تاريخ النشر: 2020-06-20 | 16:54
تاريخ النشر: 2020-06-20 | 16:54
هنالك ظاهرة في فلسطين يمكن تسميتها ب " لعنة الإجابة على سؤال ما العمل ". وتتمثل هذه الظاهرة بعدم قدرة كل برامج وأساليب الكفاح الفلسطيني على شتى أنواعها من تحقيق التحرر الوطني وهزيمة المشروع الاستيطاني الاحلالي القائم على أرض فلسطين حتى الان. وهذه الظاهرة ذات شقين ، اولاهما أن الفلسطينيين يلعنون انفسهم ويجلدون ذواتهم على الدوام ، وكذلك بعضهم بعضا في جو من الاتهامات المتبادلة بعدم اتخاذ القرارات الصائبة لما يجب عمله في كل مرحلة من مراحل كفاحهم. وفي المقابل يفاقم العالم ( الغربي بالذات )جلد الفلسطينيين لذواتهم عبر اتهامه لهم بأنهم لا يتخذون القرار الصحيح في الوقت الصحيح ، ولا يعملون وفقه ، وبأنهم يضيعون الفرص.
لا تقف اللعنة عند هذا الحد ، فعلى المستوى الداخلي تتشبث الاطراف بمواقفها وتتعصب لها، وتلجأ إلى الشتائم والتجريح والتخوين ضد الاجابات الاخرى على سؤال ما العمل ، والناتج في هذه الحالة هو التشظي والتشرذم والانقسام والتوازي في العمل بدلا من التكامل والاقتتال الذي لازم الكفاح الفلسطيني ضد الاستيطان الاستعماري منذ بدايته في القرن التاسع عشر وحتى أيامنا هذه. أما على المستوى الخارجي فقد دأبت الاطراف الدولية على إتهام الفلسطينيين بأنهم وصلوا إلى إلى ما وصلوا إليه نتيجة قلة تدبيرهم وإضاعتهم للفرص وعدم قيامهم بالفعل الصحيح في الوقت الصحيح . وعليه يمكن السؤال عما إذا ما كان السجال الفلسطيني الداخلي الذي يحمل المسؤولية للضحية وليس للجلاد ، سجالا يستدخل الخطاب الخارجي الذي يريد للشعب الفلسطيني أن يبقي على إحساسه بعقدة النقص تجاهه ، باعتبار هذا الاحساس وسلوك الضحية وفقه ركيزة يستند إليها الاستيطان الاستعماري لترويض الشعب الاصلاني من أجل توسعه واستمراره؟
يجدر السؤال لماذا يتقاتل الفلسطينيون بشراسة ؟ ولماذا يتشرذمون ويشكلون المعسكرات المتحاربة ، إذا كان الاستيطان الاستعماري على أرض بلادهم إحلاليا لدرجة هو غير مستعد معها لإعطاء أي شيء حتى لأكثر المعتدلين منهم؟ لماذا لا يختلفون في إطار من الوحدة وطرح البدائل وليس مجرد الاتهامات؟. لماذا حالهم كحال كل العرب الذين قيل فيهم: " من سوء حظ العرب أنهم لايتحدون أمام العدو الخارجي "( عثمان كمال حداد ، في : وليد الخالدي . نكبة ١٩٤٨، ٢٠٠٩).
قبل عام ١٩٤٨، جلبت الوحدة بين فعل دور الدولة الام ( بريطانيا في حالتنا) وفعل الحركة الصهيونية الديناميكية والقادرة ماليا واقتصاديا قوة مضاعفة لم يكن بقدرة الشعب الفلسطيني مواجهتها موحدا، فقد إختلف الفلسطينيون منذ البداية حول طرق مواجهة المشروع ، ووصلت ذروة الخلاف عام ١٩٣٧ ليصبح صراعا سافرا بين التيار الذي دعا لقبول خطة لجنة بيل (بعد إجراء تعديلات عليها) لتقسيم فلسطين الشاملة لشرق الاردن إلى دولتين واحدة يهودية ، والثانية فلسطينية يقودها الامير عبد الله، وبين من رفضوا ذلك المشروع رفضا قاطعا . كان التيار الاول يرى بأن المشروع الاستيطاني الاستعماري هو من القوة بحيث يستطيع أن يتوسع لما هو أكبر مما منحته إياه لجنة بيل ، لذا رأى هذا التيار أن الحكمة تقتضي وقف توسع الصهيونية عبر القبول بجزء من فلسطين لها ، مقابل الحصول على جزء من الارض الفلسطينية لتقام عليها دولة فلسطين. أما التيار الثاني فقد التزم إلى حين موقف الصبر الاستراتيجي القائم على تعزيز الكفاح من أجل تغيير موازين القوى ، لذا قام هذا التيار عام ١٩٣٧ بإطلاق المرحلة الثانية من ثورة عام ١٩٣٦ ، واستطاع تغيير موازين القوى على الارض بما أجبر بريطانيا للتراجع عن التقسيم وحل الدولتين واستبداله بحل يقوم على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة على كل ارجاء فلسطين خلال عشر سنوات وذلك كما جاء في الكتاب الابيض لعام ١٩٣٩. وقد أدى نشوب الحرب العالمية الثانية في ذلك العام إلى تجميد إقرار الكتاب الابيض من عصبة الامم ، مما شكل إحدى أهم لعنات الدهر ضد محاولات العمل لإقامة دولة فلسطين الديمقراطية على كل البلاد مع تمثيل اليهود فيها حسب نسبتهم. لقد رفض التيار الثاني الكتاب الابيض لعدم شموله العفو عن الثوار ولتأجيله قيام الدولة الفلسطينية إلى ما بعد عشر سنوات مما أعتبر تسويفا ومدخلا لتغيير الموقف البريطاني لاحقا ، ولكنه بات يطالب بتنفيذه بعد نشوب الحرب العالمية حين اصبحت تلك المطالبة متأخرة.
