تاريخ النشر: 2016-03-23 | 19:03
تاريخ النشر: 2016-03-23 | 19:03
في سياق اهتمامها بتحليل السياسية الروسية في سوريا، نشرت مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية، مقالاً تساءل كاتبه عما إذا كانت روسيا حققت فعلاً الفوز، مشيرة إلى أن توغل موسكو في الحرب الأهلية بسوريا، وإن لم يحقق كل أهدافه العسكرية، منحها انتصاراً سياسياً، لاسيما أنه أدى إلى تراجع شديد للسياسة الخارجية للولايات المتحدة في الساحة الدبلوماسية.
ويرى كاتب المقال آري هايشتاين، وهو المساعد الخاص لمدير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أن استمرار حملة القصف العسكري الروسي في سوريا يُعد اعترافاً خفياً بأن أهدافها العسكرية لم تتحقق بعد. وعلى الرغم من مساعدة أن التدخل الروسي ساعد على تحويل مسار الحرب لصالح نظام بشار الأسد، من المهم أيضاً عدم المغالاة في النجاح العسكري الذي أحرزته القوات الموالية للنظام السوري.
مكاسب متواضعة
ويصف هايشتاين المكاسب التي حققتها القوات الموالية للنظام على الأرض بأنها "متواضعة".وفي المقابل، أدى التدخل الروسي الى تقليص كبير لدور السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الساحة الدبلوماسية.
ويقول هايشتاين: "منذ بداية الانتفاضة ضد بشار الأسد في عام 2011، كان الخبراء يتوقعون سقوط نظامه ويترقبون ذلك في الأعوام التالية، ولكن سرعان ما بدأ الموقف يتدهور في عام 2015 الذي شهدت الأشهر الثمانية الأولى منه خسارة نظام الأسد 18% من الأراضي التي يسيطر عليها، ومن ثم قررت روسيا في الشهر التاسع من ذلك العام (سبتمبر 2015) التدخل مباشرة بحملة جوية لتحقيق هدف واضح يتمثل في تحويل مسار الحرب ومنع انهيار الحكومة السورية".
وبحلول شهر نوفمبر 2015، تمكن التحالف المؤيد لبشار الأسد (روسيا وإيران وحزب الله) من رَدّ معارضي النظام واستعادة السيطرة على مناطق محدودة جداً من حيث الحجم. وعلى الرغم من آلاف الغارات الجوية الروسية، فإن أكثر ما نجحت القوات الموالية للأسد في تحقيقه، بحسب الكاتب، هو "استقرار النظام"، حيث أشارت تقديرات مركز أبحاث IHS Jane's"" إلى أن حجم الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، حتى 11 يناير 2016، ازداد بنسبة 1,3 في المئة فقط.
إدعاء بوتين
ويلفت كاتب المقال أيضاً إلى أنه رغم إدعاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإرسال قواته العسكرية لقتال تنظيم داعش الإرهابي في سوريا، فإن كل مكاسب الحكومة السورية من الأراضي تحققت على حساب قوات المعارضة، لا داعش، بينما خسرت الحكومة السورية في المقابل مناطق انتزعها منها التنظيم.
وبحسب هايشتاين، لا تتساوى كل المناطق في الأهمية، إذ إن غزو المنطقة المحيطة بمدينة كبرى مثل حلب يعتبر أكثر تميزاً من الناحية الاستراتيجية، وعلى الأرجح سيكون النزاع عليها أكثر شراسة، مقارنة مع منطقة مثل الصحراء السورية في شرق البلاد.
ولذلك، شكل غزو المنطقة المحيطة بحلب أحد أهم مكاسب الأسد، منذ التدخل الروسي،، بيد أن مقارنة الخرائط التي توضح المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري "قبل" التدخل الروسي و"بعده"، تعكس حقائق مفادها أن مكاسب النظام السوري مجرد "صورة باهتة"، لم تتجاوز الحفاظ على ما كانت تسيطر عليه فعلياً إلا بدرجة ضئيلة.
