تاريخ النشر: 2026-03-17 | 20:16
تاريخ النشر: 2026-03-17 | 20:16
ارتبط فشل العرب في هزيمة إسرائيل على مدار سبعة عقود ماضية ونصف بجملة عوامل متداخلة، أبرزها الانقسام السياسي وضعف التنسيق بين الدول العربية، مما أفقد الجهود العسكرية وحدتها وفعاليتها. كما أسهم القصور في التخطيط والإعداد وغياب الاستراتيجية بعيدة المدى. في المقابل، تمتعت إسرائيل بتفوق نسبي في التنظيم العسكري والتكنولوجيا، مدعومة بدعم دولي قوي، خصوصًا من الولايات المتحدة. كذلك لعب الإعلام والتقديرات غير الدقيقة دورًا في تضخيم القدرات وإخفاء مكامن الضعف، مما أدى إلى صدمة نفسية بعد الهزائم. ولا يمكن أيضاً إغفال تأثير الأوضاع الداخلية في بعض الدول العربية، من أزمات سياسية واقتصادية، على كفاءة الأداء العسكري. هذه العوامل مجتمعة أضعفت القدرة على هزيمة إسرائيل، رغم وجود محطات أظهرت تحسنًا نسبيًا في الأداء كحرب عام 1973م. ورغم ذلك، فإن تحليل البنية الداخلية للمجتمع الإسرائيلي تكشف عن تناقضات بنيوية وقيمية في الصراع الطبقي والإثني، والتي تشكل تهديدًا مستمرًا للاستقرار الاجتماعي والسياسي، وتوضح محدودية القدرة على تحقيق تماسك داخلي مستدام.
انطلاقًا من هذه الفكرة، نسعى في هذه المقالة لتسليط الضوء على الصراع الطبقي والإثني في إسرائيل، وتداعياته على بقاء واستمرار هذه الدولة، حيث تتقاطع فيه الطبقات الاجتماعية مع الانتماءات العرقية والدينية، مما يؤدي إلى تفاوت في الفرص والموارد بين اليهود من أصول مختلفة والفلسطينيين المقيمين داخل حدود الدولة. هذه البنية المعقدة تؤثر على التماسك الاجتماعي، وتبرز تحديات الاستقرار الداخلي واستمرار الصراعات الداخلية وفقًا للسياقات السياسية والاجتماعية والأمنية.
تاريخيًا، أفرزت موجات الهجرة اليهودية المتعاقبة بنية اجتماعية غير متوازنة، تجلت بوضوح في التفاوت بين الأشكناز والسفارديم. غير أن هذا التفاوت لم يقتصر على الإطار الرمزي أو الثقافي، بل انعكس في سياسات توزيع الموارد، خصوصًا في العقود الأولى، حيث تم توطين أعداد كبيرة من السفارديم في "بلدات التطوير" على الأطراف الجغرافية، مثل النقب والجليل، وهي مناطق عانت من ضعف الاستثمار والبنية التحتية. وقد استمر أثر هذا التوزيع حتى وقتنا الراهن، حيث تشير التقارير الاقتصادية إلى وجود فجوات كبيرة في الدخل ومستوى التعليم بين المركز (تل أبيب ومحيطها) والأطراف، ما يعكس استمرار البعد الطبقي المرتبط بالأصل الإثني.
ويتضح هذا النمط بشكل أكثر حدة عند النظر إلى وضع اليهود الإثيوبيين "الفلاشا"، حيث لا يقتصر التهميش على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى أنماط من الوصم الاجتماعي (تقييم سلبي أو وصمة عار تُلحق بالفرد أو مجموعة بسبب سمة معينة). كما أن قانون "الدولة القومية" لعام 2018م مثّل محطةً مفصلية، حيث أعاد تعريف هوية الدولة (دولة يهودية) بشكل يعمّق الإحساس بالإقصاء لدى العرب، ويطرح تساؤلات حول حدود المواطنة المتساوية في إطار دولة ذات طابع إثني واضح. وقد كشفت حادثة مقتل "سولومون تيكا" عام 2019م، وما تبعها من احتجاجات واسعة، عن أزمة ثقة عميقة بين هذه الفئة ومؤسسات الدولة، خاصة الأجهزة الأمنية، ما يشير إلى أن الاندماج الشكلي لم ينجح في تفكيك البنى التمييزية الكامنة.
إثنياً-قومياً، فإن وضع المواطنين العرب داخل إسرائيل يقدم مثالًا أكثر وضوحًا. فالفجوات لا تقتصر على مؤشرات التنمية، بل تمتد إلى سياسات الأرض والتخطيط، حيث تعاني البلدات العربية من قيود هيكلية في التوسع العمراني، مما أدى إلى أزمات سكن خانقة.
تجلت هشاشة هذا التوازن بشكل صريح عقب أحداث أيار/مايو 2021م، خصوصًا في المدن المختلطة مثل: اللد، حيث لم تكن المواجهات مجرد رد فعل على حدث أمني، بل تعبيرًا عن تراكمات طويلة من الاحتقان وعدم المساواة. اللافت في هذه الأحداث هو انتقال التوتر من الأطراف إلى داخل النسيج الحضري المختلط، مما يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع الداخلي.
وكشفت أزمة التعديلات القضائية المتصاعدة منذ عام 2023م عن بُعد آخر للصراع داخل المجتمع اليهودي نفسه. فقد أظهرت الاحتجاجات الواسعة انقسامًا حادًا بين تيارات علمانية وليبرالية من جهة، وتيارات دينية وقومية من جهة أخرى. هذا الانقسام لا يمكن فصله عن البعد الطبقي، حيث يتركز جزء كبير من التيار المعارض في الطبقات الوسطى والعليا في المركز، في حين تحظى الحكومة بدعم أكبر في الأطراف والمجتمعات الأقل حظًا اقتصاديًا. وهنا يتداخل البعد الأيديولوجي مع التفاوت الاجتماعي، ليعيد إنتاج الصراع في صورة جديدة. ويمكن ملاحظة هذا التداخل في معضلة الخدمة العسكرية، التي تشكل أحد أدوات الاندماج الاجتماعي في إسرائيل. فبينما تُعد الخدمة مدخلًا للترقي الاجتماعي لدى بعض الفئات، فإن استثناءات معينة (كما في حالة اليهود الحريديم) تثير خلافات وتوترات داخلية، خاصة لدى الفئات التي ترى في ذلك إخلالًا بمبدأ "تقاسم العبء"، وهو ما يعكس بُعدًا إضافيًا للصراع المرتبط بالهوية والدور داخل إسرائيل.
تُسهم التناقضات البنيوية داخل إسرائيل في إضعاف قدرتها على تحقيق تماسك داخلي مستقر، خاصة مع تداخل العوامل الاجتماعية والإثنية والأيديولوجية. ومع غياب إصلاحات جذرية، تتراكم هذه التناقضات وتتحول إلى أزمات بنيوية تحدّ من قدرة الدولة على الاستمرار، وقد تقود تدريجيًا إلى تفكك عميق يهدد استقرارها.
خلاصة القول، إن الصراع الطبقي والإثني في إسرائيل لم يعد مجرد ظاهرة كامنة، بل أصبح عنصرًا بنيويًا فاعلًا في تشكيل مسار الدولة. وتكمن خطورته ليس في وجوده بحد ذاته، بل في تراكمه وتحوله إلى أنماط متكررة من الأزمات، ما يجعل مسألة الاستقرار الداخلي رهينة بمدى القدرة على تفكيك هذه التناقضات، لا التعايش المؤقت معها. مع تمنياتي بأن تسهم هذه التناقضات والاختلاف في تفكك وانهيار الدولة على المدى القريب.