يشير هذا المثال إلى حالة مأزقية لكلا التيارين : القابلين والرافضين للكتاب الابيض عام ١٩٣٩، فكلاهما ارتهن للموقف البريطاني بتأجيل إقامة الدولة لمدة عشر سنوات وهو الامر الذي لم يكن ليحدث كما بينت التجربة اللاحقة التي جاءت بدخول الولايات المتحدة على الخط بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية ورفضها لفكرة الدولة الفلسطينية مقابل دعمها لإقامة دولة يهودية على جزء من فلسطين. في ضوء ذلك وإذ لم تعط بريطانيا شيئا سواء للقابلين أو للرافضين سوى الوعود التي ثبت فيما بعد انه لم يكن لها رصيد، وإذ أن الصهيونية كانت تريد دولة على مساحة أكبر مما أعطاها إياها تقرير لجنة بيل ، فلماذا لم يتحد القابلون والرافضون في حينه معا ولم يسعيا لتنظيم الإختلاف في إطار من وحدة العمل المشترك لإنهاء الانتداب البريطاني ووقف المشروع الاستيطاني الاستعماري في فلسطين؟
ولعل المثال الثاني لإنقسام القائلين والرافضين في معسكرات متقاتلة متوازية ، هو مثال إتفاق أوسلو لعام ١٩٩٣، والذي أجل إقامة الدولة الفلسطينية لمدة خمسة سنوات ولكن بصورة مواربة ، حيث لم يأت على ذكرها ، بل إكتفى بذكر ما أطلق عليه إسم " الحل الدائم " . وقد قبل موقعو الاتفاق عليه بهذه الصيغة رغم مواربتها وعدم نصها على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بشكل صريح ، حجتهم في ذلك أن مسار المفاوضات ( الذي سموه بالممر الاجباري ) والمقرون بضمانات ووساطة دولية سيؤدي لتحقيق إقامة الدولة على الارض. أما الرافضون فقد أراد قسم منهم الاستمرار في الانتفاضة الاولى حتى تنتج ثمرة أفضل من اتفاق أوسلو ، وأراد قسم آخر الاستمرار في الكفاح إلى حين تغير الظروف لتحرير فلسطين تحريرا كاملا . ومع يومنا هذا يتضح أن طريق أوسلو قد أدى لتعميق الاستيطان الاستعماري أكثر مما أدى إلى تحقيق انكفائه . وفي الوقت ذاته لم يستطع التيار الرافض تحقيق أي تقدم بعد على طريق التحرير. يعني ذلك التساؤل مرة أخرى حول السبب الذي جعل الطرفين ينقسمان بدلا من تصريف الخلاف بينهما في إطار من وحدة العمل وبرنامج الحد الادنى بينهما ؟.
لا يتجاهل هذا السؤال حقائق وجود خلافات ايديولوجية ، وأخرى ذات صلة بالولاءات الخارجية والارتباط بهذا المحور العربي ضد ذاك ، وهكذا ، ولكن السؤال مبني في المقابل على حقيقة وجود كيان استيطاني استعماري غير مستعد لإعطاء أي شيء، والحاجة للوحدة الوطنية باعتبارها أمرًا وجوديا له علاقة بأن يكون الشعب الفلسطيني أو لا يكون . عدم إدراك هذه الحقيقة قاد إلى إحلال التعارك الداخلي محل بذل الجهد لإيجاد برامج العمل المشتركة ولو بالحد الادنى لمواجهة القضايا المشتركة ، وهنالك تجربة القائمة المشتركة في فلسطين الداخل التي فهم أحزابها الاربعة ذلك وتوحدوا فيها رغم كل الاختلافات، وهي تجربة من الجدير أن تدرس وتقتفى ، كما أن من الجدير لها أن تستمر لمواجهة التحديات المتفاقمة.
السؤال الاخر القائم بما يتعلق بلعنة سؤال ما العمل هو : هل يعني فشل التيارات الفلسطينية المختلفة في تحقيق النصر منذ عام ١٨٩٧ وحتى اليوم فشلها النهائي في الاجابة على سؤال ما العمل ؟
حتى الان الاجابة هي لا على هذا السؤال حيث أن الشعب الفلسطيني لا زال موجودا على أرضه ولم ينهزم ، ولعل التغييرات الضرورية للانتقال من حالة عدم الهزيمة إلى الانتصار تتطلب حوارا فلسطينيا شاملا لتشخيص وتقييم ما وصل الوضع الفلسطيني إليه ، وإعادة الاتفاق على الهدف والبرنامج وأدوات الكفاح في ضوء ذلك . ثم شق طريق مشترك والمثابرة عليه لعقود طويلة بديلا للاستعجال في تغيير البرامج والادوات والوسائل كما دأب الفلسطينيون على فعله سعيا منهم للقطف السريع للثمار قبل نضوجها مما أدى للكثير من الاخفاقات. ولعله يجب سلوك طريق كهذا وذلك كما فعل الشعب في جنوب أفريقيا منذ تعرض للاستيطان الاستعماري عام ١٦٥٢ وحتى تحرره عام ١٩٩٤ بعد حوالي ٣٥٠ سنة ، وكما فعلت ايرلندا التي تحررت معظم مقاطعاتها من الاستيطان الاستعماري البريطاني عام ١٩٢١ بعد اكثر من ٨٥٠ سنة من الاستيطان الاستعماري الذي بدء عام ١١٦٧.
" ولا نتوب عن أحلامنا مهما تكرر انكسارها" ( محمود درويش ).