الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

في ذكرى رحيل سميح القاسم…شعبٌ يبحث عن طريقٍ يمشيه منتصب القامة

في ذكرى رحيل سميح القاسم…شعبٌ يبحث عن طريقٍ يمشيه منتصب القامة

تاريخ النشر: 2026-08-18 | 11:27

وليد العوض
وليد العوض

في منتصف شهر أيلول/سبتمبر 2024، حين كانت العمارات تتهاوى، والأشجار تُقتلع من جذورها، والدبابات تجوب بعض شوارع مدينة غزة، وكانت الجرافات تلتهم الضحايا وتخلط أشلاءهم بركام البيوت المدمرة والسيارات المحترقة بفعل حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة ، اختلست، رغم الخطر، لحظات مرعبة للتسلل إلى بقايا البيت الذي ما زال يحتفظ، رغم كل شيء، بشيء من رائحتنا وذاكرتنا في جنوب غرب تل الهوى.

لم أذهب يومها بحثاً عن شيء من أثاث البيت أو مقتنياته. ذهبت إلى غرفة المكتب، أو ما تبقى منها، أبحث بين رفوف مكتبتي المتطايرة عن بعض الكتب والروايات؛ كتب أستعيد بها شيئاً من توازني، وأعيد بها تغذية الدماغ قبل أن ينفجر تحت وطأة ما نرى ونعيش.

كانت الكتب مكسوة بالغبار والتراب، يعلوها الزجاج المتناثر والشظايا، وتمزقت صفحات بعضها بفعل الرصاص والقصف والتدمير الرهيب. وبين تلك الكنوز التي نجت بأعجوبة، وجدت كتاباً بقي شامخاً للشاعر الكبير سميح القاسم، بعنوان «إنها مجرد منفضة».

كان الكتاب يحمل إهداءً بخط سميح، أهداني إياه بعد صدوره خلال لقائنا في المغرب عام 2011، في مؤتمر لدعم قضية الأسرى. نفضت عنه الغبار، وضعته بين أضلعي، وحملته معي، إلى جانب بعض المعلبات التي كانت تعيننا على البقاء في زمن المجاعة والحصار.

لم يكن الكتاب يومها مجرد كتاب. كان أشبه برسالة نجت من القصف، ووصلتني في اللحظة التي كنت أكثر ما أحتاج فيها إلى صوت سميح.

جلست، وسط الخراب، أقلب صفحاته. وراحت كلماته تأخذني بعيداً عن هدير الطائرات والدبابات، إلى زمن آخر، وإلى جيل من العظماء الذين حملوا فلسطين في الشعر والكلمة والموقف، وظلوا متمسكين بها حتى النهاية.

ومن بين السطور، استوقفتني عبارته عن أولئك الذين آمنوا بأن الموت في الوطن أفضل من الحياة في الغربة. تذكرت جده حسين القاسم، الذي قالها ومات في الرامة الجليلية، وتذكرت سميحاً نفسه، الذي ظل حتى رحيله في التاسع عشر من آب/أغسطس 2014، متمسكاً بالأرض والوطن والهوية، رافعاً صوته في وجه النفي والاقتلاع.

وفي لحظات الخطر ومعانقة الموت، كانت تحضر كلمات سميح:

«أنا لا أحبك يا موت.. لكنني لا أخافك.. وأعلم أن سريرك جسمي، وروحي لحافك.. وأعلم أني تضيق عليّ ضفافك».

اليوم، وبعد اثني عشر عاماً على رحيله، تبدو كلمات سميح أكثر حضوراً من أي وقت مضى.

لم يكن سميح القاسم شاعراً يكتب فلسطين من خارجها، بل كان واحداً من الذين جعلوا من البقاء فيها فعلاً من أفعال المقاومة، ومن اللغة وطناً، ومن القصيدة سلاحاً في مواجهة الاقتلاع والنسيان.

وحين كتب:

«مرفوع القامة أمشي»

لم يكن يعرف، ربما، كم ستحتاج فلسطين إلى هذه العبارة بعد رحيله.

فها هو الشعب الفلسطيني، رغم كل ما أصابه، ورغم حرب الإبادة والدمار والاقتلاع والموت، ما زال يحاول أن يمشي.

قد تنحني الظهور تحت ثقل الركام، وقد تثقل الخطى تحت وطأة الجوع والفقد والنزوح، لكن الروح الفلسطينية لم تنحنِ.

رحل سميح القاسم في التاسع عشر من آب/أغسطس 2014، وترك خلفه قصيدةً وشعباً يعرفان كيف يمشيان في الطريق الصعب.

وفي ذكرى رحيله، أتذكر ذلك الكتاب الذي عثرت عليه شامخاً في ركام مكتبتي، وبقي صامداً رغم ما أصابه من ضرر بالغ في تل الهوى. وأتذكر يده وهي تمتد به إليّ في المغرب قبل خمسة عشر عاماً.

كان سميح قد رحل، لكن كتابه بقي.

وبقيت كلماته.

وبقي الوطن.

وبقي شعبه، رغم كل شيء، يمشي.

سلاماً لسميح القاسم في ذكرى رحيله.

وسلاماً لكل الذين رحلوا وهم يعرفون أن الوطن، مهما اشتد الألم فيه، لا يُستبدل بالغربة.

وسلاماً لغزة التي ما زالت، وسط الركام، تبحث عن طريقها كي تمشي… منتصبة القامة.

×
أخبار
سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط