تاريخ النشر: 2017-12-10 | 09:45
تاريخ النشر: 2017-12-10 | 09:45
قرار الرئيس الأمريكي ترامب بالاعلان عن نقل سفارة بلاده إلى القدس باعتبارها "عاصمة اسرائيل" يشكل عدوانا سافراً ضد شعبنا و حقوقه و مقدساته، و في مقدمتها حقه الطبيعي و الاصيل باعتبار القدس عاصمة دولته العتيدة فلسطين، و كونها أيضاً جزءاً لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة بقوة العدوان الاسرائيلي الغاشم . و يبدو أن هذا القرار العدواني هو القشرة العليا الرقيقة من قمة جبل الجليد الذي تعده هذه الإدارة ضد شعبنا وحقوقه، فيما تسميه بصفقة القرن، و التي هي في واقع الأمر تصفية حقوقنا الوطنية لصالح اليمين الاسرائيلي و الأمريكي المتطرفين .
إن إدعاء ترامب و بعد اعلان قراره المشؤوم بتمسكه ب "المرحومة" التي أطلق عليه رصاصة الرحمه و التي كانت تسمي التسوية السياسة ، و جنينها المجهض و الذي كان يعرف بحل الدولتين "إن اتفق عليه الطرفان " !!!؟؟؟ ، و من بعده نفس اسطوانه رئيس حكومة اليمين والنهب الاستيطاني التهويدي للقدس وغيرها ، إنما تشكل في الواقع استمراراً هزيلاً في دراما سوداء لم تعد تنطلي على أي طفل فلسطيني ، ولم يكن لترامب و نتانياهو أن يتصدروا مسرح الدراما السوداء و عملية السطو و النصب السياسي الدولي هذه لولا حالة التمزق العربي و الفلسطيني ، و انشغال العرب في صراعاتهم على حساب ليس فقط كرامة و مستقبل شعوبهم ، بل ، و على حساب دماء و أرواح فقراء هذه الشعوب، و كل ما يحاك ضد المنطقة برمتها من مخططات ، ناهيك عن الانشغال و الضعف الفلسطيني ، و استمراء حالة الأضعاف المدمرة في ملهاة الانقسام و الصراع على سلطة تتحول يومياً إلى عبء على أصحابها أنفسهم قبل أن تكون عبءاً على شعبها و مستقبله و مشروعه الوطني ، فلولا حالة الانقسام و ما ولدته من وهن و ارتباك ، و تيه في البوصلة الوطنية ، بما في ذلك تخلي القيادة عن دورها ليس فقط في قيادة المشروع الوطني الذي من المفترض ان تقوده م ت ف باعتبارها ائتلافاً جبهوياً جرى للأسف تفريغه من كل مضامينه ، بل و أيضاً عن دورها في توفير الأمل و عوامل الصمود لتمكين الشعب من حماية حقوقه و تعزيز قدرته على مواجهة المشروع الاستيطاني ، لولا ذلك و غيره من الإمعان في عملية الاقصاء و الهيمنة و التفرد و بالتالي الانكشاف ، لما تجرأت حكومة نتانياهو الاستيطانية من توغلها غير المسبوق في عملية نهب الأرض و إطلاق العنان لتهويد القدس و المقدسات و التسارع المحموم في محاولة " حسم معركة الحلم الصهيوني باستكمال إلغاء رواية وجودنا على هذه الأرض و في هذه البلاد . الملفت و لشديد الأسف ما يصدر من تصريحات اقادة طرفي الانقسام و التي تدعو وتركز على ما تسميه "ضرورة إتمام المصالحة لمواجهة التحديات الخطيرة التي تواجه قضيتنا الوطنية " ! !!