تاريخ النشر: 2015-12-07 | 10:28
عبدربة والصحفية تغريد سعادة
تاريخ النشر: 2015-12-07 | 10:28
عبدربة والصحفية تغريد سعادة
أمد/ رام الله - تغريد سعادة: متحف محمود درويش، صرح ثقافي لامع، يليق باسم الشاعر الفلسطيني الراحل. استطاع المتحف خلال عمره القصير الثلاث سنوات ان يرسخ اسما في عالم الثقافة ويضع بصمة في مصاف المؤسسات الثقافية الفلسطينية والعربية الكبيرة.
هذا المكان اصبح مزارا يحرص على زيارته شخصيات سياسية وثقافية عالمية وعربية، وللفلسطينيين. يتحدث رئيس مؤسسة متحف درويش ووزير الثقافة الاسبق ياسر عبدربه عن فكرة المتحف والذي بدأ العمل بها بعد شهرين من وفاة درويش في التاسع من اغسطس عام 2008، بسبب ما لاحظه لما حصل للكثير من الشعراء العرب بعد وفاتهم كما حدث مع نزار قباني والجواهري وبعض الشعراء المصريين والذين ما ان تركوا الحياة خرجوا من الذاكرة.
ويقول عبد ربه في حديث خاص لـ" مجلة دبي الثقافية " في مكتبه برام الله، ان درويش شاعرنا الوطني الفلسطيني، وهو من سرد رحلة المأساة الفلسطينية وخلدها، وهو الذي عمق بعدها الانساني، وحتى يبقى حيا في الذاكرة الفلسطينية كانت فكرة المتحف. واعتبر ان الرسالة وصلت وحققت هدفها لان الاجيال الفلسطينية الجديدة يرددون اشعاره ومنها "سجل انا عربي" والتي لم يحبها كثيرا درويش لانه كتبها في بداياته كما يقول عبد ربه.
وقال ان من ساعده في البدايات لانشاء المتحف رئيس الوزراء الفلسطيني في حينها سلام فياض بشراء الارض وصديقه الشيخ عبد الله بن زايد والذي كان على علاقة صداقة بدرويش حيث ساعد بدعم بناء المتحف.
تصميم المتحف
وقال ان تصميم المتحف استغرق العمل فيه لما يزيد عن العامين، مشيرا الى انه وبسبب قربه من الشاعر درويش وعمق الصداقة كان يعرف تماما كيف يفكر وما يرغب ان يكون عليه التصميم، وقال عبد ربه "تدخلت بكل التفاصيل لان جزء مني كان يسأل درويش دائما عما يرضيه".
واشار الى مصمم المتحف المهندس جعفر ابراهيم طوقان الى ضرورة ان يجمع المبنى بين الحداثة والاصالة وهي التي تميز بها الشاعر درويش. ويقول اقترحت فكرة السلاسل الموجودة بالقرى ولكن بطريقة حداثية، وطلبت عدم وجود ضريح درويش بغرفة مغلقة بل مفتوحا لان درويش يحب الفضاء.
ويذكر عبد ربه بما كان يردده درويش، اثر الفراشة لا يُرى..اثر الفراشة لا يزول. ويضيف "كنت لا اريد ان يكون درويش اسيرا وليكن ضريحه مفتوحا للعامة وجزءا من المتحف، وكل من يزور المكان عليه ان يعبر الضريح."
ودرويش حسب عبد ربه لم يكن يحب الانعزال عن المجتمع والعالم لذلك أُلغيت الاسوار في المتحف، ولا يوجد سوى السور الخارجي للحماية اما في الداخل فكانت المساطب. ويضيف عبد ربه ان درويش كان يحب الاناقة الشديدة لذا صمم المتحف بأناقة ومن غير بذخ.
وحرصنا كما كان درويش دقيقا في تفاصيل حيانه في الاكل والشرب ومع العائلة ومع الناس، ان تكون كل التفاصيل في غاية التوازن. عبد ربه والذي امتدت صداقته بدرويش لاربعة عقود قال، كنت افكر بعقله وهو الذي طلب ان يكون على قبره زهور كما اوضح في احدى قصائده. وكان الهدف من فكرة وجود المسرح الداخلي والخارجي ان تصبح هذه المؤسسة حية وليس فقط ترعى ارث درويش.
جمع مقنيات درويش
ويقول عبد ربه بدأنا بعدها حملة واسعة لتجميع كل متعلقاته الشخصية والجوائز والاوسمة التي نالها وكتاباته القديمة والحديثة ومخطوط اعلان الاستقلال بخط يده والمطول قبل ان يتم اختصاره، وجمع ما ترجم عنه وكل ما له علاقة باللغة، لانه هو صاحب فكرة ان الارض تورث كاللغة.
وتم نقل مكتب درويش والذي رافقه من باريس الى عمان مع بعض اللوحات الخاصة المعلقة في مكتبه، وقال عبد ربه لقد حرصت على وضع جاكيت له على مقعد مكتبه في المتحف في اشارة الى انه لم يذهب وعائد بعد قليل. واوضح عبد ربه انه جمع من مؤسسات في الداخل الفلسطيني بعض كتاباته القديمة في الجرائد العربية في اسرائيل وحتى عام 1970. كما ان عائلة الراحل تبرعت بكل شيئ من اجل المتحف بما فيها كل الجوائز والاوسمة ومتعلقاته الشخصية وفنجان القهوة والركوة ونظاراته واقلامه واوراقه وصور قديمة من مراحل حياته.
