تاريخ النشر: 2016-12-10 | 08:34
تاريخ النشر: 2016-12-10 | 08:34
في الذكرى التاسعة والعشرين لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى (انتفاضة الحجارة 1987) هنالك الكثير ما يُقال. سنوات كثيرة مضت على تلك الأحداث وكأنها جرت قبل أيام قليلة، أو لعلنا نعيشها بأحداثها وتفاصيها حتى الآن، وكأن الزمن قد تجمد وتوقف لدينا عند تلك اللحظات. وثمة دروس وعِبر كثيرة تُدرّس في علم الاجتماع السياسي: كيف تحوّل شعب منهك من كمٍ مهمل إلى طاقة نور فاعلة، ليس على المستوى المحلي فحسب بل وعلى المستوى العالمي. فلقد فجرت الانتفاضة بركاناً من الغضب الشعبي العارم بعد مرور حوالي أربعين عام على الاحتلال، وعبّرت – ضمن ما عبّرت عنه- عن طاقة مكبوتة كانت تنتظر لحظة انفجارها، فصارت التضحية منهج حياة يعكس رغبة جامحة في الانعتاق من نير الاحتلال. لقد قرر الشعب الفلسطيني أن يضع حداً «للإهانة»؛ إهانة المحتل لأبناء شعبنا بكافة فئاته وشرائحه الاجتماعية. فخرجت الجموع صمتها، وكأنها تُسدل الستار على مرحلة من «التيه» الوطني الذي أصابها على مدى عقود، واستجمعت كل قواها واستلهمت كل مكوناتها المعنوية، ليعلن الشعب بشكل واضح وصريح رفضه القاطع للاستمرار في حالة الرزوح تحت وطأة القهر، وليقذف بنفسه في آتون معركة غير متكافئة مع المحتل، الذي استمرأ القتل والتعذيب والاعتقال وسياسة «تكسير العظام».
لم تكن حادثة الشاحنة الإسرائيلية، التي قتلت أربعة عمال فلسطينيين على حاجز بيت حانون «ايرز» يوم 8/12/1987، مجرد حادث طرق عادي، ولم يكن أحداً يتوقع أن حادثة من هذا النوع سوف تمثل لحظة فارقة في التاريخ الفلسطيني المعاصر. فتحول تأبين الضحايا إلى لحظة ميلاد جديدة، وكان شهيد الانتفاضة الأول (حاتم السيسي)، وكانت الانتفاضة الفلسطينية (1987)، التي انطلقت ككرة النار في هشيم الاحتلال، تُعلن أن الشعب الفلسطيني بقضه وقضيضه، بأشباله ورجاله ونسائه وشيوخه، بأهل القرى والمدن والمخيمات، الفلسطينيون كل الفلسطينيون مُجمعين على هدفٍ واحد وهو: زوال الاحتلال. وأن عشرون عاماً من «النكسة»، واحتلال ما تبقى من الأرض الفلسطينية، لم يكن كافياً لكي ينسى الشعب الفلسطيني حقه، ولم تكن سياسة الاحتلال كفيلة بتغييب وعيه الوطني، تجاه قضاياه ومطالبه في تقرير المصير، ورحلة البحث عن الذات والهوية.
ولم تكن انتفاضة الحجارة عفوية إلّا في موعد اندلاعها، وفي تفاصيل المواجهات اليومية مع جيش الاحتلال في شوارع وأزقة المدن والمخيمات؛ فلقد كانت الأرض تختمر منذ سنوات وترتوي بعرق المناضلين. كانت المعضلة الكُبرى للثورة الفلسطينية هي أنها ثورة تم استنباتها خارج الأرض الفلسطينية، وكانت النتيجة الحتمية – بفعل المؤامرات والتدخل الخارجية- أن خرجت قوات الثورة من كل دول المواجهة المباشرة المحيطة بالاحتلال. من هنا جاءت الحاجة المُلحّة لنقل المعركة إلى الداخل الفلسطيني المحتل، حيث الجماهير العريضة الحامية للثورة، فوجدت في الانتفاضة ضالتها.
