تاريخ النشر: 2026-01-04 | 12:00
تاريخ النشر: 2026-01-04 | 12:00
لم يعد التدخل الأمريكي في فنزويلا قابلاً للتسويق بوصفه إجراءً أمنيًا أو حملةً لمكافحة المخدرات، حتى داخل الدوائر الفكرية والإعلامية القريبة من واشنطن نفسها. فقد كشفت اعترافات صريحة صدرت عن باحثين غربيين وإسرائيليين، ونُشرت في صحف مؤثرة، أن جوهر ما يجري هو صراع استراتيجي على النفط والطاقة والنفوذ العالمي، لا على الجريمة المنظمة. هذه الاعترافات لا تبرر السلوك الأمريكي، بل تفضحه، لأنها تنزع عنه أي غطاء قانوني أو أخلاقي.
في هذا السياق، يقرّ الباحث الإسرائيلي كوبي باردا بأن المخدرات ليست سوى ذريعة خطابية، وأن الهدف الحقيقي يتمثل في شلّ الدولة الفنزويلية وقطع مسار الطاقة الذي يربطها بالصين. وهذا الإقرار، مهما كانت دوافعه، يُشكّل إدانة قانونية واضحة، لأنه يؤكد أن استخدام القوة لم يكن بدافع الدفاع الشرعي عن النفس، ولا بناءً على تفويض دولي، بل لخدمة مصالح جيوسياسية بحتة.
سقوط الذريعة القانونية
ينص ميثاق الأمم المتحدة بوضوح على حظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي، ولا يجيز التدخل العسكري إلا في حال الدفاع الشرعي عن النفس أو بقرار صادر عن مجلس الأمن. لا ينطبق أيّ من هذين الشرطين على الحالة الفنزويلية. فـ«مكافحة المخدرات» لا تُعد سببًا مشروعًا لشن عمليات عسكرية، أو فرض حصار، أو استهداف بنى تحتية سيادية. وعليه، فإن ما جرى ويجري يُصنَّف قانونيًا كعمل عدواني مكتمل الأركان.
الأخطر من ذلك هو تطبيع الخطاب الإعلامي مع فكرة إسقاط رئيس دولة أو اعتقاله بالقوة، وكأن الأمر إجراء مشروع أو نتيجة طبيعية لصراع سياسي. هذا الطرح ينسف مبدأ الحصانة السيادية لرؤساء الدول، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية، ويؤسس لفوضى دولية تُدار بمنطق الغلبة لا بمنطق القانون.
النفط في قلب الصراع
تعترف التحليلات ذاتها بأن فنزويلا تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ركيزة طاقة أساسية للصين، حيث وُجِّه الجزء الأكبر من صادراتها النفطية إلى بكين ضمن ترتيبات ديون طويلة الأمد. ومن منظور القانون الدولي، يُعد هذا خيارًا سياديًا مشروعًا لدولة مستقلة. غير أن واشنطن تعاملت معه باعتباره «تجاوزًا للخطوط الحمراء»، في منطق يعيد تعريف السيادة وفق موازين القوة، لا وفق القواعد القانونية.
الهدف الفعلي، كما يتضح، هو وقف الإنتاج، وشلّ الصادرات، وتجفيف شريان الطاقة الذي يخدم الصين. وهذه ليست إجراءات إنفاذ قانون، بل أدوات حرب اقتصادية وسياسية محظورة، تُمارَس خارج أي إطار شرعي دولي.
عودة مبدأ مونرو
ما يجري في فنزويلا يعكس عودة صريحة إلى مبدأ مونرو، الذي يعتبر أمريكا اللاتينية مجال نفوذ حصريًا للولايات المتحدة. الجديد في هذه العودة هو التخلي شبه الكامل عن الأقنعة الدبلوماسية، والانتقال إلى سياسة التهديد والتنفيذ المباشر. هذا المسار لا يستهدف فنزويلا وحدها، بل يوجّه رسالة ردع إلى قوى أخرى، مفادها أن الخروج عن الإرادة الأمريكية سيُواجَه بالقوة.
الخلاصة
تكشف فنزويلا اليوم عن مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، تُستخدم فيها الذرائع لتبرير انتهاك صارخ للقانون الدولي، وتُدار الصراعات فيها بمنطق الطاقة والهيمنة، لا بمنطق الشرعية. وخطورة هذا النموذج لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في تحوّله إلى سابقة قابلة للتكرار.
فنزويلا ليست حالة استثنائية، بل اختبارًا حقيقيًا لما تبقى من النظام الدولي القائم على القواعد. وإذا استمر تطبيع هذا السلوك، فإن السؤال الجوهري لم يعد: من التالي؟ بل: هل لا يزال للقانون الدولي أي معنى في عالم يُدار بالقوة وحدها؟