تاريخ النشر: 2016-03-23 | 08:37
تاريخ النشر: 2016-03-23 | 08:37
في ظل انحسار فرص التوصل إلى اتفاق سلام دائم مع الجانب الاسرائيلي وفي ظل التعنت الاسرائيلي ووضع العراقيل في سبيل المضي قدماً في تحقيق السلام الدائم والعادل والشامل وفق المرجعيات الدولية والاقليمية والتي ضربت بها اسرائيل عرض الحائط ، وعلى ضوء استمرار اسرائيل في بناء المستوطنات وتوسعتهها حتى باتت تهدد ما تبقى من الآرض الفلسطينية ، علاوة على سياسة التطهير العرقي التي تمارسها اسرائيل في القدس الشرقية والضغط على السكان المقدسيين لترك المدينة ، و تضييق الخناق على الضفة الغربية وقطاع غزة في كافة المجالات ، وتحديد حركة تنقل المواطنين الفلسطينيين في أضيق الحدود ، فإن الجانب الفلسطيني قيادة وحكومة وشعباً ومؤسسات المجتمع المدني وأحزاب وتيارات سياسية في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى لبناء استراتيجية وطنية موحدة لإيجاد البدائل التي تكفل الرد على التعنت والصلف الاسرائيليين ، وعلى كافة الاصعدة (سياسية ودبلوماسية و تفعيل أنشطة مؤسسات المجتمع المدني وعودة الحركات والقوى الفلسطينية للعب دور فاعل في هذا السياق).
كما أن الاحاطة بالجوانب القانونية للصراع العربي – الاسرائيلي يجب أن تأخذ مكاناً أكبر وصولاً للاستفادة من حزمة الشرائع والقوانين الدولية التي يمكن من خلالها الضغط على اسرائيل ، ذلك أن الاسرائيليين وعلى الرغم من تفوقهم العسكري سعوا منذ البداية إلى خلق غطاء قانوني دولي استباقي لشرعنة احتلالهم فاحتصلوا على القرار رقم (181) الصادر في العام 1947 من الجمعية العامة للأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية ، وسرعان ما قاموا باحتلال ما يعرف بأراضي ال1948 من فلسطين.
وإذ استمر الاهمال الفلسطيني والعربي للجانب القانوني من الصراع ، فقد رافق ذلك تخبط عربي في التعامل مع القرار ، حيث اتخذت جامعة الدول العربية حديثة التكوين بعض القرارات الخجولة التي سرعان ما تراجعت عنها بعد تهديدات أمريكية وبريطانية.
وفي العام 1967 استكملت اسرائيل استيلائها على أراضي الضفة الغربية و قطاع غزة وبعض الاراضي العربية في ظل فشل عربي مطبق في الدفاع عن الحقوق الثابتة في الارض الفلسطينية عسكرياً ومن ثم أمام المحافل الدولية على الرغم م صدور عدة قرارت أممية بشأن الصراع العربي الاسرائيلي والتي ظلت غير ملزمة ودون تنفيذ ، ووجد الفلسطينيون أنفسهم بعد سنوات من حمل السلاح ضد اسرائيل مضطرين إلى الجلوس على طاولة المفاوضات إلى أن تم عقد اتفاق أوسلو وما تبعه من تفاهمات وأطر تفاوضية.
إلا أن اسرائيل التي ما انفكت تمارس أساليب المراوغة ، إلتفت على كل تلك الاتفاقيات والتفاهمات و لم تنفذ منها إلا النزر اليسير على الرغم من الرعاية الدولية والضمانات المتكررة ، وأصبح أفق التوصل إلى اتفاق نهائي بين الجانبين ضيقاً لدرجة يدعو الفلسطينيين للبحث عن بدائل أخرى سياسية ودبلوماسية وقانونية.
