تاريخ النشر: 2015-12-10 | 08:52
تاريخ النشر: 2015-12-10 | 08:52
" الخطورة في عصرنا الحالي هو قلة من يجرؤون على أن يكونوا مختلفين "
جون ستيوارت ميل
سيعارض هذا المقال كثيرون، بصرف النظر عن انتماءاتهم التنظيمية والسياسية، أما الانتماء الفكري فليس له وجود في العالم العربي ولعلي أعاني من غالبية ساحقة ترى العجب والغرابة في طريقة تفكيري. ستعارضني فتح، التي خطفت الانتفاضة العفوية من سكان جباليا، وأصبحت المنشورات تصلنا من تونس، لشيء أسموه " القوى الضاربة " التي كان لها باع طويل في قمع معارضي الانتفاضة والذين دمغ معظمهم بتهمة " الخيانة والعمالة "، ستعارضني الجبهة الشعبية التي تعشق الثورة كغاية أكثر منها وسيلة. ستعارضني حماس التي رأت في مراسم عزاء الشهداء فرصة ذهبية لممارسة تنظيم الشباب وتأطيرهم وفرصة لتكسير محلات بيع الخمور وفرض الثقافة الوهابية مقابل الريالات السعودية للجامعة الإسلامية. سيعارضني الجهاد الإسلامي الذي اختلف مع جميع التنظيمات على موعد انطلاق الانتفاضة فرأى أن طعن المستوطنين الأربعة يوم 6 / 12 / 1987 هو اليوم الحقيقي لبداية الأحداث. سيعارضني أصدقائي اليساريين الذين رأوا في جيفارا رمزاً للثورة ضد ظلم الاحتلال وجبروته. سيعارضني أولادي الذين تلقفوا ثقافتهم من مساجد غزة ومدارسها. خلاصة القول أنني بهذا المقال أخالف الشعب الفلسطيني بأسره ( يمينه ويساره )، ورغم كل ما سبق، فإن من حق كل إنسان أن يفكر بالطريقة التي يعتقد أنها مناسبة أو صحيحة، وعلى من يخالفني الرأي في هذا المقال أن يبرهن بالحوار الهادف والعلمي أنني على خطأ، رغم أن الحكم على وجهة نظر معقدة تخص القضية الفلسطينية والصراع المستمر منذ قرن لا يمكن أن يكون أبيضاً أو أسود، إيمان أو كفر، صح أو خطأ .. يقول لاغرانتش عالم الرياضيات الألماني، إن الإبداع هو ( كشف الأمر المختلف عندما يكون الشبه شديداً، أو كشف أوجه الشبه عندما يكون الاختلاف كبيراً )، ولهذا فإنني أطلب من القاريء الكريم أن يقرأ المقال أكثر من مرة لو أمكن قبل إصدار حكمه عليه.
سوف أطيل قليلاً في إيجاز أسباب الصراع في فلسطين، فمن المعلوم أن موجات الهجرة اليهودية الأولى كانت موجهة ومخططة، وأن الشعب الفلسطيني المسكين لم يلتفت إليها جيداً، لكن في مقالة لم تنشر للأديب والمفكر الروسي دوستويفسكي يوضح فيها أن اليهود في روسيا كانوا يتداولون اسم فلسطين كوطن موعود منذ نهاية القرن التاسع عشر ( تاريخ المقال هو 1887 م ). كانت الحركة الصهيونية قد نشرت مفهوم " قومي " للدين اليهودي، كما نشرت ادعاءاتها بأن " أرض الميعاد " الواردة في التوارة هي أرض " فلسطين " تحديداً، رغم أن الآثار في جميع أنحاء فلسطين تؤكد بأن مملكة إسرائيل التي قامت على أرض فلسطين قبل نحو 3000 عام كانت مملكة كنعانية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى !
حتى أن الأسماء المتداولة في عقيدة اليهود التي تضيف المقطع ( إيل ) تبرهن بصورة قاطعة على أن تلك المملكة لم تكون أكثر من حضارة كنعانية امتدت لأكثر من 6400 سنة. لاحظوا معي كلمات مثل ( إسرائيل / بيت إيل / آريئيل / .. ) كلها تعود لإله الخصاب عن الكنعانيين وهو ( إيل )، وحتى أسماء الملائكة التي وردت في التوراة مثل ( ميكائيل / إسرافيل / عزرائيل ) كلها تعود للإله الكنعاني ( إيل ) !!! ما هذا التزوير إذن ؟؟ وكيف تمكنت الصهيونية من إقناع ملايين اليهود بأن المتخيل الديني ( الأسطوري ) لأرض الميعاد يعني أن اليهود أقاموا دولتهم هنا واقعياً قبل ثلاثة آلاف عام ؟؟!
وبعيداً عن تاريخ الأديان والأساطير الكنعانية والبابلية والآشورية والفرعونية، فإن التاريخ الدامي لفلسطين بدأ منذ نكبة 1948 حيث قامت دولة الانتداب بريطانيا بتسليم العصابات الصهيونية أرض فلسطين بناء على وعد بلفور، مسنوداً بقرار التقسيم رقم 181 الصادر عام 1947 بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. اليهود عانوا من اضطهاد كبير في أوروبا، وبعد صعود النازية، دفع اليهود والشيوعيون والغجر والعلمانيين ثمناً باهظاً. لا أعلم لماذا يتم تهميش الفئات الأخرى من القوميات والانتماءات عند الحديث عن الهولوكست، فالاتحاد السوفييتي أو ( الشيوعيون ) فقدوا زهاء 18 مليون نسمة معظمهم مدنيين بفعل قصف الطيران الألماني. لم يكن اليهود وحدهم ضحايا العنصرية النازية، رغم أن الشعب الفلسطيني يدفع وحده ثمن العنصرية الصهيونية اليوم.
المهم أن إسرائيل قامت بصفة مشروعة في القانون الدولي ( قانون الأقوى )، ولما كان الحلفاء هم المنتصرون في الحرب العالمية، واليهود كانوا من ضمن الحلفاء، لهذا فقد تعاطفت الشعوب الأوروبية مع إقامة وطن قومي لليهود. ( يذكر كاتب روسي أن اليهود كانوا من حيث الأقلية الدينية يعتبرون في المرتبة 15 من حيث تعداد السكان، غير أنهم احتلوا المرتبة الخامسة من حيث الأوسمة العسكرية والحديث يخص يهود روسيا في الحرب العالمية الثانية ).
فلسطين كانت غنيمة اليهود، أو بالأحرى، غنيمة للصهاينة، إذ ليس كل يهود العالم يؤمنون بأسطورة أرض الميعاد. العرب لم يصوتوا ضد القرار، بل انسحبت المجموعة العربية ( 7 دول ) من القاعة، ثم أعلن الحاج أمين الحسيني بأنه ( إذا سقط القلم تكلم السيف ! )، وانطلاقاً من نعرة الشعور القومي المتضخم والمريض، تم رفض مبدأ تقسيم فلسطين وبالتالي رفض قرار قيام دولة إسرائيل، وأصبحت القوة وحدها هي الحكم والفيصل. في 15 مايو من العام 1948 هجمت العصابات الصهيونية على الفلاحين العزل والغلابا وارتكبت المذابح والمجازر والتطهير العرقي. هرب الناس وتركوا بيوتهم على أمل أن الدول العربية السبع ستحارب إسرائيل وتقضي عليها في اليوم التالي، وشاع بين الناس أن العودة هي الأسبوع القادم !!! في بداية الهجرة وفي مخيمات الشتات كان الناس يزوجون بناتهم بمهر هو قطعة أرض مطوبة داخل الأرض المحتلة، على اعتبار أن زمن العودة قد يكون هذا العام أو العام القادم على الأكثر !!
طيب لنتساءل: على ماذا استند العرب في رفضهم للتقسيم ؟! ولماذا خرج المندوبون العرب من قاعة التصويت ؟؟ والأهم، على ماذا استندت القيادة الفلسطينية في رفضها قرارات أممية مثل قرار التقسيم وقرار قيام إسرائيل ؟؟! هل العصي والخناجر والهراوات قادرة على مجابهة التسليح الحديث والهائل لعصابات مدربة خارجة للتو منتصرة من حرب عالمية ؟؟!
