تاريخ النشر: 2023-01-06 | 17:39
تاريخ النشر: 2023-01-06 | 17:39
قبل شهرين عقد قادة العالم مؤتمرا في مصر- قمة مناخ- وسط توترات جيوسياسية وازمات سياسية دولية حادة وتأثير يفاجيء البشرية باهوال فاجعة في اكثر من مكان وتحولات في الطقس وتوزعه.. ولكن لماذا يغيب هذا الموضوع الخطير عن النخبة المثقفة العربية ولا يحوز من اهتمامها قسطا من الانتباه بل لقد مر المؤتمر وما نتج عنه وما ينبغي ان يقرأ منه دون الحد الأدنى من الاهتمام وظل السياق العام للاهتمام العربي سياسي مباشر بخطاب يفتقد التعمق فيما يحصل في العالم بالذات في ملف المناخ.. لاسيما والعرب سيكونون اكثر من تجري عليه نتائج التغير المناخي..
ذوبان ثلوج القطب الشمالي ماذا سيفعل بالعالم واي دور له في رسم خرائط النفوذ والنظام الدولي المستقبلي.. فتغير المناخ يذيب خليج جليدي صمد 900 عام كما تتحدث مراكز الأبحاث عن تراجع الكتل الجليدية بشكل غير مسبوق وان ارتفاع الحرارة في القطب الشمالي وصل4 أضعاف المتوسط العالمي؟ هذا هو احد أوجه المسألة والتي ينطق وجهها الاخر عن تولد واقع صراع حيوي بين القوى العالمية حيث سيكشف التغير المناخي عن ثروة هائلة لن يتسنى لاحد الحصول على شيء منها الا لاولئك الكبار الروس والامريكان والصين.. بمعنى او اخر ان المتسببين في انهيار المناخ بمصانعهم وما ينبعث منها هو انفسهم من يتحرك للاستفادة المجنونة.
شكل العالم يتغير..
تفكك الجليد وتغير حركة المناخ وزوبعة الأعاصير والفيضانات المفاجئة وتبدل الطقس في العالم تتسارع بوتيرة عالية فلقد شهدت العقود القليلة الفائتة ارتفاع غير مسبوق على سلم التغير المناخي من مئات السنين.. وهذا من شانه إزالة مدن مجاورة للبحار بهدوء او عنف وانشاء واقع اخر يضرب بعمق استقرار شعوب واقتصادات متوسطة وضعيفة ولنضرب مثالا في الولايات المتحدة الامريكية فخليج "مين" المتجمد والواقع على المحيط الأطلسي على الساحل الشرقي من ولاية ماساتشوستس ينهي صمته الجليدي ويتجه الى الحركة بعد ذوبان بفعل حرارة تضرب الأرض في المنطقة بارتفاع وتيرتها الى اضعاف مضاعفة وهو ما كشف معدل الذوبان المهول الذي تعرضت له هذه المنطقة في القرن الماضي.. وتبرز بصمات التغير المناخي في أمريكا التي تضربها العواصف والفيضانات بعنف وتزايد منذ عدة سنوات في حين ان هناك ولاية أمريكية تودع العشب الأخضر للأبد.. وسبق أن حذر علماء في دراسات سابقة، من أن هذه المنطقة من قارة أمريكا الشمالية تتعرض للتأثر بالحرارة نتاج التغير المناخي أكثر من أي مكان آخر في العالم.
وفي احصائيات قامت بها مراكز بحث أمريكية مختصة –شركة غاي كارينتر- تفيد ان التغير المناخي يكلف شركات التأمين 112 مليار دولار في 2022.. وأوضحت الشركة الأمريكية أن هذا الرقم جاء مدفوعا بتأثير إعصار إيان الذي ضرب فلوريدا في الولايات المتحدة في وقت سابق من العام السابق. وأشارت إلى أن الخسائر المتوقعة لا تشمل تأثير الكوارث الطبيعية الأخيرة في ديسمبر/ كانون الأول الحالي...وساهمت توابع ظاهرة التغير المناخي مثل الفيضانات والبرد في أوروبا والفيضانات الأسترالية والعواصف الشديدة في الولايات المتحدة في زيادة حجم التعويضات التي تتكبدها شركات التأمين.