، و كأن الذي يغذي هذا الانقسامو يمنع المصالحة هم أبناء شعبنا المحاصرين من الاحتلال أو المعاقبين من سلطتهم الوطنية في قطاع غزة أو الذين تدمر بيوتهم و تصادر أرضهم في القدس و سائر أرضنا المحتلة ، فهولاء هم الذين يدفعون يومياً ثمن الاحتلال من دماء و حرية أبنائهم ، كما يدفعون ثمن فاتورة الانقسام من مستقبلهم ، و لم يعد بامكانهم احتمال المزيد، و لسان حالهم هو كفى !!!، فإن كُنتُم لاتستطيعون مراجعة هذا المسار العبثي تمسكاً بمصالحكم الخاصة التي تتزايد على حساب مصالح الشعب ، فلا حاجة لنا بكم ، أعطيناكم الفرصة تلو الأخرى للدفاع عن دوركم الطبيعي في حماية الشعب و حقوقه ، و مع ذلك مستعدين أن نقدمها لكم مرة أخرى ، إن عدتم للشعب و مصالحه و متطلبات صموده ، و هي ما بات يدركها كل فلسطيني بدءاً بضرورة انهاء الانقسام ، و ليس الاستمرار بالدعوة لهذا الأمر و تحويله لسلعة بالية . فما يحتاجه شعبنا وقضيته التي ستظل حية يبدأ بمراجعة هذا المسار الذي بات عبثياً و لا وظيفة له سوى حماية مصالح المصرِّين عليه "فالحياة لم تعد مفاوضات" ، و ربما باتت بحاجة إلى "انتفاضات" . إن الرد الأساسي و الوحيد على هذا العدوان الأمريكي الاسرائيلي على القدس و مقدساتنا و حقوق شعبنا الثابتة في المدينة المقدسة يستدعي وقف كل المهاترات و الألاعيب التي تعترض مسيرة المصالحة و الوحدة من طرفي الانقسام ، و البدء الفوري باجراءات تشكيل حكومة وحدة وطنية تتصدى لكل مهماتها المعلومة للجميع ، وفِي مقدمتها تعزيز وحدة شعبنا ومؤسساته و مقومات صموده على أرضه ، و النهوض بقدرته على مواجهة و إسقاط مؤامرة تصفية قضيته و حقوقه ، و الدفاع عن عروبة القدس و مقدساتها مكانتها و تاريخها كحاضنة لتعايش الحضارات و الثقافات و الأديان . نعم ، إنها القدس الباسلة التي أعطت قبل شهور قليلة دروساً غنية في الوحدة و التنظيم و الصمود و الثبات أعادت فيها نشهد الانتفاضة الكبرى عام 1987 , و طرحت تحديات و مهمات ما زالت تنتظر من يتصدي لها سواء من قبل منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الوطنية و باقي مؤسسات شعبنا و حركته الوطنية ، و ليس احتواء هذه الهبة ، و الهلع من تداعيات استمرارها. إن الدور التاريخي للقيادة يتمثل في صنع الأمل بالنصر و توفير عوامل بلوغه ، وإن ترددت أو عجزت عن هذه المهمة، فليس أمامها و لحماية منجزات شعبها سوى توفير بيئة تمكنها من تسليم الراية لقيادة شابة قادرة أن تحمى نضال و تراث و إنجازات شعبنا و ثورته و انتفاضاته و كرامته وليس تبديدها .
