تاريخ النشر: 2017-09-30 | 08:19
تاريخ النشر: 2017-09-30 | 08:19
بعد مرور 17 عاماً على انتفاضة الأقصى ، التي خلقت توازناً للردع مع العدو الصهيوني، وطرحت سؤالاً إسرائيلياً حول شرعية الوجود الصهيوني لأول مرة في فلسطين منذ عام 1948 ، نشير إلى حقيقة أن هذه الانتفاضة قبرت بخطة خارطة الطريق....ونطرح سؤالين هما : هل استفادت السلطة الفلسطينية من تجربة عدم التزام الاحتلال بأي من الاتفاقات الموقعة معه؟ المقاومة الفلسطينية إلى أين؟
في الجواب على السؤال الأول، يمكن الإشارة باختصار إلى ما يلي:-
1-لا زالت القيادة المتنفذة في منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية تراهن على المفاوضات الثنائية ، إذ أنه رغم عدم التزام العدو الصهيوني بأوسلو 1 وأوسلو 2 وببرتوكول الخليل واتفاق واي ريفر وبخطة خارطة الطريق 2002 ،واصلت قيادة المنظمة السير على ذات النهج، ووقعت تفاهمات أنابوليس مع الكيان الصهيوني عام 2007 - التي هي مجرد إعادة صياغة لمعظم بنود خارطة الطريق – ودخلت في مفاوضات ماراثونية مع حكومة يهودا أولمرت برعاية ووساطة ووزيرة الخارجية الأمريكية كوندا ليزا رايس ، ثم في مباحثات التقريب بعمان ثم التفاوض في إطار خطة كيري المتدحرجة، وصولاً للمبادرة الفرنسية 2016.
2- أن قيادة المنظمة لم تنقل حتى الآن ملف القضية للأمم المتحدة ، ليصار إلى التفاوض بالاستناد إلى قرارات الشرعية الدولية كمرجعية لأي عملية سياسية.
3- أن قيادة المنظمة لا تزال تضع كل البيض في السلة الأمريكية، وتصر على المفاوضات الثنائية برعاية أمريكية.
وفي الإجابة على السؤال الثاني، يمكن الإشارة باختصار إلى ما يلي:
1-لا زالت السلطة ملتزمة بقوة بالتنسيق الأمني مع العدو الصهيوني وتعتبره مقدساً رغم استمراره في سياسات القمع ومصادرة الأراضي والاستيطان وتهويد القدس ، ولا زالت تتخذ جميع الإجراءات المطلوبة لمنع أية عمليات فدائية ضد الاحتلال والمستوطنين ، ولا تزال تقوم بكل ما هو مطلوب منها وفق خارطة الطريق وغيرها على صعيد مطاردة المقاومين واعتقالهم.
2-لا تزال رئاسة السلطة تعلن بصريح العبارة " أنها لن تسمح باندلاع أي انتفاضة جديدة " .
لكن رغم إجراءات السلطة وإجراءات الاحتلال ،فإن الشعب الفلسطيني لم يتوقف عن ممارسة المقاومة بكل أشكالها ، حيث استطاع في غضون ست سنوات (2008-2014) أن يتصدى لثلاث حروب عدوانية على قطاع غزة ، وأن يحقق فيها انتصارات نسبية، وأن ينقل الحرب إلى مواقع العدو .
كما أنه فجر في تشرين أول 2015 انتفاضة شعبية ، استخدم فيها سلاح السكاكين والدهس بعد أن جردته أجهزة الأمن من الأسلحة النارية ، وفجر قبل ثلاثة شهور انتفاضة القدس، رداً على إجراءات الاحتلال في القدس وفي المسجد الأقصى.
لقد لعبت أجهزة الأمن دوراً مركزياً في إجهاض انتفاضة 2015 ،وفي الذاكرة تبجح قادتها بأنهم أجهضوا ما يزيد عن 200 عملة فدائية ضد الاحتلال ،ناهيك أن هذه الأجهزة عملت على حرمان هذه الانتفاضة من حاضنتها الجماهيرية ، وضربت البعد الجماهيري لها عبر محاصرتها، ومنع الجماهير من الاشتباك مع قوات الاحتلال عند حواجز الاحتلال على مداخل مدن الضفة الغربية.
كما أن انتفاضة القدس في شهر تموز الماضي، التي أجبرت الاحتلال على التراجع عن بناء البوابات الحديدية أمام بوابات المسجد الأقصى ، وتمت المراهنة عليها في أن تشكل منعطفاً حاسماً في النضال الفلسطيني ، عملت السلطة على تحجيمها ومحاصرة مفاعيلها ، خاصةً وأنها أفرزت قيادات مقدسية ومحلية لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني.
بعد هذا الاستعراض الملخص لواقع المقاومة وواقع قمعها من قبل أمن السلطة الفلسطينية ، نتوقف بأثر رجعي أمام انتفاضة الأقصى ( 28 أيلول 2000) للتعرف على أسبابها ، وإنجازاتها من أجل أن تتمكن القوى الوطنية من البناء عليها.
