تاريخ النشر: 2023-01-10 | 19:32
تاريخ النشر: 2023-01-10 | 19:32
باريس – وكالات: تخشى السلطات الفرنسية من تعبئة شعبية واسعة قد تهدد بانفجار اجتماعي، بعد تزايد قلق الفرنسيين من تردي الأوضاع المعيشية بسبب ارتفاع الأسعار، واستعداد حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون للإعلان عن أليات جديدة لإصلاح نظام التقاعد. وتتخوف السلطات الفرنسية من الكيفية التي يمكن أن يترجم بها هذا التذمر الشعبي. حسب "يورونيوز".
من المنتظر أن تعرض الحكومة، من خلال رئيسة وزرائها إليزابيت بورن، خياراتها لمستقبل نظام المعاشات التقاعدية والتي من بين نقاطها، التأجيل المحتمل للسن القانوني للتقاعد عند 64 عاماً.
تعبئة واسعة النطاق
يشهد المناخ الاجتماعي في البلاد توتراً شديداً، ما يقلق السلطات. ففي مذكرة استخباراتية صدرت بتاريخ 6 يناير- كانون الثاني، أعرب جهاز الشرطة عن مخاوفه من تعبئة شعبية قوية.
وأرجعت مذكرة الاستخبارات الفرنسية أسباب هذه التعبئة إلى ارتفاع أسعار الطاقة الذي بات يشكل خطراً على استمرار العديد من الأنشطة التجارية والحرفية. وكتب ضباط الشرطة في المذكرة أن "عام 2023 سيكون صعباً، مع مطالب قوية لرفع الأجور في القطاعين العام والخاص".
إضرابات ومظاهرات
تشير هذه المذكرة إلى توقع إضرابات طويلة الأمد بالإضافة إلى المظاهرات المحتملة والتي من المنتظر أن يتم الإعلان عنها من طرف النقابات العمالية بعد نهاية خطاب رئيسة الوزراء يوم الثلاثاء.
وجاء في المذكرة أنه "بخلاف المواكب التقليدية على الطرق العامة، يمكن أن تؤدي حركة التعبئة هذه إلى إضرابات طويلة الأمد في العديد من القطاعات الرئيسية للاقتصاد مثل الإجراءات التي اتخذتها نقابة المصافي "سيه جيه تيه" في الخريف الماضي".
بالإضافة إلى ذلك، سلطت المذكرة الضوء على الوضع الصعب الذي يعيشه "الحرفيون الصغار"، بما في ذلك الخبازين وأصحاب المطاعم واللحامين الذين شكلوا افتتاحية نشرات الأخبار لعدة أيام بسبب انفجار فواتير الكهرباء الخاصة بهم.
احتجاجات خارج النقابات
تطرقت المذكرة كذلك للتحركات والاحتجاجات التي يمكن أن تندلع خارج إطار النقابات العمالية، كما كان الحال في نهاية العام 2022 أثناء الإضرابات التي شلت المصافي بعيداً عن نداءات النقابات.
وجاء في نص المذكرة "لقد تم إطلاق العديد من التحركات من قبل مجموعات من العمال، خارج أي إطار نقابي. يبدو أن هذه الطريقة للدفاع عن المصالح المهنية أصبحت أكثر شيوعاً بين الموظفين، على حساب الإجراءات التقليدية التي تتخذها النقابات".
وتابعت المذكرة أن "أنماط التعبئة هذه الأقل تنظيماً، تثير قلقاً كبيراً في كل من الشركات وداخل النقابات العمالية وتحث على أساليب الأعمال التخريبية وغير المتوقعة بالضرورة".
ماذا عن السترات الصفراء؟
أخيراً، تشير مذكرة الاستخبارات إلى أن الارتفاع في أسعار الطاقة الذي يعد المحرك الأولي لحركة السترات الصفراء والتضخم يبدو أنه يحفز هذه الحركة ومعارضي اللقاحات ضد كوفيد لمضاعفة الاحتجاجات.
في الأشهر الأخيرة، لم تحقق مسيرات معارضي اللقاحات وحركة السترات الصفراء نجاحاً كبيراً داخل المجتمع لكن فشل التعبئة لا ينبغي أن يخفي تصاعد السخط المرتبط بتدهور القوة الشرائية.
خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، حشدت أولى المظاهرات التي دعت إليها حركة السترات الصفراء حوالي 4700 شخص، من بينهم 2000 في باريس، للتنديد بسياسة إيمانويل ماكرون وإصلاح نظام التقاعد في المستقبل.
قانون التقاعد
اقترحت الحكومة الفرنسية الثلاثاء رفع سن التقاعد القانوني إلى 64 عاماً بحلول عام 2030، بدلاً من 62 حالياً، على ما أعلنت رئيسة الوزراء إليزابيت بورن، وهو أحد الإصلاحات الأساسية في ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون الثانية.
وقالت رئيسة الوزراء خلال عرضها المشروع الذي تعارضه المنظمات النقابية والمعارضة السياسية إن "سن التقاعد القانوني سيرتفع تدريجياً ثلاثة أشهر في السنة ليبلغ 64 عام 2030".
وتابعت "أدرك جيداً أن تغيير نظام التقاعد لدينا يثير مخاوف وتساؤلات بين الفرنسيين. نريد الرد عليها وإقناعهم".
