تاريخ النشر: 2020-07-29 | 04:27
تاريخ النشر: 2020-07-29 | 04:27
جاءت جريمة حذف اسم فلسطين من خرائط شركتي جوجل وآبل، كأحد الجرائم التي تضاف إلى سلسلة الجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، عبر إزالة الشركتان اسم "فلسطين"، وعدد من القرى والمدن الفلسطينية، عن محرك البحث العالمي "جوجل"، واستبدالها بكلمة "إسرائيل"، وهو ما بدوره يتبنى الرواية الإسرائيلية، ويعمل على ترسيخها في الوعي العالمي، في محاولة للإجهاض على التاريخ والثقافة والتراث والجغرافيا الفلسطينية، منتهكتان بذلك القانون الدولي واتفاقيات حقوق الإنسان، بانحيازهما الفج خلف الرؤى والسياسات الأمريكية والأجندة والممارسات والرواية الصهيونية العنصرية، التي دأبت على تغيير الوقائع على الأرض، وهو ما يتناقض ويتعارض أيضاً مع ما تدعيه الشركتان من أنهما شركتان عالميتان محايدتان، لا تتبنيان مواقف سياسية، مما يضعهما في نطاق المسائلة القانونية الدولية.
فقد دخلت الشركة الأمريكية المالكة لمحرك البحث الأكثر انتشارًا على الفضاء الإلكتروني "جوجل" وكذلك الشركة الأمريكية المالكة "لأبل" المختصة في صناعة الإلكترونيات الاستهلاكية، في خضم معركة مفتوحة مع الفلسطينيين دولةً وشعبًا ومع الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم، معركة تتداخل فيها الثقافة والتاريخ والجغرافيا والسياسة والقانون، من خلال إقدام محرك البحث العالمي "جوجل" في منتصف العام الحالي 2020م، وفي تحدى صارخ لكل الأعراف والمواثيق والشرائع الدولية، بإخفاء اسم فلسطين من خرائط البحث، ما يتماها مع سياسة الولايات المتحدة الأمريكية التي تقيم الشركتان على أراضيها، وهو ما لم يكن المرة الأولى التي تقدم به "جوجل" على مثل هكذا فعل، فقد قامت بشراء تطبيقا وامتلاكه، باسم "Waze"، وهو تطبيق طُور في إسرائيل، خلال العام 2014م، بحيث يعطي هذا التطبيق تحذيراً عند دخول المناطق الفلسطينية باعتبارها أماكن فيها مخاطر كبيرة، كما يُظهر جميع المدن الإسرائيلية داخل إسرائيل والبؤر الاستيطانية في المناطق الفلسطينية، دون الإشارة إلى المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما يقوم بإخفاء معالم مدينة القدس الشرقية، مقتصرًا على إظهار البلدة القديمة في القدس، التي استولى عليها الاحتلال الصهيوني إبان النكبة الفلسطينية، عام 1948م، كما قامت الشركة في العام 2016م، بعدم تضمين خرائط جوجل لدولة فلسطين وهو ما اكتشفته مجموعة من الصحفيين الفلسطينيين الذين أتبعوا هذا العمل حملة ضد شركة "جوجل" على مواقع التواصل الاجتماعي، مما أجبر موقع الشركة من تقديم اعتذار عن حذف اسم فلسطين من تطبيق "جوجل خرائط"، ما دفع أيضاً المتحدثة باسم الشركة "إليزابيث دافيدوف" بتبرير ذلك بالقول: "بالفعل لا توجد فلسطين على "خرائط جوجل" من الأساس، مؤكدة أن اسم فلسطين كان يظهر بعد النقر على علامات مميزة لمنطقتي الضفة الغربية وغزة، وأنهم يعملون بشكل سريع لإعادة العلامات المميزة للمنطقين إلى الخريطة، مضيفة، في ذات السياق عبر بيان نقلته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أن تسمية قطاع غزة والضفة الغربية يظهران منفصلان عن إسرائيل على الخريطة وبخط منقَّط، للدلالة على أن هذه الحدود غير معترف بها دوليًا، زاعمه بأن إزالة اسم فلسطين من الصفحة الرئيسية المحلية لجوجل، ليس لأسباب سياسية، وإنما لأسباب جمالية فقط، وهو تبرير فيه من الإجحاف والتهميش والتنمر الكثير.
لتعود من جديد شركتي جوجل وأبل بحذف اسم فلسطين في العام الحالي2020م، من على خرائطها وهو ما يتضح عند البحث عن فلسطين عبر تطبيق "جوجل خرائط"، ليظهر أن الخريطة لا تتضمن اسم فلسطين، بينما يظهر اسم إسرائيل داخل الخريطة، برغم أن فلسطين كدولة مستقلة اعترفت بها 138 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
ليأتي تبرير شركة "جوجل" من جديد بعدم وجود اسم فلسطين من الأساس على خرائطها، وبأنها تسعى إلى عرض المناطق المتنازع عليها بموضوعية باستخدام خط حدودي رمادي منقط، مضيفة بأنه لم يحدث تغيير في نهج الشركة في تصوير المناطق على الخرائط، كونها تحصل على المعلومات من المنظمات ومصادر رسم الخرائط عند تحديد كيفية تصوير الحدود المتنازع عليها".