وبناء عليه ، فإننا سنعرض بالوثائق والححج والسوابق القانونية البدائل والخيارات القانونية المتاحة أمام القيادة والحكومة والشعب الفلسطيني وصولاً للحصول على دولة كاملة السيادة على كامل الاراضي المحتلة عام 1976 وبناء على حزمة القرارات الدولية والحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني على أراضيه ، ولإزالة آخر احتلال في العالم
أولاً : الخيارات المتاحة أمام القيادة الفلسطينية :
حيث أن الممثل القانوني والشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني هي منظمة التحرير الفلسطينية ، وما زالت تملك هذه الصفة حتى اللحظة على الرغم من صدور قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بقبول فلسطين كدولة مراقب (غير عضو) ، إلا أن تفعيل انتقال جهة التمثيل من منظمة التحرير إلى الدولة الفلسطينية كخلف قانوني عام يحتاج إلى تشريع وقانون يصدر من المجلس الوطني الفلسطيني (غير الفعال) وهو البرلمان في منظمة التحرير وصاحبة الولاية الحقيقية في إصدار التشريعات والقوانين.
أما مؤسسات السلطة الفلسطينية (الحكم الذاتي) التي نشأت بموجب اتفاق أوسلو وبكافة أشكالها وهيكلياتها فإنها لا تعدو أن تكون جزءاً من ذلك الاتفاق الذي أعدمته اسرائيل ، وهو مؤسسات معنية بتصريف أعمال المواطنين الفلسطينين أكثر منها نواة لدولة مستقلة ذات سيادة.
وحيث بادرت منظمة التحرير الفلسطينية للحصول على صفة دولة مراقب (غير عضو) للكيان الفلسطيني في الأمم المتحدة وهي خطوة متقدمة ، كما بادرت إلى الانتساب إلى عضوية بعض وكالات الأمم المتحدة كاليونسكو وغيرها ، ووقعت بالانضمام على خمس عشر اتفاقية من الاتفاقيات الدولية فهي كلها مساعٍ تشكل خطوة من خطوات ذات طابع قانوني باتجاه قيام الدولة الفلسطينية مكتملة الأركان.
أ - قرار "الاتحاد من أجل السلام" :
على إثر احتدام الصراع بين الكوريتين ، وفي ظل انقسام العالم بين معسكرين متنافرين لجأت الدول الغربية إلى الجمعية العامة عارضة عليها قرارا بعنوان " الاتحاد للسلام " وهو ينص على أنه إذا أخفق مجلس الأمن بسبب عدم توفر الإجماع بين أعضائه الدائمين في النهوض بمسئولياته الأساسية من حيث صون السلم والأمن الدولي عندما تبدو بوادر تهديد للسلم ، يتعين على الجمعية العامة أن تبحث الموقف فورا لإصدار التوصيات اللازمة إلى أعضائها لاتخاذ اجراءات جماعية بما في ذلك الإجراءات العسكرية في حالة خرق السلم، أو عمل عدواني ، لصيانة أو استعادة السلم والأمن الدولي ، على أن تدعى الجمعية العامة في مثل هذه الحالات لعقد جلسة خاصة للمسألة المطروحة بطلب من مجلس الأمن وبموافقة تسعة أعضائه لا يشترط أن تكون الدول الخمس دائمة العضوية من بينهم.
وذلك على اعتبار أن أهم وابرز اختصاص لمجلس الأمن هو حفظ السلم والأمن الدوليين ، وقد نصت المادة 24 على ما يلي: (لكي يكون عمل المنظمة سريعا فعالا يعهد أعضاء المنظمة إلى مجلس الأمن بالتبعات الرئيسية فيما يتعلق بحفظ الأمن والسلم الدوليين ويوافقون على أن هذا المجلس يعمل باسمهم عندما يضطلع بالواجبات التي تفرضها عليه هذه التبعات ويتقيد مجلس الأمن بأهداف الأمم المتحدة ومبادئها عندما يقوم بهذه الواجبات ) .