وبمجرد خروج الثورة الفلسطينية من بيروت عام 1982م، اتجهت البوصلة صوب «الأرض المحتلة»، فكانت الحركة الطلابية في الجامعات والمدارس الفلسطينية والأندية الرياضية، وكانت النقابات المهنية والعمالية، التي أصبحت مدارس ثورية، وكان الشباب من طليعة الحركة الوطنية يعملون بدأب على تأطير النشأ، وزيادة الحس الوطني لديهم، ويجهزون فيما يشبه «البروفات» ليوم المواجهة الشاملة. وهذه الطليعة الثورية لم تولد فجأة، ولم تكن بنت يومها أو وليدة اللحظة والأحداث، فهي بالأساس طليعة شبابية مثقفة وطنياً، وكانت قد تلقت تدريباً وتثقيفاً كافياً قبل الانتفاضة بسنوات، كما كانت قد تمرست على العمل الوطني والكفاحي من خلال المظاهرات «الموسمية» في المناسبات الوطنية المتعددة، ومن خلال تجربة الاعتقال التي عاشوها في سنوات ما قبل الانتفاضة. وعندما جاءت حادثة الشاحنة وما تلاها، لتعطي شارة البدء لانتفاضة شعبية عارمة بكل المقاييس، لم يكن يستعصى على تلك الطليعة الثورية أن تقود دفة العمل اليومي، لما لها من تراكم للخبرات وتمرّس في قيادة الحركة الطلابية والنقابية. وهنا لا يمكن التقليل من أهمية الدور الريادي الذي لعبته تلك «الطليعة الثورية»؛ فلقد كانت الصاعق المفجر للانتفاضة الجماهيرية، ورأس الحربة في مقارعة الاحتلال، وتوجيه الجماهير وتحريضها، ونقل الأحداث من مكان لآخر.
لقد كان كل شيء مرتباً تقريباً؛ من مواعيد الإضرابات، وطباعة وتوزيع البيانات، ومقاطعة البضائع الإسرائيلية، وليس انتهاء بتوزيع المعونات الغذائية للأسر المعوزة أثناء الحصار ومنع التجوال. ولقد مثلت الطليعة الثورية العقل المُخطط والمُدبر لجدول أعمال الانتفاضة، وكانت الجماهير هي الكتلة الحية، والبيئة الحاضنة لنجاح الفعاليات واستمرارها. وكان مفاجئاً حجم المشاركة الشعبية «التلقائية» من قبل الجماهير العريضة، على اختلاف الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية، وكانت حالة الصمود والاندفاع الغريزي هي الوقود الذي لا ينقطع، والضامن لاستمرار حالة الانتفاض الدائمة. فقد تحوّل عامة الشعب فجأة إلى كتلة بشرية تتحرك بشكل منسجم ومتسق ولا إرادي نحو هدف عام، وصار الوطن كله يعزف سيمفونية مشتركة، أبطالها هم كل أبناء الشعب الفلسطيني. هي الأسطورة إذن، التي كتبها أشبال وشباب فلسطين، أسطورة تخضّبت بالدم والتضحية وسنوات الأسر والاعتقال، وتجسدت بروح التضامن الوطني.
وكان ملفتاً للنظر ذلك الدور البارز الذي لعبته المرأة الفلسطينية خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى. كما وتجاوز الفعل الثوري الحدود الجغرافية للمكان، حيث أعلن فلسطينيو الداخل بأنهم جزء من الانتفاضة، وعبروا عن ذلك بوسائلهم الخاصة، وواقع الأمر، إن أحد أهم انجازات الانتفاضة الأولى أنها قد ساهمت في تسريع عملية «فلسطنة» عرب الداخل، بعد عقود من محاولات «الأسرلة» المستمرة. والحاصل، أن الانتفاضة قد خلقت في الوعي الجمعي الفلسطيني ما يشبه أسطورة العنقاء؛ فحولت الشباب الفلسطيني من مجرد عمال يبحثون عن رزقهم في ضواحي «تل ابيب»، إلى مناضلين أشداء يبحثون لهم عن موطئ قدم، في عالم أنكر عليهم هويتهم الفلسطينية وحقهم في الحرية وتقرير المصير. لقد كانت لحظة البحث عن الذات؛ فاكتشفوا أنفسهم من جديد.
وأما على الصعيد الاجتماعي، فقد كرست انتفاضة العام 1987م منظومة من القيم الوطنية والثقافية والاجتماعية، فتعززت روح التضحية والرغبة الطوعية في البذل والعطاء، وكانت التضحية قيمة مجتمعية عليا في تلك المرحلة، وكان الشباب يتنافسون على التضحية والعطاء، وبالطبع لم يكن أحداً ينتظر المقابل أو العائد، ولم يكن موجوداً أو متاحاً أصلاً. وهكذا تولّد وعي مشترك ربما لم يكن مُخطط له، ذلك أن الأحداث والملمات الكبرى تُظهر أجمل ما في الشعوب، فعلت قيمة التضامن بين أبناء شعبنا الفلسطيني، ليس على المستوى الفردي أو المناطقي فحسب، بل وعلى المستوى الوطني ككل. وفي ظل حالة التضامن الوطني برزت قيمة «المجتمع التكافلي»، فلا تكاد ترى بيتاً يتميز عن جيرانه بنوع الطعام أو الشراب. وأكثر من ذلك، فقد برزت قيمة الإيثار لدى معظم أبناء المجتمع، فصار الجميع يتنافسون على تقديم العون المادي للأسر المعوزة، بخاصة في وقت الحصار والإغلاق وحظر التجوال.
