تاريخ النشر: 2018-12-04 | 10:17
تاريخ النشر: 2018-12-04 | 10:17
ما حدث في فرنسا قبل يومين من احتجاجات شعبية تميزت بعنف غير مسبوق كان مظهره الصارخ الفوضى والاضطراب وكسر لابواب محلات تجارية وتصدي لرجال الشرطة وكل ذلك بسبب زيادة الضرائب على أسعار المحروقات وعلى مجمل سياسات الرئيس ماكرون التي طالبته الجموع الشعبية الثائرة الغاضبة على الاستقالة وحل الجمعية الوطنية أي البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة لإصلاح النظام السياسي الذي يوصف بالفساد الإداري .... الاحتجاجات الشعبية هذه دليل على الأزمة التي تعيشها حضارة القمع الغربية الرأسمالية بشكل عام وهي أزمة تشمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية ايضا حيث من مظاهر هذه الأزمات المتداخلة أن التعارضات الثانوية في الدول الراسمالية تتحول حسب القوانين التي تحكم النظام الرأسمالي العالمي إلى تناقضات تضج مضاجع السلطة السياسية إلبرجوازية الحاكمة وذلك كلما تحررت دول العالم الثالث من علاقات التبعية بكل أشكالها .. في القارة الاوروبية فرنسا تعتبر هي أسبق الدول الرأسمالية في تنظيم الاحتجاجات الشعبية دائما على ما يحدث من مساوىء تطال كما هو الحال المصالح الاجتماعية للعديد من الفئات الاجتماعية التي تضخم إعدادها كالعمال والمتقاعدين والعاطلين عن العمل وسكان الضواحي المهمشة وذلك في اطار المجتمع المدني الفرنسي حيث تعود الفرنسيون كما هو حال الشعوب الغربية في الدول الراسمالية على حياة الرفاهية وبحبوحة العيش بسبب عملية النهب الاحتكاري المنظمة التي تقوم بها الشركات والاحتكارات الامبريالية ..التاريخ السياسي الفرنسي زاخر بالانعطافات الكبرى التي تحدث فيها مثل هذه الحركة الشعبية العنيفة التي اجتاحت الشارع الفرنسي وكانت قمة هذه الآنعطافات الثورة الفرنسية التي رفعت شعارات الإخاء والمساواة وحقوق المواطنة كما جاء بعد ذلك في العقد الاجتماعي وهي شعارات إنسانية كان لها تأثيرها النهضوي في عموم القارة الأوروبية كما أن ثورة الطلاب في منتصف الستينات من القرن الماضي ما زالت ماثلة في الذاكرة الوطنية الفرنسية حيث يشكل الطلاب في الدول الرأسمالية بصفة عامة فئة ثورية كالعمال الكادحين والاجراء الذين ما زالوا يستخدمون جهدهم العضلي لأنهم يعيشون خارج نطاق الرفاهية وبحبوحة العيش الذي يوفرها النظام السياسي في الدول الراسمالية للطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى وقد أطاحت ثورة الطلاب تلك بالرئيس ديجول الذي لم يعفيه تاريخه العسكري المجيد حين قاد المقاومة الفرنسية في الحرب العالمية الثانية ضد الاحتلال النازي الالماني .. هكذا فان فرنسا على الرغم من ماضيها الاستعماري الأسود البشع التي أكتوت به شعوب بلدان العالم الثالث في آسيا وأفريقيا وخاصة في الجزائر التي حاولت طمس هويتها الوطنية والقومية العربية والإسلامية إلا أنها أي فرنسا كانت تشكل عبر التاريخ السياسي الأوروبي قلعة النضال السياسي والثقافي ضد عصور الظلام التي سادت أوروبا في العصور الوسطى حيث قاست شعوبها المظالم بسبب سلطة الاقطاع السياسي الاستبدادية والتي ترافقت مع موقف الكنيسة المسيحية الغربية المعادي للنشاط العقلي فقد كانت تلصق بالفلاسفة والعلماء تهمة الالحاد التي كان يتطلب للتخلص منها الحصول من الكنيسة على مايسمى بصكوك الغفران ؛؛؛ الحركة الشعبية الحالية التي شهدتها باريس وبعض المدن والمقاطعات الفرنسية هي نموذج ستشهده في المستقبل العديد من الدول الغربية لأن الرأسمالية ليست نهاية العالم فكما انهارت الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي السابق وفي بلدان المعسكر الاشتراكي ستنهار الراسمالية ايضا كنظام اقتصادي لأن العامل الاقتصادي ليس هو العامل الوحيد في حركة التاريخ ..