حتى الآن لم يسلط الفكر السياسي الفلسطيني الضوء على هذا الخطأ التاريخي للقيادة، وخطورة غياب التفكير الناقد، أن جميع القيادات الفلسطينية اللاحقة بدءا من الزعيم الراحل ياسر عرفات والدكتور جورج حبش ومن بعدهم الشيخ أحمد ياسين والدكتور فتحي الشقاقي، بلا استنثاء، قد تبنوا وجهة نظر الحاج أمين، وهي عدم الاعتراف بدولة إسرائيل، وضرورة القضاء عليها لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر ! اليابان أيضا هزمت في الحرب العالمية ولكنها سلكت طريقا مخالفاً لعقلية السيف العربي وهذا ما سوف نتطرق له لاحقاً.
لكن بعد نكسة ( أو هزيمة ) المشروع الناصري في 1967، وصلاة الشيخ شعراوي ركعتين شكر لله على هزيمة مصر، وبعد احتلال غزة والضفة والقضاء على جيوب المقاومة المسلحة، تم فتح حدود إسرائيل أمام سكان غزة بلا قيود تقريباً. لنعترف أن دولة الاحتلال كان لها أثرا كبيراً على تحديث الحياة في غزة، ففي السنوات من بعد 1974 ولغاية 1987 حدثت طفرة اقتصادية في قطاع غزة مرتبطة عضوياً بالتطور الرأسمالي الإسرائيلي، فتأسست مئات مصانع الحياكة التي شغلت أكثر من 50 ألف عامل، وانطلق العمال والصناعيون وأصحاب الحرف للعمل داخل الخط الأخضر. كان الناس يذهبون للترفيه داخل مدن فلسطين المحتلة أو ( إسرائيل )، وكان مطار اللد مفتوحاً بصورة كاملة أمام أهل غزة، فلم يكن هناك حجارة أو منع تجول أو شهداء أو جرحى أو معاقين أو منازل مهدومة أو منع سفر . بالعكس كان الناس يشعرون أنهم على وشك أن يصبحوا جزءاً متفاعلاً مع هذه الدولة، وبدل من أن تستغل منظمة التحرير التطور الاقتصادي الهائل في قطاع غزة، ( كان يدخل قطاع غزة كل أسبوع 10 مليون دولار )، قامت بتعبئة الناس لطريقة التفكير التقليدية نفسها .. عقلية السيف ومبدأ ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، رغم أنهم جميعاً لم يقولوا لنا، من أين سنحضر 300 رأس نووي، و 4500 دبابة، و380 طائرة إف 16 مطورة !
الناس لدى التنظيمات الوطنية والإسلامية لم يكونوا سوى دماء جاهزة للتدفق وأجساد جاهزة للدفن. لم يفكر أي تنظيم للأسف الشديد في حياة الناس تحت الاحتلال بحيث يتم اختيار التعايش السلمي والتطور الاقتصادي والتكنولوجي وحياة الرفاه والحرية ومقارنتها بالأوضاع التي نشأت بعد ممارسة العنف، منذ الانتفاضة الأولى. ما زال عقلي مندهشاً ومستغرباً وقلبي متألماً من مشاهد قتل الأطفال في المواجهات، حيث يبدو أن قضية تحرير فلسطين لم تعد قضية دول عظمى وتوازنات قوى إقليمية ودولية، بل أصبحت منوطة بأطفال الحجارة وشباب المليتوف، لكن أحداً من الشعب الفلسطيني لم يسأل هل تحرير فلسطين يجب أن يمر على جماجم الأطفال المساكين ؟؟ بالمناسبة الشعب الفلسطيني من ضمن شعوب العالم الثالث يلجأ لعمالة الأطفال وحرمانهم من اللعب والحياة الكريمة، فقط عليك بالتواجد عصر أحد أيام الصيف على شاطيء بحر غزة لتشاهد عشرات ومئات الأطفال الذين يبيعون أحلامهم البسيطة !
