تاريخ النشر: 2019-01-14 | 19:45
تاريخ النشر: 2019-01-14 | 19:45
ﻏﺎﺩﺭﺕ ﻭﺍلدتي ﻋﺎﻟﻤﻲ ﻓﻲ ﺳﻦ ﺍﻟﺤﻠم، حينها فقدت الصدر الحنون، صدر الأم بكل ما تحمل من معاني، لقد كانت شعلة من النشاط حيث تقوم بأعمال تنوء عن حملها خمس نساء، كانت ملجأي الذي أعود إليه في كل مسراتي وأحزاني، وكنت أتعجب من قدرتها السحرية وهي تربت بيدييها على كتفي لتزيل جبال الهموم التي كانت تعتريني.
أﺑﻲ.. يقف على أطلالها يرثيها صباح مساء وبقيت لا تغادر مقلته دموع الفراق ﻭما أنفك عن الدعاء لها بالمغفرة والرحمة.
أردكت بحسي أن حزن والدي كان سببه فراق الزوجة الصالحة ورفيقة الدرب الطويل في جانب وفي الجانب الاخر ﺭﺣمة ﺍلأب الحنون بأطفاله اﻟﻴﺘﺎمى الذين ﺗﺮﻛﺘهم والدتهم ﻫﻤﺎ ﻓﻲ رقبته وهولا يستطيع ﻛﺒﺢ ﻭﻟﻌﻬﻢ الشديد به بعد فراقها.
لم أردي كم هو الحب الذي يقتل الرفيق حينما فارق أبي الحياة ولحينها لم يغدرها ألم فراق رفيته أم أبناءه. توفي أبي بعدها بحولين وما زال أخواتي صغيرات. شعرتيحنها بأن هموم أكثر قد انتقلت لي وأنا لم أزل غضا صغيرا، ألإقت على نفسي في جنازته وأنا اجهش بالبكاء حينها ورايته التراب في مقبرة الرميلات قرب خانيوس. عدت بعدها ممتطيا ﺟﻤﻞ أﺑﻲ يترنح بخطوات ثقال لم تخلوها إلتفات حزينه منه وهو الملكومة على صاحبه وبت أن وهو نبحث عن الدموع في فراق أبي والقلب خفقاته تضمر وتضمر ألما وحزنا.
أبي في رثاء دائم لأمي غفرة قبل أن يلحق بها أما أنا فكنت أ{ثى كليهما معا وكأن حزني مضاعفا.
برغم حزني الكبير باتت المسؤلية تفرض علي أن ادوس على آلامي مكابرا، وأن افتع الابتسامات في وجوه أهواتي لأشعرهن بالسعادة وأعوضهن عن ألم الضياع المقبل.
ترك أبي لنا بقرة وقطيع من الأغنام بمعنى أنى كنت ميسور الحال في ذلك الزمان وهذا جعلني عرضة لأن أبادل احدي أخواتي بعروس لأتزوجها حيث كانت هذه العادة رائجة في ثلاثينيات القرن الماضي ولكني كنت أرفض ايمانا مني بأن سعادة أخواتي هي أكبر وهي أمانة في عنقي.
كان لتجارة الملح في تلك الفترة الزمنية رواج ، حيث يجتمع أبناء العشيرة في ديوانهم الكبير ويعقدوا العزم على تسيير قوافل الملح إلى فلسطين، وكنت محظوظا لأن جمل أبي الملقب بعبادى و المدلل الرشيق ذو الشفة السفلية المتدلية سيرافقني لهذه الرحلة التجارية والتي هي بالنسبة لي بمثابة قافلة الحلم.
في العريش عن تاجر الملح المشهور قطامش حملت بعيري بالملح عصرا مع رفاقي من أبناء العشيرة وبعدها انطلقنا في قطار العودة لديار العشيرة في رفح حتى وصلنا منتصف الليل.
ثم انطلقت القافلة متوجهة إلى فلسطين حيث الخضرة والطبيعة الجميلة وما أجمل أشجار الجميز حينما نأخذ قسطا من الراحة في ظلالها.استمر سفرنا هذا لمدة أربعة أيام إلى أن وصلنا لبلدة في قضاء الرملة، ولكن المؤسف في هذه البلدة قد تخلى عني رفاقي وتركوني وحيدا في مفترق طرق حقيقي في لحظة فارقة من حياتي، تركوني للجوع وتائها إذ أن هذه أول مرة أخرج في قافلة تجارية وأنا في أمس الحاجة للمساعدة في هذا الظرف. لقد شعرت [أن جميع الطرق سدت في وجهي وأمام حمل جملي وأفكر كيف أعود لأخواتي خال الوفاض، لقد كان مستقبلي على المحك والحيرة تلفني. والهموم من حولي تتراقص واليأس يصفق لها.
سيدة فلسطينية تركب حمارتها مرت من أمامي وما إن رأتني حتى توقفت مجرد أن وقفت جانبي أحسست أن الله معي وقد سخر لي من يساعدني وأن الله قد عوضني بعد أن خذلني رفاقي الأنذال.
أجلستني تحت شجرة الخروب ورحبت بي وأكرمت وفادتي، وحين عملت عن تجارتي أخذت حمل بعيري وباعته على جيرانها حيث استبدلت الملح بالشعير، بعدها عدت إلى مضارب عشيرتي قبل زملائي بخمسة أيام وسط ترحيب وحفاوة من عشيرتي وفرحة أخواتي. عودتي هذه أشعرتني بنشوة الانتصار بعد أن كنت أكابد الهموم وحسرة الضياع، فيما زملائي رجعو بعد قدومي بخمسة أيام وكانت استقبال “المحلية” لهم بالتوبيخ والتقريع بعد أن سقطوا في وحل العار وسواد الوجه.