وبذلك تكون الجمعية العامة قد انتزعت من مجلس الأمن وفقا لأحكام هذا القرار مهمة أساسية من مهماته التي رسمها له الميثاق.
ومن أجل إنقاذ السلام في ذلك الحين أصدرت الجمعية العامة قرار "الاتحاد من اجل السلام" وينص القرار على (انه إذا اخفق مجلس الأمن بسبب عدم توفر الإجماع بين أعضائه الدائمين في القيام بمسؤولياته الأساسية الخاصة لحفظ الأمن الدولي في الحالات التي يبدو فيها وقوع تهديد للسلم أو إخلال به من أعمال العدوان تبحث الجمعية العامة الموضوع فورا لإصدار التوصيات اللازمة للأعضاء لاتخاذ التدابير الجماعية والمناسبة بما في ذلك استخدام القوات المسلحة عند اللزوم للمحافظة على السلام أو لإعادته إلى نصابه في حالات الإخلال به أو حالات العدوان).
فإنه إذا عجز مجلس الأمن عن التصرف، نتيجة لتصويت أحد أعضائه الدائمين تصويتا سلبيا يجوز للجمعية العامة عندئذ التصرف ويحدث ذلك في الحالة التي يبدو فيها أن هناك تهديداً للسلام أو خرقاً للسلام أو عملا عدوانيا ويمكن للجمعية العامة أن تنظر في الأمر بهدف رفع توصيات إلى الأعضاء لاتخاذ تدابير جماعية لصون السلم والأمن الدوليين أو استعادتهما.
وحيث أن عجز مجلس الأمن في الوقت الحالي بات واضحاً في التعاطي مع المسائل والصراعات الدولية ، وعودة روسيا الوريث للاتحاد السوفييتي للعب دور محوري ومجابهة الولايات المتحدة في المحافل الدولية يعيد إلى الأذهان تلك الحقبة وتلك الظروف الدولية التي ولد فيها قرار "الاتحاد من أجل السلام".
ومجلس الأمن الذي فشل مرة بعد الأخرى في معالجة الصراع في سوريا أو وضع حد لها أو التأثير فيها على سبيل المثال ، ما يمهد الطريق أمام القيادة الفلسطينية وقد نالت على دعم دولي وأممي واسع في الجمعية العامة صاحبة الولاية في التعاطي مع قرار "الاتحاد من أجل السلام" مع ما يرافق ما يصدر تحت مظلة هذا القرار من إلزامية في التنفيذ حفظاً للسلم العالمي ، للتقدم بطلب إعادة إحياء هذا القرار والحصول من تحت عباءته على قرار بإلاعتراف بقيام الدولة الفلسطينية على كامل الأراضي المحتلة عام 1976 بناء على قراري مجلس الأمن 242 و 338 وضمان تنفيذ تلك القرارات ولو عسكرياً.
إن تنفيذ هذا القرار يحتاج إلى دعم ومساندة سياسية ومادية من طرف الدول الكبرى وهو ما يدعو القيادة الفلسطينية إلى تكثيف جهدها السياسي والدبلوماسي مع روسيا والصين والهند على وجه الخصوص لاقناع هذه الدول بدعم المسعى الفلسطيني لوضع حد لهذا الصراع ، وكذلك مع الدول الاعضاء في مجلس الأمن لمحاولة تأمين الأصوات التسعة اللازمة لنقل الطب إلى الجمعية العامة.
وقد تم تطبيق قرار "الاتحاد من أجل السلام" بعد الأزمة بين الكوريتين في أزمة قناة السويس في العام 1956 ، كما تم تطبيقه في مواجهة الاستيطان الاسرائيلي في جبل أبو غنيم في القدس في العام 1997 وخاصة أن التهديد الحالي والذي يتمثل بانهيار عملية السلام برمتها أخطر بكثير من سابقة التدخل لمنع بناء المستوطنات.
ب- إعلان قيام دولة فلسطينية على حدود حزيران من العام 1967.