و في تقديري أنه ما زال بإمكان القيادة و على رأسها الأخ الرئيس محمود عباس أبو مازن أن يقود و بنفسه هذه المراجعة بعقلانية و شجاعة و يقطع بصورة نهائية مع النهج الذي ثبت عقمه ، و مدى ما يلحقه من أَذى بقضيتنا في حال استمرار المراهنة عليه ، ذلك ليس فقط على صعيد مسار أوسلو الذى قتله نتانياهو و أصدر ترامب شهادة وفاته ، بل و أيضاً على الصعيد الداخلي ، وليس فقط بإعادة الاعتبار للائتلاف الوطني و التمثيل الذي جسدته م ت ف بجميع فصائلها و قواها السياسية و الاجتماعية المناضلة ضد الاحتلال ، بل و التقدم بشجاعة بوقف احتكار القيادة من قبل فصيل أو زعيم مهما علا شأنه و تكريس الشراكة الوطنية بالمضي قدماً في مسيرة الوحدة دون تباطؤ ، و أن يدعو اليوم قبل الغد ، بل و يترأس شخصياً اجتماعاً طارئاً و فورياً للإطار القيادي المؤقت في القاهرة بحضور جميع أعضاء اللجنة التنفيذية و قادة جميع القوى بما في ذلك حركتي حماس و الجهاد و رئاسة المجلس الوطني أولاً لإعادة الاعتبار لدور و مكانة المنظمة كائتلاف جبهوي لجميع القوى السياسية و الاجتماعية و باعتبار التناقض الرئيسي مع الاحتلال و حليفته الادارة الامريكية ، و للاتفاق على خطة سياسية و شعبية ملموسة لمواجهة و إسقاط هذه المؤامرة التصفوية ، و الأهم توفير الأدوات القادرة على قيادة هذه المرحلة سواء على صعيد السلطة بحكومة وحدة و إنقاذ وطني ،أو على صعيد المنظمة بالتحضير الجدي لمجلس وطني توحيدي وفق مقررات تحضيرية بيروت بحيث تمهد الطريق لتوليد قيادة شابة تواصل قيادة مشروعنا الوطني بارادة فلسطينية ديموقراطية خالصة ، و هنا يحضرني قول مأثور للمرحوم الحاج رشاد الشوا بعد اندلاع الانتفاضة الاولى و تثبيت أقدام و دور و مكانة القيادة الوطنية الموحدة حيث قال " القيادة اليوم فقط هي لقادة الانتفاضة الشباب، و لم يعد لنا دور سوى أن نكون مستشارين لهم إن احتاجوا مشورتنا".
إن المناخ الدولي الرافض لاعتداء الادارة الامريكية علي قرارات الشرعية و القانون الدوليين و كذلك حالة التضامن الشعبية في كل دول العالم مع قضية شعبنا بما في ذلك في الولايات المتحدة و في أوساط الجاليات اليهودية نفسها، و التي تدرك مخاطر غطرسة و شعبوية القيادتين اليمينيتين في واشنطن و تل أبيب ، بالاضافة لما صدر من مواقف عربية و إسلامية ، تضاعف من مسؤليتنا إزاء كيفية تحويل هذه المواقف الرافضة لإعلان ترامب العدواني إلى فعل سياسي ، فبلورة و بناء موقفاً فلسطينياً موحداً يلتف حوله كل الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده ، و قيادة وطنية موحدة في إطار م ت ف كاطار جبهوي يعبر عن إرادة و دور كل الشعب و قواه السياسية بما في ذلك حركتي حماس و الجهاد هو المدخل و الرافعة الاساسية لبناء موقف عربي و إسلامي و دولي . و إن أي تباطؤ أو ارتباك أو استمرار على المراهنات الفاشلة ليس سوى مضيعة للوقت و تبديد للحقوق . إن ترجمة الكلام بأن قرار ترامب حول القدس يعني انسحاب الولايات المتحدة من وساطة التسوية هي بقايا أوهام بالتسوية وفق المسار الأمريكي الاسرائيلي .
نحن أمام استحقاق تاريخي و مفصلي ، وعلينا أن نبادر فوراً بمنع الولايات المتحدة من الاستمرار بملف التسوية ، و البدء ببناء واستنهاض عناصر القوة الذاتية و إطلاق يد الشعب في الدفاع عن حقوقه و مقدساته ، و الإعلان بأن أي مدخل للحل السياسي يبدأ أولاً باعتراف اسرائيل و أمريكا المسبق بحقوقنا الوطنية تماماً كما عرفتها الشرعية الدولية ، و أن إطار البحث في استعادة هذه الحقوق هو مؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة لتنفيذ قراراتها و ليس استمرار ملهاة التفاوض العبثية فيما إذا كان لنا حقوق أم لا ؟! ؛ و أظن أنه يمكن البناء على بعض مواقف الدول الكبرى التي تستشعر خطر السياسات الترامبية على السلم العالمي ليس فقط في الشرق الأوسط بل على الصعيد الكوني . إن بداية تحقيق ذلك يجب أن يبدأ بالتوجه الفوري إلى مجلس الأمن بقرار عربي و إسلامي و عدم انحياز و دعم أوروبي موحد، دون استبعاد إمكانية الذهاب للجمعية العامة تحت بند الاتحاد من أجل السلام لعزل العدوانية الاسرائيلة و الامريكية ، و استخدام كل الأدوات التى تمكننا من الدفاع عن حقوقنا، بما في ذلك التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية . ويبقى الأهم ، و الذي بدونه قد تذهب ردود الفعل كمجرد زوبعة في فنجان ، يتطلب إعادة الاعتبار للميدان و الوحدة الكفاحية فيه، و وضع الانقسام و كل تداعياته خلف ظهورنا.