وهو ما يتنافى مع أنها تحصل على المعلومات من المنظمات ومصادر رسم الخرائط، ومع وضع اسم إسرائيل أيضاً إذا ما كانت تسعى لعرض المناطق المتنازع عليها، حيث أنه وبالعودة للاعتراف الدولي بإسرائيل فإنه يشير إلى الاعتراف الدبلوماسي بها كدولة التي أعلن عن قيامها بتاريخ 14 مايو عام 1948م، والذي أوضح أن وضع إسرائيل كدولة متنازع عليه نتيجة للصراع العربي الإسرائيلي.
بذلك فإن اعلان القائمين على محرك البحث العالمي جوجل بالتزامهم بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، والاعتراف الصادر عن هيئة الأمم المتحدة باعتبار فلسطين دولة ذات سيادة غير عضو في 29 نوفمبر 2012، وباعتراف أكثر من 138 دولة، إلا أن الشركة تمارس التمييز الرقمي بحق الفلسطينيين، ويبقى استمرار الشركة في إقصاء فلسطين عن خرائطها، دليل واضح على انتهاكها للمواثيق الدولية، والقانون الدولي، واتفاقيات حقوق الإنسان.
فمنذ حرب 1967م، جاءت المواقف الدولية لتتبنى موقف قيام الدولتين كحل لتسوية الصراع في فلسطين المحتلة، كما قدمت خارطة الطريق عام 2005 موقف الولايات المتحدة برعاية مفاوضات حول هذا الحل بناء على القرارين الأمميين رقمي 383 و1397، ويبقى أشهر القرارات الأممية بهذا الشأن القرار رقم 242 والذي جاء بعد هزيمة عام 1967م، الذي نص على ضرورة انسحاب جيش الاحتلال من الأراضي التي احتلت خلال هزيمة 1967م.
فوصف الأراضي الفلسطينية بأنها أراضي متنازع عليها لا يستقيم والمواثيق والقرارات الدولية، التي تعترف بحدود خريطة 1967م، من أن الضفة الغربية وقطاع غزة حدودا معترف بها للأراضي العربية بفلسطين، وهي الأراضي التي كانت تحت إدارة عربية من مصر والأردن قبل اندلاع حرب الخامس من يونيو 1967م، وهي أيضاً حدود الأمر الواقع لما قبل حرب 1967م، كما أنه تم اعتبار هذه الحدود أساسا للحل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عبر الاتفاقات التي جرت بينهما من خلال المفاوضات منذ أوسلو.
لقد بات واضحا أن العمل الصهيوأمريكي متواصل لتصفية القضية الفلسطينية، من خلال المشاريع وفرض الحقائق على الأرض مع الارتكاز بشكل أساس إلى صفقة "دونالد ترامب" صفقة القرن، ومخططات تهويد القدس واستشراء الاستيطان بسرقة الأراضي وصولا لخطة الضم، بل وتغيير مساحة فلسطين رسميًا من 27.009كم2 إلى 6.220 كم2، تماشيًا مع الإعلان عن صفقة القرن، فأصبحت "جوجل" أداة في يد دولة الاحتلال الإسرائيل تتبنى روايتها ومواقفها السياسية، للترويج للقرى والمدن الفلسطينية، إضافة إلى البؤر الاستيطانية، على أنها إسرائيلية، تقع ضمن حدود دولة الاحتلال الإسرائيلي، متجاهلة عن عمد عدم إظهار عدد كبير من المناطق الفلسطينية، للتأثير على الرأي العام العالمي على حساب الفلسطينيين ووطنهم، لتأكيد مقولتهم العنصرية اللاسامية أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، ما يعد تمهيدًا لإدخال خرائط صفقة القرن إلى الخرائط الدولية لكي الوعي العالمي والعربي وتغييبه للأجيال القادمة، وما يعد جريمة تقترفها "جوجل" ومساهمة مجانية في تشكيل رأي عام يخدم مصالح دولة الاحتلال الاسرائيل، وهو ما يتعارض مع التزام "جوجل" بأطر حقوق الإنسان الدولية، والاتفاق العالمي للأمم المتحدة، الذي مثل دعوة للشركات لمواءمة استراتيجياتها وعملياتها مع عشرة مبادئ عالمية مستمدة من الاتفاقيات والمواثيق الرئيسية للأمم المتحدة، ومن ضمنها بل وأولها حقوق الإنسان التي تضمنت مبدأين وهما: "وجوب أن تدعم وتحترم الشركات حماية حقوق الإنسان المعترف بها دولياً - التأكد من أن الشركات ليست متواطئة في انتهاكات حقوق الإنسان".