حيث سبق للفلسطينيين أن أعلنوا قيام دولة فلسطينية مرتين كانت الأولى في تشرين الأول من العام 1948 من قبل حكومة عموم فلسطين التـي لاقت التجاهل والإفشال من قبل المحيط العربي قبل الدولي ، والثانية في 15 /11/1988 عندما أعلن الرئيس الراحل ياسرعرفات قيام دولة فلسطين فوق الأرض الفلسطينية في مؤتمر الجزائر أو ما عرف بإعلان الاستقلال ، وقد لاقى ذلك الاعلان إعتراف ما يفوق المئة دولة حول العالم تفاوتت فيها درجة التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني.
ونظراً للظروف المتغيـرة فلسطينياً وعربياً ودولياً وحيث بادرت منظمة التحرير الفلسطينية إلى الدخول في معترك المفاوضات الشاقة لفترة جاوزت العشرين عاماً دون أن تحقق الهدف المنشود منها وتعاطت خلال ذلك مع كافة المبادرات الدولية والعربية الداعمة لإحلال السلام ، وأكدت في غير موقع على احترامها القرارات الدولية الأممية التي تدعو إلى احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعودة اللاجئين وتعويضهم ، وهي القرارات التي ضربت بها اسرائيل عرض الحائط ، وإزاء المتغير الأهم في المعادلة وهو أن الفلسطينيين يقيمون الآن على أرضهم أو على جزء منها في أقل تقدير ويملكون من المؤسسات التشريعية والتنفيذية ما يمكن أن يشكل نواة لدولة مستقلة مكتملة الأركان ، وأقصد هنا بالمؤسسات ؛ تلك التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية وليس للسلطة الفلسطينية (الحكم الذاتي).
وتهيء كل تلك المعطيات الأرضية الصلبة - سياسية وقانونية - لمبادرة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لإعلان قيام دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلتها اسرائيل في العام 1967 وإعلان القدس الشرقية عاصمة لها بناء على قراري مجلس الأمن 242 و 338 ، ودعوة دول العالم إلى الاعتراف بهذا الكيان الجديد الواقع تحت الاحتلال الاسرائيلي.
إلا أنه يجب أن يسبق هذه الخطوة ، خطوات تعزيزية ، لتدعيم بناء وهيكلية الدولة ، وهي :
1- إجراء انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني.
2- تقديم خرائط حدود واضحة ودقيقة للأراضي التي كانت خاضعة آنذاك تابعة إدارياً للمملكة الأردنية الهاشمية والتي احتلتها اسرائيل في حرب العام 1967 باعتبارها حدود الدولة الفلسطينية ، وذلك في ظل تعنت إسرائيل في مسالة ترسيم حدود نهائية بينها وبين الفلسطينيين.
3- الطلب من الجانب الاسرائيلي إخلاء كافة المستوطنات المقامة على الأراضي المحتلة عام 1967 ، وسحب كافة أشكال الوجود العسكري فيها.
4- الطلب من الأمم المتحدة إرسال قوة فصل دولية على الحدود بين الدولتين ، باعتبارهما عضويين في الأمم المتحدة.
ثانياً : الخيارات المتاحة أمام الشعبِ الفلسطيني جماعاتٍ وأفراد :
إزالة وهدم الجدار العازل :
نشأت فكرة إقامة الجدار العازل في الضفّة الغربيّة أو ما تسمّيه إسرائيل بـ "الجدار الواقي" سنة 1992، وبُوشر العمل في إنشائه في 16 نيسان / أبريل 2002.
وجاءت فكرة بنائه بناء على توصية من جهاز الأمن الاسرائيلي (الشاباك) في محاولة لوقف العمليات التي ينفذها المقاومون الفلسطينيون في الداخل ، هذا من ناحية أمنية ، ولفرض واقع جديد على الأرض حال التوصل إلى اتفاق تسوية مع الفلسطينيين.