انتصارات بوتين
أما بعيداً عن ساحة المعركة فيرى الكاتب أن انتصارات بوتين كانت أكثر حسماً، ويعيد أسباب ذلك إلى الآتي:
أولا: تدخل بوتين نيابة عن بشار الأسد أدى إلى تراجع صدقية الولايات المتحدة ؛ إذ شهد حلفاؤها في المنطقة تخلي الرئيس باراك أوباما عن الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2011.
وفي المقابل أظهرت روسيا تفانياً من أجل حليفها الوحيد في العالم العربي من خلال الاستمرار في دعم نظام الأسد في الحرب الأهلية السورية والتدخل نيابة عنه في نهاية المطاف، وهو الأمر الذي يعزز الفرص في أن تكون موسكو الشريك المحتمل لأنظمة الشرق الأوسط مستقبلاً.
تركيا والأكراد
ثانياً: استغلت روسيا التوتر القائم بين الشركاء المهمين في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لدحر تنظيم داعش الإرهابي، وقلّبتهم ضد بعضهم البعض. فعلى سبيل المثال، عمدت روسيا إلى دعم الأكراد السوريين وتمكينهم من احتلال مساحات واسعة من الأراضي على طول الحدود التركية، الأمر الذي أزعج أنقرة لأن قوات وحدات حماية الشعب الكردية الموجودة على حدودها تنتمي إلى حزب العمال الكردستاني (المجموعة الانفصالية التركية) الذي تعتبره أنقره منظمة إرهابية.
ورداً على ذلك، بدأت تركيا قصف الأكراد المدعومين من الولايات المتحدة. وكشف سيناريو مماثل عندما دعمت موسكو الأكراد السوريين في حربهم ضد جماعات المعارضة السنية المدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وبمساعدة الضربات الجوية الروسية، اشتبكت القوات التي تدعمها الولايات المتحدة مع بعضها البعض، حتى أنه إحدى الصحف كتبت أن "أمريكا تخوض حرباً بالوكالة ضد نفسها في سوريا".
الانتهازية الوقحة
ثالثاً: كانت المشاركة الروسية في الحرب الأهلية السورية بمثابة تحدٍ للمفهوم الغربي القائم على أن السياسة الخارجية يجب أن تخضع، جزئياً على الأقل، لوصاية المبادئ الأخلاقية. ورغم الانتقادات للفوضى الناتجة عن تدخل الولايات المتحدة في العراق وليبيا بدافع رغبتها في استبدال الديكتاتوريات بأنظمة ديمقراطية، فإن بوتين، بحسب كاتب المقال، كشف عن فوائد "الانتهازية الوقحة" والحفاظ على نظام مستبد.
ويضيف هايشتاين: "الواقع أن الحملة الروسية الأنيقة والمنخفضة التكاليف أصابت، على الأرجح، حكومة الولايات المتحدة بالإحباط الشديد، لاسيما أن الأخيرة أنفقت تريليونات الدولارات على الحروب وبناء الديمقراطية في المنطقة، من دون أي نتيجة. ولا تزال وسائل الإعلام الغربية تشيد بالسياسات الروسية الجديدة الأكثر حزماً في المنطقة، ولم يدفع الرئيس بوتين أي ثمن سياسي نظير قصفه العنيف للمستشفيات دفاعاً عن النظام السوري المستبد".
تراجع السياسة الأمريكية
وفي ختام مقاله، يؤكد الكاتب على أن المناورات السياسية للرئيس بوتين أحدثت تراجعاً شديداً في السياسة الخارجية الأمريكية، ولكن الفشل في التوصل إلى هدنة طويلة الأمد بين الأطراف المتحاربة قد يؤدي إلى إضعاف النظام السوري الذي أنهكته الحرب، وعندها ستكون روسيا مجبرة على الاختيار بين التخلي عن الأسد أو الاستعداد للموقف الصعب والتدخل في الحرب. وفي الخلاصة أن" قرار بوتين بشن حملة جوية يدل على أنه تعلم الدرس من إخفاقات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط منذ خمسة عشرة عاماً، أما الحسم في شأن ما إذا كان حقق مهمته، فهي قضية لا تزال قيد الانتظار".
ترجمة موقع 24 الاماراتي