من خلال ما سبق فإن العلاقة ما بين السياسة والقانون تظهر بوضوح وبشكل دائم، فطبيعة هذه العلاقة تبين أن حركة العلاقات الدولية تبدأ بوسائل سياسية ثم تتركز في إيجاد أنماط ومعالجات قانونية سواء بالنسبةِ للقوانين الداخلية أم الدولية.
ففيما يخص الشق القانوني من خلال القانون الدولي بشقيه العام والخاص، فإن ما استطاعت أن تحققه السلطة الوطنية الفلسطينية بعد حصولها على الاعتراف بفلسطين كدولة غير عضو عبر التقدم بإنظامها للمنظمات والاتفاقات الدولية، أدى لترسيخ المكانة القانونية لفلسطين كدولة لها حقوق وعليها واجبات كباقي دول العالم، مع حقها مقاضاة الدول والمؤسسات والشركات.
فشركة "جوجل" تكمن مهمتها في تنظيم المعلومات حول العالم وتسهيل الوصول اليها والاستفادة منها عالميا، وبما أن محرك البحث "جوجل" واحداً من الخدمات المقدمة من شركة جوجل التي تعتبر شركة متخصصة في حقل المعلومات، تقع على الأراضي الأمريكية فهي بالتالي تخضع للقانون الأمريكي، ولكن بما أنها شركة تقوم بعرض خدماتها في جميع أنحاء العالم فمن الطبيعي أن يتم الاعتماد على قوانين الدول التي تتوفر فيها الخدمة من قبل الشركة، كما أن الشركة تؤيد بشدة مبدأ الحيادية، فوفقاً لما جاء في دليل حيادية الإنترنت الخاص بشركة "جوجل"، الذي يتحدث حول تمكين مستخدمو الإنترنت من التحكم في المحتوى الذي يرونه والتطبيقات التي يستخدمونها على الإنترنت، فإن الشركة عملت وفقاً لمبدأ الحيادية منذ أيامها الأولى، وهو ما يعطي بالأساس حق الوصول إلى الإنترنت للجميع على التساوي.
من خلال ما سبق فأن دولة فلسطين بإمكانها أن تستخدم حقها في المسائلة القانونية من خلال القانون الدولي العام، عبر التوجه للمؤسسات التي تعنى بالمحتوى الإلكتروني والثقافي، وللجنة المسميات الجغرافية في الأمم المتحدة، ولمجلس حقوق الإنسان الذي يطلع بقضايا التمييز العنصري من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجي والمعلومات، كما أن هناك مبادئ توجيهية كاملة لدى مجلس حقوق الانسان تسمى المبادئ التوجيهية للأعمال التجارية وحقوق الإنسان وأن أي شركة تقوم بانتهاك حقوق أي فئة في العالم بالإمكان مقاضاتها.
أما فيما يخص القانون الدولي الخاص فبالإمكان المقاضاة فيه عبر المحاكم الأمريكية برفع قضية أو قضايا ضد الشركة عبر دولة فلسطين أو أفرادًا أو جماعات، كون شركة "جوجل" انتهكت نظامها الداخلي الذي التزمت فيه مبدأ الحياد بأن تمنح ذات الحيز والمساحة لكافة المستخدمين دون تمييز بين متصفح وآخر أو انتهاك لخصوصية المستخدمين"، كما أن شركة جوجل تجاوزت مهمتها بمساعدة المستخدمين بتوفير فرصة البحث عن المعلومة حسب مصدرها دون صناعتها كما حدث فجعلت من نفسها مصدر للمعلومة وهو ما يتنافى مع طبيعة عملها ونشأتها.
لقد مثلث الجريمة التي أقدمت عليها شركتي "جوجل وأبل" أحدى الجرائم المضافة لتلك الجرائم التي تمارس ضد الشعب الفلسطيني ورمزيته وتاريخه وثقافته وجغرافيته، جريمة تتجاوز الحقائق التاريخية بشكل سافر، وهو ما يستدعي أن تتضافر الجهود للكل الفلسطيني الجهود الرسمية والشعبية والفصائلية لكي تكون أداة ضاغطة ضد الشركتان عند اللجوء للقضاء الدولي العام والخاص، من خلال استخدام الدبلوماسية الرقمية رسميا وشعبياً والتي تعتبر من إحدى أهم متطلبات المواجهة مع السياسات التي تهدف لاستبدال الرواية التاريخية والجغرافية للشعب والأرض الفلسطينية، بتلك الرواية الصهيوأمريكية المزيفة، فعلى دوائر الفعل الدبلوماسي الرقمي يقع الجهد الأكبر بالعمل بجد ونشاط منقطع النظير لنشر الرواية الفلسطينية على جميع الصعد الدولية، عبر استهداف المكونات الأساسية للمجتمعات الغربية وتحديداً الأمريكية، من خلال مجموعة مترابطة ومنسقة ذات محتوى هادف من المواد الإعلامية والمعرفية الحقيقية التي تدحض الرواية الصهيوأمريكية لإسقاطها من ن عقول من وصلتهم بشكل موجه، من خلال إبراز الإجرام والاستيطان ومصادرة الأرض والقتل للفلسطيني من أجل تزوير التاريخ.