لقد مثل هذا الشباب البديع صورة الثائر الجديد. فتناقلته الصور ليمثل نمطاً فريداً لم يكن معروفاً لدى العالم من قبل، صورة الملثم الموشح بالكوفية الرقطاء، الذي يستخدم أبسط أدوات المقاومة من الحجارة، وإغلاق الطرق، ووضع المتاريس، وإشعال إطارات السيارات ..الخ، ويعبّر عن ذاته وأفكاره وأهدافه بالكتابة على جدران المنازل، فكانت شبكة تواصله الإعلامي آنذاك. كما ويُسجَل لأولئك الشباب قصب السبق في إبداع وسائل المقاومة الشعبية و«حرب الاعنف»، وأن الثورات الشعبية تنبني على فكرة «البطولة الهادئة»، فكان الشعب الفلسطيني بمجمله هو البطل؛ وبالتالي حيّد القوة العسكرية الغاشمة للاحتلال، وجرده من أخلاقية الرد العنيف.
ولقد سجّل الشعب الفلسطيني براءة اختراع وابتكار لفكرة «المقاومة الشعبية الشاملة»، لتصبح «الانتفاضة» لفظاً وسلوكاً مصطلحاً عالمياً له دلالته السياسية والاجتماعية، التي لا تصف إلّا الحالة الفلسطينية ومثيلاتها. وشكّلت الانتفاضة الفلسطينية «نموذجاً للمحاكاة»، وأيقونة للنضال الشعبي لكل الحالمين بالتحرر والانعتاق من القهر والاستبداد، وصارت الكوفية الفلسطينية رمزاً لكل أحرار العالم، وعلى هداها أصبحت بعد ذلك الانتفاضات الشعبية حالة كونية؛ ابتداءً من ربيع برلين ودول شرق أوروبا (1989م)، ربيع بكين، وأمريكا اللاتينية، وليس انتهاءً بربيع العرب (2011م).
هذه السطور ليست بكائية على الأيام الخوالي لانتفاضة الحجارة، بل إنها مجرد وقفة سريعة للتأمل واستلهام قيم الانتفاضة في ذكراها العطرة. فلم تكن أخلاق الناس إلّا كفطرتهم؛ نقية بريئة، حين شهدت الانتفاضة شيوع وإعلاء منظومة من القيم الوطنية والاجتماعية النبيلة (التضحية، التضامن، التآخي، الصدق، التعاون، الشعور بالآخر، الإيثار، والوحدة الوطنية ..الخ)، ذلك أن المجتمع قد صهر نفسه بطريقة إبداعية عجيبة، فصار وكأنه أسرة كبيرة تعيش في ظروف اجتماعية متماثلة. لقد أصبحت سرديّة الكفاح الوطني، والعديد من صور التضحية والبطولات الفردية تُتناقل بين الأزقة والحواري، وكأنها رواية «أبو زيد الهلالي»، وصارت قصص وتفاصيل الاعتقال والمطاردة مادة حديث يتندّر بها الفلسطينيون.
وأغلب الظن أن خَطْب الأحداث وجسامتها – آنذاك- هو العامل الرئيسي الذي نَحَتَ الشخصية الفلسطينية، وشَكَّل معالمها، وخلع عليها من القيم ما جعلها قادرة على الصمود والثبات والتحدي، حتى أصبحت محط احترام وتقدير العديد من شعوب العالم. ويبدو أن تلك القيم قد اختفت وتبخرت مع انتهاء الانتفاضة..! وتسللت إلينا عندئذ قيم النفاق، والمصلحة الشخصية، والأنانية، والفردية، والتزلف، وعدم تقبل الآخر، حتى تمكّنت تلك القيم الفاسدة منا، وأنهكت مجتمعنا، ونخرت في جسده بلا رحمة. وتلاشى دور الرواد من جيل الانتفاضة تحت وطأة السياسة وتداعياتها، حينما هبط معظمهم عن الجبل باحثين عن الفتات من غنائم السلطة، وغاب، أو غُيّب، أبطال الانتفاضة ورموزها عن ساحة الفعل الحقيقي، أو هم غيبوا أنفسهم طواعيةً وتواروا عن المشهد، ولم يعُد لهم دوراً يُذكر في العمل العام سوى النذر اليسير. لذلك فإننا، اليوم، بحاجة لانتفاضة جديدة! لكنها مختلفة هذه المرة، انتفاضة على الذات الفلسطينية نفسها؛ للتحرر من عبودية «الأنا» العُليا، التي تملّكت كل فرد فينا، حينها فقط سيعود جيل الانتفاضة فاعلاً ومؤثراً، وفارضاً حضوره وقيمه.