يصل طول الجدار إلى 711 كيلومتراً تقريباً حسب وثائق منظمة التحرير الفلسطينية ويبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار وتوجد بين المناطق التي فصلها الجدار، بوابات يقوم عليها الجنود ، منها ما يفتح يوميًا ولفترات محدودة ، ومنها ما يفتح مرةً كل أسبوع وتبقى بوابة بلعين الوحيدة المفتوحة 24 ساعةً في اليوم ، بقرارٍ من المحكمة العليا الإسرائيلية.
وقامت اسرائيل بالاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي بغية إقامة الجداربلغت مساحتها 60 ألف دونم تقريباً وقامت بهدم 200 منزل تقريباً في محيط أو مسار الجدار ، مع توقّع هدم 754 منزلاً آخر ، بالاضافة إلى عزل المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها البعض ، ووضع العراقيل أمام تنقل المواطنين وتواصلهم.
وبذلك تم عزل مساحة 300 ألف دونم من الأراضي الزراعيّة تقريباً ، حيث لا يستطيع أصحابها الوصول إليها ، وقد تهجّر 30000 شخصًا من التجمعات التي مر بها الجدار وكل ذلك بحسب أرقام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني كما ارتفعت نسبة البطالة إلى درجةٍ كبيرة ، وصلت عام إلى 35% بين سكان المناطق المعزولة والقريبة من الجدار ، وأغلقت 3600 منشأة اقتصادية بسبب ضعف الاقبال عليها نتيجة إغلاق الطرق التي تقع عليها هذه المنشآت كما انخفض الإنتاج الزراعي في الضفة بنسبة 20%، ولم يتبقَّ سوى نسبة 15% من المساحات الرعوية في منطقة العزل الشرقيّة وحدها.
كما كان للجدار تأثير في جانب تلقي الرعاية الصحية ، حيث شكل عائقًا أمام 65% من الواقعين في مناطقه لتلقّي الخدمات الصحية بشكل مناسب.
من جهةٍ أخرى ، تضررت 124 مدرسة يدرس فيها 14 ألف طالب جراء الجدار، مما أثر في التحصيل العلمي للطلاب ، بسبب احتجازهم والمدرسين في المعابر، وتأخر وصولهم إلى المدارس بشكلٍ متكرر.
وتنطوي خطورة بناء الجار العازل واستمرار وجوده على خطر آخر ؛ ألا وهي المستوطنات التي يبدو أنها كانت أحد أسباب ترك المحتل الاسرائيلي مساحات واسعة في بعض المناطق بين التجمعات السكنية والجدار وهو ما تبين أن هدفه كان إتاحة المجال لتوسعة المستوطنات غير الشرعية ، وهو الأمر الذي ظهر جلياً في الأعوام الأخيرة التي شهدت نمواً وتزايداً ملحوظاً في وتيرة بناء وحدات استيطانية جديدة.
وفي التاسع من يوليو 2004، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشارى ردا على السؤال الذى قدمته لها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو: ما هى الآثار القانونية المترتبة على قيام إسرائيل - السلطة المحتلة - ببناء جدار فى الضفة الغربية وجزء من القدس الشرقية - الأراضى الفلسطينية المحتلة - فى ضوء قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن وقواعد القانون الدولى؟ وكانت المجموعة العربية فى الأمم المتحدة قد رتبت لعقد دورة طارئة للجمعية العامة تطبيقا لقرار الاتحاد من أجل السلم لعام 1950، وانعقدت الدورة فى 21 أكتوبر 2003 بعد أن هددت الولايات المتحدة باستخدام حق النقض (الفيتو) إذا قرر مجلس الأمن منع إسرائيل من إقامة هذا الجدار.