والتهديد الذي يبعثه التغير المناخي يطال استقرار مدن فكما ورد فان هناك مدن عربية ساحلية ستؤول الى زوال وان هناك ازمة مياه قادمة كما ان تغيرات عميقة ستطال الاقتصادات البدائية في الدول النامية..
ملف النتائج الكارثية الناجمة عن التغير المناخي ينبغي افراد ملف خاص بها كما انه ينبغي افراد ملفات عديدة عن الأسباب المباشرة وغير المباشرة في إيجاد هذا التغير والذي تشير الأبحاث في معظمها انه احد نتائج النهضة الصناعية المتغولة والاستغلال الجشع للطاقة ماينشأ عنها من انبعاثات حرارية..
الاستثمار في الكوارث:
.. ولقد صنع هذا الواقع الجديد الاخذ في التوسع مناخات جديدة للصراع والتنافس الذي سيترتب عليه وقائع كونية جديدة.. هكذا يفتح العالم عينيه على ساحة صراع قد تكون هي الأخطر حتى الان هناك في صراع يكشف بلا مواربة حجم التنافس الاقتصادي والاستحواذي لكل من الصين وروسيا والولايات المتحدة.. مما يعطي الافتراض بتغير النظام الدولي القائم الى نظام دولي يقوم على توزع القطبية السيادية مبررات جديدة ووقائع اكيدة وقد يعطي التنازع محفزات جديدة، وذلك في خضم الصراع الدامي على أوكرانيا التي تلفها نار الحرب منذ ما يقارب السنة..
تتربص كل من الدول الثلاثة للتغيرات الطبيعية والسياسية سواء فكما هو الانشغال على مسرح السياسة المباشر فهناك انشغال بما احدثته التغيرات المناخية في المنطقة القطبية مع ظهور ممرات مائية تسهل الوصول اليها بعد ان تعرضت المنطقة الى ارتفاع في درجات الحرارة مما يعني مزيدا من الممرات المائية التي ستمنح حركة السفن الحربية والتجارية فرصة حقيقية الامر الذي دعا وزبر الخارجية الامريكية لتعيين سفير متجول مهمته التعامل مع دول القطب الشمالي وذوي الصلة به وذلك مباشرة بعد تحذيرات اطلقها الأمين العام لحلف شمال الاطلسي.. على اعتبار انها تتمتع بأهمية استراتيجية للولايات المتحدة..
ومن جهة أخرى فان روسيا كانت سباقة في التحرك لقربها من القطب الشمالي وقامت مؤخرا لتعزيز وجودها بالقرب منه بغواصات وطائرات حربية و تقوم برصد الحركة حوله على مدار الساعة وترى روسيا في هذا العمق تعزيزا اقتصاديا يمنحها فرصة الضغط على الاقتصاد الرأسمالي وان يقفز بذلك الاقتصاد الروسي الى مرحلة متقدمة تكسر الطابو الأمريكي وهذا ما لاحظه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرج الذي صرح خلال زيارة له الى كندا: " تتزايد أهمية الدائرة القطبية الشمالية لحلف شمال الأطلسي ولكندا لأننا نرى تعزيزا عسكريا روسيا كبيرا هناك يتمثل في قواعد جديدة ومنظومة أسلحة جديدة".. ومن جهتها تواصل الصين انشاء محطات تنقيب في القطب الشمالي تتطور يوما بعد يوم وتتوسع في مهماتها ونشاطها.
ولكن يجب الانتباه ان المشكلة بدأت مبكرا بين روسيا والنرويج في منطقة القطب الشمالي حيث كانت النرويج دوما تعترض قوافل الامداد الروسي الغذائي الى الروس المقيمين في أرخبيل سفالبارد مما صنع مشكلة دبلوماسية بين البلدين صوحبت بتحذير روسي شديد اللهجة للنرويج التي تدفع بسلوكها العدائي الى إجراءات انتقامية قد تقوم بها موسكو ضد اوسلو
ووفق صحيفة دبلي اكسبرس البريطانية فان المنطقة غنية بالموارد التي تم تقديرها بما يقارب 27 تريليون جنيه إسترليني اسفل تضاريس القطب الشمالي.. وهكذا تصبح ساحة التنافس الدولي بين الأقطاب الثلاثة.
