المشهد الراهن في فلسطين لا يستدعي (الاطناب) ولا يقتضي (القوافي)، فالحال والواقع لا يخفى على ذي بصيرة، والإيجاز الواجب في وصف الحالة يقول أن إسرائيل سعت من خلال عدوانها على قطاع غزة إلى تحقيق هدفين أساسيين: أولهما كي الوعي الفلسطيني، حتى يرى جيل كامل من أطفال غزة الذين لم يروا حروباً من قبل حقيقة قوة إسرائيل وجبروتها، ويتعمق في وجدانهم حجم الألم والمعاناة المرتبطة بمواجهتها عسكرياً، وهي حالات كي جرت في حقب متعددة منذ عمر النكبة الفلسطينية، وثانيهما تعزيز وتعميق الانقسام الفلسطيني، حيث أنه وفور توقيع اتفاق الشاطئ أجمع معظم المراقبين على أن الحرب على غزة باتت وشيكة.
لا يحمل الأفق السياسي في فلسطيني أية ملامح إيجابية لمشهد وطني تتعزز فيه الشراكة وروح المسؤولية، ولا يحمل معه بوادر تعميق الوحدة الوطنية، لا في المنظومة الكلية (الإطار القيادي لمنظمة التحرير) ولا في المنظومة الخدمية (حكومة الوفاق!)، وقد جاءت التصريحات التي ارتفعت وتيرتها مؤخراً، في أيام ما بعد العدوان لتؤكد الزعم الذي نذهب إليه، حيث بات في حكم المؤكد أن الاقليم يريد من حركة حماس أن تتراجع خطوة إلى الخلف في مجال المسؤولية عن قطاع غزة، لجهة بسط سيادة السلطة على القطاع وتعزيز حضور حكومة الوفاق في الحالة اليومية للمواطن وترسيخ تواجد السلطة في المعابر والحدود والاتفاقات والمفاوضات المستقبلية، وعلى ما يبدو كذلك أن موضوع إعمار قطاع غزة رهين بهذه المسألة.
المطلوب وطنياً أن نبني جسور الثقة وندعمها، وأن تصمت العناصر التوتيرية في وسائل الإعلام، وأن تتم حلحلة القضايا التي يمكن معالجتها سريعاً، وأن يتم إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كمظلة قيادية للكل الفلسطيني، وأخيراً بناء استراتيجية كفاحية فلسطينية، مهما كانت أدواتها.
أظهرت الحرب على غزة حجم المؤامرة، ليس على أهل القطاع فحسب، بل على القضية الفلسطينية برمتها، فقد خاضت غزة الحرب وحدها نيابة عن الاقليم، ودفعت من دماء أطفالها ثمناً لمواقف اقليمية، وتكفلت بفاتورة باهظة من الدمار والخراب بديلاً عن صراعات اقليمية لا تكاد العين تخطئها، ولذا وجب علينا أن نخلع شوكنا بأيدينا، وأن ننتصر ولو لمرة لقضيتنا الوطنية، وأن نغلب مصالحنا الفلسطينية على ما سواها، علّنا نحفظ لأطفالنا مستقبلاً لا تكون فيه دماؤهم ثمناً لإرضاء أحد، وحتى لا تبقى دماء الأطفال لعنة على الساسة الذين لا ينفكون يساومون حتى وإن كانت أشلاء الأطفال ما تزال مدفونة في أنقاض بيوتهم المهدمة.