صداقة دائمة مع درويش
يقول عبد ربه ان علاقتي مع درويش بدأت في بيروت منذ منتصف السبعينات وكنت وقتها رئيس الدائرة الثقافية في منظمة التحرير الفلسطينية، وازدادت العلاقة في تونس بعد خروجنا من بيروت عام 1982 وتحولت الى صداقة شخصية بكل معناها نخوض بالخاص والعام.
ويضيف عبد ربه ان درويش لم يكن انعزالي كما يعتقد البعض، وكان دقيقا ومنظما حتى انه ترك فواتيره وارقام الهواتف وكل متعلقاته منظمة بشكل دقيق. وكان له تقليد يومي، يصحو على الساعة التاسعة، ويشرب القهوة، ويجلس على المكتب ساعة حتى لو لم يكتب واذا كتب استرسل، بعدها يتوجه للقراءة وكان يقرا كل شيئ من المجلدات حتى صفحة القراء في بعض الجرائد لعله يكتشف مشروع شاعر. وعلى الغداء كان يحب ان يأكل عدد محدود من الاكلات ونوع واحد فقط في الوجبة، كان يحب الكفتة بالطحينية، وصينية الدجاج، والفاصولياء البيضاء باللحمة، وكانت افضل الاكلات له الكوارع والكبة النية الجليلية على طريقة اهله، وبدا يأكل السلطة في اخر عشر سنوات من عمره بعد ان اقنعه صديقه عبد ربه بها. كان ينام ساعة ونصف بعد الغداء ثم يكمل قراءاته.
ويصف عبد ربه الشاعر درويش انه كان انيقا ولكن متقشف، بمعنى انه كان يكون في قمة الاناقة ولكن عدد قمصانه وبدلاته ليس كثيرا. ويقول عبد ربه عن درويش انه عادة يرجع الى نصوصه التي كتبها واذا لم يعجبه يمزقها، وحسب ما نقل له درويش بأنه اتلف ثلث ما كتب في حياته لانه لم يرضى عنها. فدرويش كما يتابع عبد ربه كان دائما يحب ان يجدد في الاسلوب والمضمون. في مكتبته يقول تجد العجائب وكل انواع الكتب ومختلف الاصدارات للشعراء خاصة الجدد منهم. وكان يحب لعب الطاولة بعد الساعة السادسة كراحة له. وكان دائما يتناول العشاء خارج البيت. واكثر ما كان يكرهه الراحل الحديث مع اصدقائه عن الشعر. وكان دائما يستشير عدد محدود من اصدقائه بما كتب ويقرأه عليهم جديده. وقال عبد ربه ان درويش كان يعتبر السينما والرواية ارقى انواع الفنون ويضع الشعر في المرتبة الثالثة.
يتابع عبد ربه الحديث عن صديقه، وطوال اللقاء كان مبتسما، ويوحي اليك بان روح الراحل حاضرة حتى تملك منه الحزن حينما ايقن انه رحل، وذرفت دموعه حينها وقال "الحياة بالنسبة لي قبل درويش شيئ وبعده شيئ اخر، لقد اصبت بحالة كابة شديدة وان مرات احاول التغلب عليها". يفتقده في كل شيئ حتى بمستوى الثقافة الفلسطينية التي تراجعت بعد رحيله مشيرا الى ان الشعر ليس فقط الهام وان درويش كان يملك الموهبة والقراءة. يقول عن درويش انه كان يقرا بكثافة قبل ان يكتب عن اي شيئ وتحدث عن حادثة حصلت معه حيث طلب منه في احد المرات كتب من العراق تتحدث عن الاندلس وقال عبد ربه لقد احضرت له مجلدات عديدة تتحدث عن الاندلس وعكف على قراءتها ليكتب عشرة اسطر فقط عن الاندلس.
جائزة درويش
ودافع عبد ربه عن جائزة درويش مشيرا الى ان ثمة نظم تحكمها وهو اختيار مبدع او مثقف فلسطيني واخر عربي ودولي، وهناك لجنة تحكيم واعضاؤها من فلسطين ولبنان وتونس ومصر يتم تغير ربعها في كل سنة حتى يدخل التجديد لها ولا تكون جامدة. مؤكد ان الاعتبارات الجغرافية او السياسية لا تحكم الموضوع وعملها سري للغاية.
مخلصين
لم يكن المخلصين للشاعر الراحل فقط من اصدقائه المقربين، فسائق درويش نهاد الحاج محمد والذي رافقه طوال اثني عشرة عاما خصص له مكتب في المتحف، قال انه تواجد منذ حجر الاساس في المتحف وحتى الان حبا واخلاصا للشاعر، وبكل فخر يقول انه هو من زرع حديقة البروة – نسبة الى القرية التي ينتمي اليها درويش - حيث يقع ضريح درويش. واضاف في حديث خاص لـ "مجلة دبي الثقافية" انه زرع فيها الورود وشجرة الرمان والبرتقال التي احبها الراحل مشيرا الى انه كان يحب رائحة زهر البرتقال كثيرا. وان سيارة درويش بقيت له. وقدم محمد راديو للمتحف كان قد اهداه له درويش، وهو الراديو الذي رافق الراحل في محطات كثيرة من بيروت حتى رام الله عرفانا له.
منزل درويش في الواع في الطيرة في مدينة رام الله لا يزال على حاله يتم تنظيفه والعناية به ولكن تٌرك كما هو من اجل إلحقاه في المستقبل بالمتحف كما يقول الوزير عبد ربه.