انتفاضة الأقصى" أو الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وإن كانت شرارتها والصاعق المفجر لها هو اقتحام رئيس وزراء العدو الصهيوني الأسبق أرئيل شارون باحات المسجد الأقصى، برفقة حراسه، وذلك في 28 أيلول (سبتمبر) 2000، ما دفع جموع المصلين وأبناء القدس للتصدي لعملية الاقتحام في مواجهات حادة، استشهد على إثرها في يومها الأول، 7 فلسطينيين وجُرح 250 آخرون، كما أُصيب 13 جنديا إسرائيليا ، إلا أن السبب الجوهري للانتفاضة يكمن في عاملين هما :
أولاً : انكشاف بؤس الرهان على اتفاقات أوسلو(1) وأوسلو (2) اللذين لم يوصلا إلى دولة فلسطينية عام 1999 – نهاية المرحلة الانتقالية- بعد أن أعلن رئيس وزراء العدو الصهيوني بصريح العبارة " أن لا مواعيد مقدسة"، في الوقت الذي استثمر فيه العدو الصهيوني هذه الاتفاقات كغطاء لعمليات التهويد والاستيطان.
ثانياً : فشل مفاوضات كامب ديفيد (2) التي جرت بين رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات ووزير حرب العدو الصهيوني يهودا براك برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ، والتي حاول فيها الجانبان الأمريكي إجبار عرفات التنازل عن القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين.
لقد حققت إنجازات هائلة بجمعها بين الشكل الجماهيري للمقاومة والمقاومة المسلحة مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن الجانب الإسرائيلي هو من استخدم النار بشكل مفرط ضد الجماهير الفلسطينية، ما دفع المقاومة لاستخدام السلاح لحماية الجماهير المنتفضة...وأبرز إنجازاتها :
1-نجحت في خلق توازن نسبي للردع وجر العدو إلى ما جرى الاصطلاح عليه "بالتوتر المنخفض"... حيث قتل خلال سنواتها الخمس ١٠٦٩جندياً إسرائيلياً ومستوطناً وأصيب ٤٥٠٠ آخرين ، في حين ارتقى خلالها ٤٤١٢ شهيداً وأصيب أكثر من ٥٠ ألف مواطن فلسطيني.
2- نزوح هائل للمستوطنين من الضفة الغربية والقدس للمناطق الأكثر أمناً في مدن الساحل .
3- هجرة مضادة لليهود من الكيان الصهيوني إلى الخارج ، وتوقف الهجرة اليهودية بشكل شبه كامل من الخارج إلى ( إسرائيل).
4- طرحت على قيادات الكيان الصهيوني بمختلف مستوياته ووسائل إعلامه ولأول مرة" سؤال شرعية الوجود " .
هذه الانتفاضة بإنجازاتها ومفاعلها جرى التآمر عليها وإجهاضها بخطة خارطة الطريق التي انطوت على ثلاث مراحل ، تنص في مرحلتها الأولى "أن يعلن الفلسطينيون وقفا لا يقبل التأويل للعنف والإرهاب، ويقومون بجهود ملموسة على الأرض لاعتقال وتوقيف الأشخاص والجماعات، التي تشن وتخطط لهجمات عنيفة ضد الإسرائيليين في كل مكان."
مقابل الخطوة الفلسطينية نصت المرحلة الأولى من خطة خارطة الطريق " تنسحب إسرائيل من المناطق الفلسطينية التي احتلت بعد 28 أيلول عام 2000 والطرفان يعودان إلى الوضع الذي ساد قبل التاريخ فى وقت يتقدم فيه الأداء والتعاون الأمني وتقوم إسرائيل بتجميد جميع النشاطات الاستيطانية بما يتوافق وتقرير ميتشل بما في ذلك إزالة البؤر الاستيطانية التي أقيمت عام 2001 ، ارتباطاً بتنفيذ الجانب الفلسطيني لالتزاماته الأمنية."
لقد التزمت السلطة الفلسطينية بما هو مطلوب منها ، عبر حل كتائب شهداء الأقصى ومطاردتها للمقاومين من جميع الكتائب الفدائية المسلحة " كتائب أبو علي مصطفى، سرايا القدس ، كتائب القسام ، كتائب المقاومة الوطنية في الضفة الغربية" وإحباط عشرات بل مئات العمليات الفدائية ضد الاحتلال الصهيوني" ، حيث شكلت السلطة كتائب أمنية خاصة بإشراف الجنرال الأمريكي كيت دايتون لتنفيذ هذه المهمة القذرة في حين لم يلتزم الجانب الصهوني بما هو مطلوب منه، بشأن تجميد الاستيطان وإزالة البؤر الاستيطانية التي أقيمت عام 2001 ، ارتباطاً بتنفيذ الجانب الفلسطيني لالتزاماته الأمنية."
واللافت للنظر أن الجانب الإسرائيلي كافأ السلطة الفلسطينية على الالتزام بما هو مطلوب منها أمنياً ، بمضاعفة عمليات الاستيطان في الضفة الغربية والقدس ، إذ أنه وعلى حد تعبير رئيس السلطة الفلسطينية – محمود عباس- أثناء مشاركته في اجتماع البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ عام 2007 " فإن الاستيطان تضاعف 14 مرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة" بعد توقيع اتفاقات أوسلو..
ما يجب الإشارة إليه في هذه الذكرى أن جميع الاتفاقات اللاحقة "لخطة خارطة الطريق" نصت على التنسيق الأمني وتصفية المقاومة الفلسطينية المسلحة.