وأكدت المحكمة اختصاصها بإصدار الرأى الاستشارى المطلوب ، وفندت كل الدفوع التى أثارتها إسرائيل فى هذا الصدد والتي كانت ذات عوار شديد ، ومن بينها أن الجمعية العامة قد تجاوزت اختصاصها بطلب هذا الرأى وفقا للمادتين 12/1 و 24 من الميثاق ، مستذكرة ممارسات الأمم المتحدة المتعلقة بتفسير المادة 12/1 مؤكدة أن الجمعية العامة لم تتجاوز اختصاصها ، وأن انعقاد الجمعية فى دورة استثنائية كان صحيحا ومستوفيا لشروط الانعقاد فى قرار الاتحاد من أجل السلم
وقد صدر الرأى المشار إليه بالإجماع فيما يتعلق باختصاص المحكمة أما أن المحكمة ملزمة ببحث طلب هذا الرأي ، فقد اعترض عليه القاضى الأمريكى بيرجنتال ، كما اعترض على صيغة السؤال بالشكل الذى وضعته به الجمعية العامة ، مثلما اعترض على قرار المحكمة بأن إسرائيل ملزمة بأن تنهى انتهاكها للقانون الدولى وأن توقف بناء الجدار، كذلك اعترض القاضى الأمريكى على الفقرات التالية من رأى المحكمة:
(1) أن إسرائيل ملزمة بالتعويض عن كافة الأضرار التـى سببها بناء الجدار.
(2) أن كل الدول ملزمة بالا تعترف بالوضع غير المشروع الناجم عن الجدار.
(3) إنه يتعين على الأمم المتحدة خاصة الجمعية العامة ومجلس الأمن ، أن تدرس الخطوة التالية اللازمة لإنهاء الوضع غير المشروع الناجم عن الجدار فى ضوء هذا الرأى.
وبحسبان أن ما اعترض عليه القاضي الأمريكي هو يمثل حزمة الاجراءات التي تستطيع منظمة التحرير الفلسطينية والشعب الفلسطيني تنفيذه ومتابعة تنفيذه.
كما أن هنالك شريحة من المجتمع السياسي الاسرائيلي ذهبت برأيها إلى تخطئة بناء الجدار وحثت على إزالته نظراً للسمعة السيئة وتأليب الراي العام العالمي ضد اسرائيل ، على رأسهم وزير الدفاع الاسرائيلي الأسبق (موشيه آرنز) والاب الروحي لبنيامين نتنياهو.
وفي محاضرة ألقاها بيرنز في تل أبيب بتاريخ 2/3/2014 دعى إلى هدم الجدار العازل لأنه يؤدي إلى أضرار سياسية في الخارج ، وأعرب عن تخوفه من أن يتحول الجدار إلى خط حدود سياسي في المستقبل ، ذلك أن بيرنز من أنصار الدولة الواحدة التي تضم الاسرائيليين والفلسطينيين (دولة يهودية) باستثناء غزة ، ودعى إلى منح فلسطينيي الضفة الغربية الجنسية الاسرائيلية ودمجهم في المجتمع الاسرائيلي.
وأفكار بيرنز حظيت بمساندة العديد من أقطاب اليمين الاسرائيلي مثل عضو الكنيست وحزب البيت اليهودي يوني شطبون وكذلك عضوة الكنيست وحزب البيت اليهودي أوريت سطروك وتسيبي حوتبيلي عضوة الكنيست والليكود وإيميلي عمروسي المتحدثة بإسم المجلس الاستيطاني بالاضافة إلى وربين ريفيلين رئيس الكنيست والذي يفضل منح المواطنة لسكان الضفة على تقسيم البلاد.
ويرى كل هؤلاء أن بقاء الجدار العازل هو تكريس لقيام دولة فلسطينية وكأنهم يشيرون إلى أن الجدار سيشكل الحدود الفاصلة بين الدولتين ، فيما يعارض اليسار الاسرائيلي هدم الجدار ويدعو إلى التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين من خلال الملف التفاوضي.