إن هذا القرار العدواني ليس مجرد ايغال في الانحياز الأمريكي ، بل هو بحد ذاته يشكل عدواناً على شعبنا و حقوقه و مقدساته و يتناقص كلياً مع القانون و الاجماع الدوليين اللذان يعتبران القدس مدينة محتلة ، و لا يمكن حسم مستقبلها بقوة العدوان و الاستخفاف بشعوب المنطقة ، بقدر ما يحمل في طياته المزيد من عوامل انفجار ها و قذفها وقوداً نحو مزيد من التوتر و التطرف والعنف الدموي الذي لن يسلم منه أحد بما في ذلك اسرائيل نفسها ، والتي تتحول تدريجياً ليس فقط نحو اليمين العنصري ، بل و أيضاً فريسة لغطرسة حكام هذا اليمين المتطرف فيها و المتحالف مع إدارة ترامب الهوجاء ، و قد بات واضحاً أنه لا يعني أيا منهما سوى الاستمرار في الحكم، حتى لو كان ذلك على حساب حصد أرواح المزيد من ضحايا تجدد اندلاع الصراع الدموي ، و ما قد يجره من ويلات على جميع شعوب المنطقة . ان هذا يستدعي أيضاً من بقايا قوى السلام و مناهضة الاحتلال في اسرائيل ، و من عقلائها إذا كان ما زال فيها بقايا عقلاء ، بأن يوحدوا دورهم وجهدهم لإنهاء الاحتلال عن كامل أرضنا المحتلة وفِي مقدمتها القدس الشرقية المحتلة، فاستمرار هذا الاحتلال يهدد مستقبل اسرائيل قبل غيرها .
اليوم، و نحن على أبواب الذكرى الثلاثين للانتفاضة الكبرى عام 1987، ما أشبه اليوم بالبارحة . فعشيّة اندلاع الانتفاضة كانت سياسة اسرائيل و بعد اخراج منظمة التحرير من لبنان و كأنها تقول أين الفلسطيني ، و كانت تنظر للفلسطيني أنه بين خيار البؤس في سوق عملها أو خيار السجن و الهدم والأبعاد والموت ، وقتها اختار الفلسطيني الحياة بالانتفاض على الاحتلال و "خياراته"، فأعاد المنظمة والقضية الوطنية إلى قمة المشهد و صدارة الاهتمام الدولي. المهمةالماثلة أمامنا هي كيف نعيد لقضيتنا مكانتها و اعادة بناء إتلافنا الجبهوي و القيادة الموحدة القادرة على حماية شعبها و حقوقه و وحدته في إطار منظمة التحرير الفلسطينية ، و لا خيار أمامنا سوى المقاومة الشعبية الراشدة و الشجاعة التي علمتنا أياها سنوات الانتفاضة المجيدة الكبرى ، و التي نجحت بصورة ملفتة في وضع قضيتنا على قمة الاهتمامات الدولية ، و وفرت الفرصة نحو سلام حقيقي يصنعه فقط الأقوياء ، قبل أن يتم غدرها و الإطاحة بإنجازاتها. و علينا أن نظل واثقين بأن شعبنا قادر مجدداً على صنع المعجزات إن توفرت لديه القيادة و الأمل ، و أن أحرار العالم و شعوب أمتنا العربية و الاسلامية لن تخذلنا . فقضية شعبنا كانت و ما زالت عنوان العدل و السلام، و القدس كانت وستظل درة تاج شعوب العالم وتطلعها للعدل والسلام العادل و الدائم و الذي يضمن لشعبنا حقوقه في العودة و تقرير المصير و إقامة دولة فلسطين و عاصمتها القدس على حدود عام 1967.