سريعاً أعلنت النقابات الثماني الرئيسية الدعوة إلى التظاهر والإضراب في 19 يناير احتجاجاً على هذه الخطة التي تعهد بها ماكرون خلال الحملة الانتخابية لولايته الأولى وأحد الإصلاحات الرئيسية في ولايته الثانية والتي لا يتمتع فيها بأغلبية حاسمة في البرلمان.
وأعربت بورن عن استعدادها "لمواصلة تطوير" الإصلاح "بفضل مناقشة برلمانية نزيهة وبناءة".
وفي أول ردّ من المعارضة، وصف زعيم حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي، جان-لوك ميلانشون، الإصلاح بأنه "تراجع اجتماعي خطير". وكتب ميلانشون عبر حسابه في تويتر منتقداً السلطة "تأجيل سن التقاعد. زيادة الأقساط السنوية. إلغاء الأنظمة الخاصة المفيدة. إصلاحات ماكرون وبورن تراجع اجتماعي خطير".
من جهتها قالت مارين لوبن، التي ترشحت عن حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف للانتخابات الرئاسية الأخيرة "إنها ستعارض الإصلاح غير العادل الذي تقترحه بورن".
"أم المعارك"
وكان رئيس نقابة "القوة العاملة" فريديريك سويو المعارض لهذا الإصلاح على غرار كل المنظمات النقابية والمعارضة السياسية باستثناء اليمين، حذر "إذا كان إيمانويل ماكرون يريد جعل ذلك أم إصلاحاته، بالنسبة إلينا ستكون أم المعارك".
وشهدت فرنسا منذ نحو ثلاثين عاما سلسلة إصلاحات كبرى لأنظمة التقاعد للاستجابة لتقدم السكان بالسن والتدهور المالي في خزينتها. وفي كل مرة يعلن فيها عن تمديد سن العمل، تنظم تحركات عمالية في بلد تعتبر فيه نسبة توظيف كبار السن متدنية.
لطالما شدد الرئيس الفرنسي على أن "الرافعة الوحيدة لدينا هي العمل لفترة أطول".
إصلاح "عقائدي"
ولا يحظى رفع سن التقاعد بتأييد شعبي في فرنسا، إحدى دول أوروبا التي يبقى فيها سن التقاعد بين الأدنى مقارنة مع المانيا أو إيطاليا إو إسبانيا. فقد عبر أكثر من ثلثي الفرنسيين (68%) عن معارضتهم رفعه إلى 64 عاماً بحسب استطلاع أجراه "ايفوب-فيدوسيال".
وقالت الرئيسة الجديدة لحزب الخضر مارين توندلييه "سيدور النقاش" في الشارع في مواجهة إصلاح "عقائدي" و"مناهض للعمال" و"يخدم طبقة" الميسورين. واعتبر رئيس نقابة CGT فيليب مارتينيز أنه مع هذا الإصلاح "نعود إلى ما عاشه أجدادنا، أي بعد العمل، القبر".
على الخارطة السياسية، أبدت المعارضة اليسارية واليسار الراديكالي واليمين المتطرف معارضتهم لأي إصلاح يعتبر "ظالماً".
بالتالي تأمل الحكومة الفرنسية في حشد نواب اليمين المعتدلين (الجمهوريون) الذين أبدى رئيسهم إيريك سيوتي استعداده في المقابل للتصويت على "إصلاح عادل".
تصويت حزب الجمهوريين يمكن أن يجنب اللجوء الى المادة 49.3 التي لا تعتبر ديمقراطية واستخدمت حوالى عشر مرات في ظل الولاية الثانية لإيمانويل ماكرون منذ خسر حزبه الغالبية في الجمعية الوطنية، وهي تتيح للحكومة تمرير مشاريع قوانين بدون عرضها على التصويت.
سينظر مجلس الوزراء في النص في 23 يناير لكن النقابات التي ستجتمع مساء الثلاثاء تخطط للتعبئة قبل ذلك فيما يعقد تحالف اليسار Nupes اجتماعات في 10 و17 يناير ويتظاهر LFI (اليسار الراديكالي) في 21 كانون الثاني/يناير.
سيعرض مشروع القانون على اللجنة في الجمعية الوطنية اعتبارا من 30 يناير وفي البرلمان في 6 شباط/فبراير. وسخر رئيس نقابة CGT فيليب مارتينيز من "إنجاز" الحكومة التي تمكنت من توحيد تحرك النقابات للمرة الأولى منذ 12 عاما.
من جهته وعد منسق اليسار الراديكالي LFI مانويل بومبار على قناة BFMTV بأن "الجبهة النقابية والسياسية ستكون موحدة بالكامل في هذه المعركة".
والسبت عادت إلى الشارع حركة "السترات الصفر" التي ألقت تجمعاتها بثقلها لمدة أكثر من سنة على ولاية ماكرون الأولى. وشارك في هذا التجمع الأول 4700 شخص فقط بينهم ألفان في باريس بحسب وزارة الداخلية وتخللته أغان منددة بالرئيس الفرنسي لكن بدون أعمال عنف أو صدامات بين المتظاهرين وقوات الأمن التي سادت هذه التحركات بين نهاية 2018 ومطلع 2020.
وقالت حسنا كنايدر وهي مساعدة إدارية ومتظاهرة "سيأخذ الأمر حجماً متزايداً مع إصلاح سن التقاعد، سنبدأ مجدداً".