التوصيات بشأن الجدار العازل:
وحيث أن الجدار العازل يشكل خرقاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني والالتزامات الدولية التي تفرضها اتفاقية جنيف الرابعة التي تتعلق بحقوق الإنسان التي صادقت عليها إسرائيل في تموز 1951 وارتضت بأحكامها والتي وقعت عليها منظمة التحرير مؤخراً.
حيث ينتهك الجدار المادة (46) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على : "عدم جواز نقل السكان المدنيين التي احتلت أراضيهم وكذلك المادة (49) الفقرة 6 وكذلك المـادة (53) "التي تنص على حماية المدنيين والأملاك الخاصة" لما ترتب هذه المخالفات الالتزامات الدولية المسؤولية الدولية على إسرائيل وفرض العقوبات عليها كالتعويض كأثر لسلوك المخالف للقانون الدولي.
وأن صاحبة الاختصاص الدول في فرض مثل هذه العقوبات هي محكمة العدل الدولية التي تختص بالنظر بالمسائل والمنازعات الدولية.
إلا أن رأي محكمة العدل الدولية في هذه المسألة رأي استشاري ليس له أي قوة إلزامية ليس فقط لعدم وجود سلطة عليا تفرض بجنودها على الدولة التي أخلت بتنفيذ التزام دولي تنفيذ القرار الصادر عن محكمة العدل الدولية وإنما عدم تمتع منظمة التحرير بوصف الدولة الذي يسمح لمحكمة العدل الدولية أن تصدر قرار قضائي ملزم بشأنه.
لذلك كله ، فإننا لن نتمكن من خلق واقع جديد إلا بتغيير الواقع على الأرض ، حيث قام الاحتلال بخلق واقع جديد تمثل في الجدار العازل وبناء وتسمين المستوطنات لتشكل بؤرة ضغط على الجانب الفلسطيني في أي حل مرحلي أو نهائي ، والواقع الجديد الذي يمكن للفلسطينيين من خلاله مواجهة ما صنعه المحتل هو المبادرة في هدم وإزالة الجدار العازل وهو ما يستدعي – هدياً على الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية – ومتسلحين بحزمة القوانين والتشريعات الدولية التي تؤمن لهم الحماية بالاضافة إلى التعاطف الدولي ، حيث يستدعي القيام بالخطوات التالية :
1- مباشرة هدم الجدار العازل من خلال تحرك شعبي فلسطيني وبشتى الوسائل المتاحة باعتباره غير شرعي وخلق رأي عام دولي والضغط على اسرائيل في هذا الجانب.
2- نقل الملف إلى مجلس الأمن ومن ثم مباشرة إجراءات استصدار قرار تحت مظلة "الاتحاد من أجل السلام" بهدف صدور قرار دولي بهدم وتسهيل هدم الجدار العازل.
3- إقامة دعاوى التعويض على اسرائيل ممن تضرروا من إقامة الجدار العازل وحرمانهم من المنفعة أو المنافع طوال سني مصادرة أراضيهم وغيرها من أشكال الضرر المادية والمعنوية.
وتبقى كافة تلك التحركات والاجراءات كفيلة بالسياسة والاستراتيجية التي تنتهجها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والتي ينبغي أن تتطور لناحية خلق تغييرات جوهرية على الأرض تحاصر المحتل وتجبره على التراجع ، ورهينة بالالتفاف الشعبي وعودة الثقة من جديد من أبناء الشعب الفلسطيني والمنظمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني إلا أن تقوم الدولة الفلسطينية مكتملة الأركان.
وحيث أن القانون والسياسة يكملان بعضهما البعض ، فإن القيادة الفسطينية مدعوة لإنشاء هيئة قانونية متخصصة من الخبراء القانونيين الفلسطينيين في القانون الدولي تكون مهمتها رسم خارطة طريق لكافة الخيارات المتاحة وبناء استراتيجية قانونية للمرحلة القادمة ، فمعركة القانون لا تقل درجة أو أهمية عن معركة السياسة.