو تعذيبهم أو حرمانهم في الحق في السفر أو تهديد حياتهم، فهي أمور وسلوكيات مرفوضة قطعاً، ولكن دون أن تنحرف بوصلتنا لصالح تبني قضايا عنوانها العريض حرية الصحافة وعنوانها الضيق مصلحة فلان أو علان.
على الكل الصحفي أن يعود إلى مدونة الأخلاق والسلوك، وأن يقرأوا جيداً نصوص القانون، سواء المتعلق بالنشر، أو المتعلق بالجنايات، وأن ينهجوا نهجاً يقودهم إلى تبيان المصلحة الوطنية فيما يكتبون قبل أن يقدموا أنفسهم كأبطالٍ قوميين في معركة نحن جميعاً فيها نمثل الفريق الخاسر، والله المستعان.
صحفي من غزة