لم يكن، في أي لحظة، وحيدا. كان معه شعب يتنفس من رئتيه وينبض في قلبه وينطق بلسانه، وكانت معه شعوب الأرض ومستضعفوها.
لكنه، كان واحدا.. واحدا لا يتكرر، ولا يشبهه أحد.
أحكي عن ختيارنا الذي في السماء، أبو عمار الذي رحل، ولم يغب، قبل عقد وسنة من الزمن الفلسطيني الصعب.
كان ياسر عرفات قائدنا ورائدنا وصانع هويتنا الوطنيىة، وما زال هذا الثائر الأبدي يقودنا من ضريحه في رام الله.. وما زال حيا فينا، نراه في المخيم وفي المدينة وبين زيتون البلاد، يراوغ الموت ويخدعه ويظل حاضرا في انتصارنا وفي انكسارنا، في أفراحنا القليلة وفي أحزاننا الطاغية.. وكأنهم ما قتلوه ولكن شبه لهم.
عشت في زمن عرفات، ورأيت بعيني كيف يصير الانسان قضية، وكيف تصير الكوفية خريطة وطن، وكيف يصير الوطن كبيرا رغم ضيق الجغرافيا وكريما رغم الحصار.
وأعرف ما الذي يعنيه الفقد الموجع، وأنا أعيش في زمن الانقسام والوطن المختصر في اتفاق سلام وهمي وبائس، وفي زمن تقديس التنسيق الأمني مع من قتلوا عرفات في المقاطعة، ويقتلوننا الآن في كل الشوارع والأزقة في بلادنا المقاطعة عربيا وإسلاميا إرضاء للتوراتيين في تل أبيب وواشنطن.
وعشت في زمن رفاق عرفات، ورأيت بعيني كيف يٌسقط أبو إياد مبادرات الدول والكتل، والتسويات الدولية المريبة، وكيف يستخف ببيانات القمم العربية التي تحث على الحل بأي ثمن لكي تتمكن من التطبيع العلني مع اسرائيل شرطي المنطقة وضابط الايقاع في الأوركسترا الأمريكية في شرق المتوسط.
وأعرف ما الذي يعنيه القهر والإحباط، وأنا أعيش في زمن السلطة الوهمية في إدارة الوطن المحتل، وفي زمن المفاوضات اللامنتهية والتنازلات المعيبة التي تجود بها السلطة وحلفاؤها العرب لكيان العيب التاريخي المسمى اسرائيل.
هل غاب عرفات حقا؟
اسألوا أهل البلاد واسألوا أهلهم في الشتات. إسألوا تلميذات المدارس الابتدائية في القدس، واسألوا أمهاتنا في غزة، واسألوا من يحملون السكاكين المقدسة في الضفة.
اسألوا حفيدتي اللتين ترتديان اليوم كوفية الختيار، واسألوا جدران بيوتنا المزينة بصورة القائد.
هل مات عرفات؟
يقول الأطباء والسياسيون ورجال الأمن ورجال الأعمال ووكلاء الاسمنت والباحثون عن الضوء في عتمة المناصب إنه مات.
سنصدقهم، لكن من يعرفون الختيار حقا يؤمنون بأن الميت أبقى من الحي.