أول من أسس مفهوم " جنرالات الحجارة " و " أطفال الآر بي جي " هو الزعيم الراحل ياسر عرفات بعد حرب لبنان، وفي الانتفاضة الأولى، قام الشاعر الكبير نزار قباني بتكريم وتمجيد أطفال الحجارة في قصيدة ( يا تلاميذ غزة علمونا ) !
هل ننجب الأطفال لكي نستبعدهم للعمل بدل اللعب ؟ هل نرسلهم لقمة سائغة للرشاشات الثقيلة ؟؟؟ هل أطفال فلسطين ليسوا أطفالاً كباقي أطفال العالم ؟! وإذا كانت مصر والعراق وسوريا وهي دول كبرى، لم تستطع تحرير فلسطين، فهل يمكن للحجر أن يفعل شيئاً سوى زيادة الهم اليومي للناس ؟؟! حتى الآن عقلية السيف وقصائد عنترة وقصص الزير سالم تحشو عقول الناس بفروسية وهمية. نحن في الحقيقة ننتحر بالمجان منذ الانتفاضة الأولى ثم الثانية ثم ثلاث حروب، والنتيجة النهائية لأحداث " العنف الثوري " ؟؟! ضاعت الأرض وسحق الإنسان الفلسطيني وفقدنا جميع المكتسبات الاقتصادية ( زراعية وصناعية وتجارية ) التي تمتعت بها غزة ما قبل الانتفاضة الأولى. الحياة باختصار أصبحت عبئاً على أهل غزة والضفة. انتشر الجوع وتفاقمت البطالة وتم سجن 2 مليون بريء لا ذنب لهم سوى أنهم آمنوا بعقلية السيف والعنف.
من المهم أيضاً تفنيد ثورة الجزائر وفيتنام. تلك الأمثلة المفضلة لدى المثقف الشعبي الفلسطيني. فهل هي أمثلة صحيحة بالفعل ؟! لنرى.
أولاً: فيتنام
كانت فيتنام الشمالية بيد الثوار، وكانت حدودهم مفتوحة على الاتحاد السوفييتي والصين، أي أن الثورة الفيتنامية كانت مدعومة مباشرة من قوى عظمى ترى أن من واجبها رفع الظلم عن الشعوب، وبالفعل تمكن الفيتناميون من تحرير بلادهم من الاحتلال الأمريكي. لكن ما الذي حدث بعد ذلك التحرير ؟! أين الحريات ؟ أين الديمقراطية ؟؟ أين الأحزاب المختلفة ؟ أين المؤسسات ؟ أين الجامعات ؟؟ للأسف فشل الشيوعيون في إدارة المجتمع ووقعوا أسرى للجمود العقائدي تماما مثل الجماعات الدينية .. حتى اليوم فيتنام تحرث أرضها بالحمير والأبقار . فهل تحررت فيتنام فعلاً ؟!
ثانياً: الجزائر
لعل مثال الجزائر يتكرر بشكل أوسع من مثال فيتنام. يا جماعة كل الحركات القومية التي ناضلت ضد الاستعمار لم تكن حركات تحرر اجتماعي أو ثقافي، بل كانت تقوم أساساً على العصبية القومية والعداء للأجانب ليس إلا، بدليل أن الأنظمة التي قامت بعد التحرير كانت أنظمة فاشية همجية قمعية لم تحترم العلم ولا الإنسان، وبدلاً من بناء مجتمع الحريات الفكرية والسياسية والاجتماعية، قامت ببناء أجهزة مخابرات وسجون وزنازين، فمكث القذافي 40 سنة كقائد عبقري ملهم ومثله مكث صدام حسين وعبد الناصر ومبارك والملوك في الأردن والمغرب والخليج. جبهة التحرير لم تحمل أي برنامج للتحرر الاجتماعي والثقافي، ومثلهم حزب البعث في العراق. وماذا كانت نتيجة غياب التحرر الاجتماعي والثقافي والاحتفاظ بعقلية السيف وقصص الزير سالم وعنترة ؟؟؟ بعد انهيار حزب البعث في العراق تحول الحزب إلى تنظيم القاعدة، وتحول البعث السوري إلى داعش وجبهة النصرة، بينما أورثنا الناصريون فكر سيد قطب والإخوان الملسمين، تماماً مثلما انتهت إليه الحركة الوطنية الفلسطينية بتحول الناس من منظمة التحرير إلى حركة حماس اعتقاداً منهم أن حماس " الثورية " سوف تقضي على فساد فتح والسلطة، علماً بأن الفساد في منظور حماس لم يتجاوز بيع الكحوليات والمشروبات الروحية، أما الاعتداء على المال العام ونهبه فهو من حقوق الخليفة في الإمارة " الراشدة " ولم تعتبره حماس فساداً من الأصل !
لا مثال فيتنام ينطبق علينا بوجود دولة عظمى حدودية معنا، ولا مثال الجزائر يعد تحريراً بمعنى الكلمة، ويكفي أن أشير إلى فوز جبهة الإنقاذ الإسلامية ب 90 % من أصوات الجزائريين عام 1990 ليعود التاريخ إلى الخلف 1400 عام !!! لقد خسر الشعب الجزائري أكثر من 200 ألف بريء بفعل الإرهاب السلفي الجهادي في التسعينات، وهو ما يؤكد أن الجزائر تحررت من فرنسا، لكنها لم تتحرر من قوى التخلف والظلام.
--------------------------------------------------------
الآن باقتضاب سوف نناقش ما حدث في اليابان وشرق آسيا، حيث خسرت اليابان المعركة مع دول المحور ( اليابان / ألمانيا / إيطاليا ). إمبراطور اليابان وبعد أن أفجعته مشاهد القتل في هيروشيما ونكازاكي وقد وثيقة الاستسلام، لكن لتبدأ اليابان " المحتلة بالوصاية الأمريكية " عهداً جديداً. لم يمتلك اليابانيون قصائد عنترة ولا حكايات الزير سالم، رغم اعتزازهم بسيف المقاتل السموراي من ناحية تراثية أو فلكلورية، لكنهم امتلكوا عقلاً فريداً متميزاً، قرروا ببساطة أن ينهضوا بالاقتصاد والعلم وتطوير الصناعة، فأرسوا قواعد الديمقراطية وفصلوا بين السلطات ولحقت اليابان منذ ذلك الوقت بالنهضة الصناعية التي بدأت في أوروبا بل ونافست القارة الأوروبية في إنتاج التكنولوجيا وتمكن اليابانيون من بناء واحد من أقوى الاقتصاديات في القرن العشرين. لم يفكر اليابانيون بامتلاك قنبلة نووية للانتقام من أمريكا، بل إن مفردة ( الثأر ) غير موجودة في اللغة اليابانية !
توجد على أرض اليابان ومنذ توقيع الاستسلام قواعد أمريكية بها حوالي 35 – 50 ألف من مشاة البحرية الأمريكية، وكان من ضمن شروط الاستسلام أن تقوم حكومة اليابان بدفع رواتب جميع الجنود والضباط.
الشعب الياباني شعب راقي ومتحضر ولا يميل إلى العنف والسيف والخيل والليل، ولا زال اليابانيون يعيشون في دولة بها من الرفاه ورغد العيش ما كان متحققا في غزة ما قبل الانتفاضة الأولى، قبل أن تقحم منظمة التحرير التي لم تراجع تفكيرها ومنطلقاتها حتى بعد هزيمة بيروت التي قيل بأنها كانت نصراً .. قياساً على حروب إسرائيل الخاطفة ضد الدول العربية. الشعب الياباني لم يطعن ولم يدهس ولم يفجر ولم يفخخ، بل تواضع وتعلم وتقدم وتم القضاء على الفقر والأمية.
لقد تجاهلت أدبيات الثورة الفلسطينية تجربة غاندي في الهند وتجربة مانديلا في جنوب أفريقيا، رغم أن التجربتين قريبتان من الحالة التي يعيشها الشعب الفلسطيني لا سيما وضع الأبارتهايد ومعتقلات وجيتوهات غزة ومعازل الضفة.
الخلاصة:
1- نحن أكثر شعب يفكر في سلوك طريق العنف رغم عدم امتلاكنا في الواقع لأدواته، فنحن شعب أعزل، أما الصواريخ البدائية الصغيرة التي تمتلكها المقاومة في غزة فضررها أكبر من نفعها حيث قصفها يفسر بأنه اعتداء على المدنيين الإسرائيليين، أي أن المقاومة قد خسرت المعركة الإعلامية.
2- يجب إلغاء الشعر الجاهلي وقصص البطولة الخارقة للفرسان والفاتحين من المناهج، وتقرير ونشر نوع جديد من الفتوحات، وهو الفتوحات العلمية التي لا نشارك فيها، مثل غزو الفضاء وأبحاث مكافحة السرطان والأمراض المستعصية بعيداً عن الدجل والخرافات. فتوحات جراحة الليزر وزراعة الأعضاء وصناعة القلوب بتنكولوجيا النانو.
3- يجب إلغاء العنف كمبدأ بصورة نهائية لأن نتائجه الكارثية باتت أكبر بكثير من قدرة شعبنا على تحملها، وينبغي احترام حقوق الطفل الفلسطيني، إن لم يكن تطبيقاً للمعاهدات الدولية، فتطبيق لأبسط مباديء حقوق الإنسان. حقهم في تعليم نوعي حديث. حقهم في اللعب والتفكير الوجودي دون خوف أو رعب.
4- يجب إلغاء مناهج تاريخ الحروب وما يسمى بالفتوحات ( الأموية والعباسية )، وتقرير تاريخ الاكتشافات العلمية من فيزياء وطب وفلك وأحياء وكيمياء. يجب الدخول سريعاً في نهضة علمية، وهذا غير ممكن بدون تحديث المناهج بعيداً عن الحفظ والتقين نحو التفكير الناقد والإبداعي. في هذا السياق لابد من التذكير بضرورة القضاء على الفساد والبيروقراطية في جهاز التعليم.
5- المناهج الحديثة يجب أن تبتعد عن ثنائية ( صح أو خطأ / مؤمن أو كافر / أبيض أو أسود ) فالحياة وتعقيداتها وتنوعها أكبر بكثير من هذه الثنائية الساذجة. أظهرت دراسة بريطانية حديثة بأن 48.8 % من مقاتلي داعش هم من أصحاب التخصصات العلمية وليس الإنسانية، ولهذا يجب التفكير في أنسنة مناهج العلوم والرياضيات.
6- يجب تقرير مواد الفنون الجميلة من موسيقى وغناء ورسم ونحت كونها وسائل تعبير إنسانية ترتقي بالوجدان والنفس والروح. الفنون الجميلة واحدة من أهم وسائل التعبير الرمزي، ولعلي أشرت من قبل أن إلغاء الفنون وعدم وجودها كمواد تعليمية في مدارسنا يزيد من ظاهرة التوحش والعنف الذي يصبح بديلاً لانعدام الفرصة في حرية التعبير.
7- إن التخلي عن العنف وعقلية السيف وخيال الفتوحات والغزوات سيجبر إسرائيل على اتخاذ إجراءات مماثلة، وبهذه المناسبة أفضل أن نعيد التفكير في تبني استراتيجية دولة ديمقراطية واحدة، فالإسرائيليون متقدمون جدا، رغم عقم متدينوهم العقائدي وعنصريتهم القذرة. لكن الفكر العنصري الصهيوني هو مجرد فكر مبني على أساطير وخرافات يمكن مقاومتها بالأبحاث العلمية والفلسفة والمنطق وليس بالحجارة والسكاكين والدهس.
أخيراً، كل ما أرجوه عزيزي / تي القاريء / ة أن يتم نقاش جوهر هذا المقال ونشره على أوسع نطاق فلسطيني وعربي. أين أصبت وأين أخطأت ؟؟! يقول الفيلسوف بيرتراند راسل ( لن أموت في سبيل قناعاتي، فقد أكون مخطئاً )، وكاتب المقال أعزائي يعتقد أنه يخطيء، ولكن قد أرهقني الألم بسبب كثرة الموت والدم في بلاد " خلقت للسلام وما رأت يوماً سلاماً " !
دمتم بخير