الحشد الأمريكي الروسي في المنطقة:
تتعامل روسيا مع الملف بأهمية قصوى على اعتبار انه يدخل في الامن الاستراتيجي والامن القومي والمخزن الحقيقي الذي تتكيء عليه الخطة الروسية لمستقبل دورها الدولي وعلى ذلك بنت عقيدة بحرية جديدة لتعزيز حضورها في القطب الشمالي وهذا يعني بوضوح تقوية الحضور البحري من خلال دعم اسطوليها في الشمال والمحيط الهادي.. وبناء قواعد جوية عسكرية إضافة لتلك التي كانت قائمة ابان العهد السوفيتي مزودة بشبكات اس 400 حسب ما جاء في صحيفة اكسبرس البريطانية.
من هنا جاءت حرب أوكرانيا لتكشف احد ابعاد العملية الخفية.. حيث اسرع أعضاء مجلس القطب الشمالي " كندا والدنمارك وفنلندا وايسلندا والنرويج والسويد والولايات المتحدة" الى الإعلان عن وقف تواصلها وتعاونها مع الروس فيما يخص ملف القطب الشمالي
أما الولايات المتحدة الامريكية فوفق صحيفة لوس أنجلوس تايمز، فإن الجيش الأمريكي في وضع غير مؤات إلى حد ما لمجاراة التعزيز الروسي في المنطقة. ووفقًا لماثيو بوليج، الباحث في مؤسسة "تشاتام هاوس"، وهو معهد سياسي مقره لندن، "تشعر موسكو أن لديها موقع قوة نسبية في القطب الشمالي، مما يعني أنها تسعى بوضوح للحصول على أرباح من تفوقها العسكري المتصور".
ومن هنا فيمكن النظر الى الحرب في أوكرانيا على انها في احد ابعادها عملية استنزاف قوة يقصد منه استنفاذ بعض قدرات روسيا في القطب الشمالي
وبحسب لوس انجلوس تايمز فان الأخطر يتمثل في افتقار الولايات المتحدة للوجود المستمر واستعدادها المحدود للعمليات التكتيكية في القطب الشمالي، مما قد يمثل تحديات للتعامل مع الصراع العسكري في المنطقة.
ووفق الصحيفة نفسها، لا تزال أجزاء كثيرة من الجيش الأمريكي تتعلم (أو تتعلم) كيفية العمل في القطب الشمالي. لكن تتعرقل الجهود بسبب الطقس القاسي، وسوء الاتصالات الناجم عن نقص الأقمار الصناعية القطبية والتداخل الجوي، والمعدات التي لم يتم تحسينها لدرجات الحرارة المتجمدة والقدرة المحدودة في الاعتماد بسلاسة على شركاء القطب الشمالي بسبب استمرار عدم قدرتهم على العمل جنبًا إلى جنب مع بعضهم البعض.
نحن والمناخ والهيمنة:
من الواضح اننا إزاء عالم يتجه سريعا نحو إعادة التشكل ولعل الامبراطوريات الكبيرة تعاني من صعوبة التوازن في مواجهة الأعاصير السياسية والطبيعية.. ولكن ليس سهلا ان تنتهي بضربة قاضية انما هي التراكمات والنزف المستمر الذي يحول ولايات الى مناطق منكوبة ويسطو على قطاعات اقتصادية بعنف كمؤسسات التامين التي تعتبر احد ركائز النظام الراسمالي..
اما نحن فلا يبدو علينا ما يكفي من قلق وتخوف مما سيحمله المستقبل فلقد نشرت دراسات غربية عن واقع بعض مدننا المهددة ولكن الأخطر كيف نتعامل مع الموضوع جملة في القطب الشمالي والى اين سيسير وفي أوكرانيا وعلاقتها بذلك أي علينا توسيع بيكار رؤيتنا لكي نعرف بالضبط أي برامج علينا تبنيها واي ثقافة علينا نشرها..؟
فلسطين والنهضة والوحدة أصبحت تلح علينا بقوة في ظل الوضع الدولي الحالي .. فلا مكان في العالم للجبناء والمترددين.. فإسرائيل أصبحت عضو زائد في المنطقة بل في الاهتمام العالمي ولقد استنفذت مهماتها الاستراتيجية الوظيفية وأصبحت فلسطين حقيقة تتوافق مع التغيرات الكونية بشكل عملي وواقعي اما النهضة والوحدة فلعل الجميع يدركون الان ان لا امل في استمرار الدولة الوطنية الا بالتعاون والتكامل العربي لمواجهة الجشعين في العالم والطامعين في الإقليم..