بعد مشاورات ودراسات معمقة اعتمدت على حسابات سياسية عميقة اتخذ المشير عبد الفتاح السيسي قراره التاريخي بالاستجابة لرغبات القطاعات الواسعة من الجماهير المصرية على كافة قطاعاتها بالإعلان عن استقالته من المؤسسة العسكرية والتقدم بطلب الترشح لانتخابات رئاسة جمهورية مصر العربية وهذا من خلال بيان موجز خاطب فيه الشعب المصري بهذا الخصوص .وفي هذا الإطار بالإمكان تسليط الأضواء التحليلية على أهم ما تضمنه هذا الخطاب:
أولا: ظهور المشير السيسي بالزي العسكري للمرة الأخيرة وهو يتقدم من الشعب المصري بالإعلان عن الترشح للرئاسة إنما أراد من وراء ذلك التأكيد على انه كان جنديا في خدمة مصر على مدار أكثر من 45 عاما أي منذ نعومة إظفاره وسيبقى مستقبلا عندما يصبح رئيسا لمصر جنديا ,مقاتلا من اجل مصر واستقرارها ووحدة أراضيها وازدهارها حتى تأخذ مكانها الذي تستحق بين الأمم .
ثانيا:التأكيد على انه بدون إسناد ودعم شعبي حقيقي لا يمكن لأي زعيم مهما كان مواصفاته أن يحكم مصر ويقودها إلى بر الأمان ....
الدعم والإرادة الشعبية الواسعة تمثل العنصر الأساس الذي يحمي مسيرة المشوار الرئاسي وتمنح الرئيس القادم لمصر كل مقومات القوة للتغلب على الإشكاليات والعقبات التي تفرض نفسها في الواقع المصري بقوة والتي أشار إليها الخطاب ومنها:
• الأعداد الهائلة من العاطلين عن العمل في الوقت الحاضر.
• الإفلاس المالي واعتماد مصر إلى ابعد الحدود على المساعدات المالية الخارجية لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتردي .
• تراجع عمليات الإنتاج جراء عدم الاستقرار الأمني والمالي.
• حالات الترهل الكبير في البلاد جراء تفشي الإرهاب هنا وهناك في محاولة لإرباك مصر من خلال الإبقاء على الأوضاع الأمنية السيئة السائدة الآن .
ثالثا:تضمن الخطاب تأكيدا على أهمية وحيوية إعادة ملامح الدولة المصرية واستعادة هيبتها كدولة قائدة في الإقليم ولاعب أساسي على الصعيد الدولي ولا ننسى أن مصر كانت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي رائدة ومؤسسة لمنظومة عدم الانحياز ومن هنا يأتي التأكيد على ضرورة استعادة مصر لماضيها كدولة بارزة على الصعيد الإقليمي والدولي وهذا بهدف إعادة التوازن للمحيط ومواجهة تحديات الطامعين في سرقة الدور المصري الريادي(تركيا ,إيران) .
رابعا:التأكيد على أن تكون الحملة الإعلامية للانتخابات في حدود نفقات مالية محددة بعيدا عن الإسراف والبذخ في الوقت الذي تعاني فيه مصر من أزمة مالية خانقة ولذلك أكد قائلا:"لن تكون لي حملة انتخابية بالشكل التقليدي....ولكن لدي برنامج يعتمد على بناء الدولة الحديثة ..."
ويبدو هنا أن الرجل يتكلم بثقة عالية من انه يحظى بدعم شعبي كبير يوفر له النجاح وان الأمر يتطلب عدم الإسراف في نفقات الحملة الإعلامية القادمة.
خامسا:يخاطب منافسيه الذين سيترشحون لانتخابات الرئاسة بمنطق حضاري رفيع بعيدا عن لغة التهريج والتشكيك والإسفاف ويصف المنافسين له في سباق الترشح للرئاسة بالوطنيين وهنا إنما يؤكد على ضرورة قيام منافسة إعلامية حضارية بين المرشحين حيث يدور التنافس بين البرامج ومن خلال الندوات والمناظرات الإعلامية الجادة التي تصب كلها في خدمة مصر وتقدمها وإخراجها من دائرة الفوضى والترهل والانفلات .
سادسا:يؤكد على أن المهام التي تحتاجها مصر للنهوض من جديد جسيمة وعميقة والأمر يتطلب جهدا وعملا ودعما شعبيا هائلا من الجميع لإنقاذ مصر من الوضع الراهن وهو يقدم وعدا للمصريين إذا ما نال شرف قيادة مصر بان يعيد لها الأمن والاستقرار وهذا من خلال التلاحم والتلاقي بين الجهد الرئاسي والشعبي .
بالإضافة إلى ما سبق يمكن القول أن خطاب المشير السيسي إنما يعود بنا إلى الخطاب المصري الذي كان سائدا في عنفوان المد القومي العربي الناصري حيث كان الصراع على أشده بين الرئيس التاريخي جمال عبد الناصر وقوى الاستعمار وإسرائيل .
وأخيرا كان المشير السيسي أثناء مخاطبته للشعب المصري في بيانه الموجز يتكلم مرتجلا وبطريقة هادئة تماما تعكس قدرا كبيرا من الثقة بالنفس وقدرا هائلا من الانضباط الذي اكتسبه من الحياة العسكرية على مدار مشواره العسكري الطويل كما أن قدرته على الإلقاء كانت منسجمة ومتوافقة تماما مع قواعد اللغة وإحكامها بعيد عن التكلف والتردد والتلعثم وهذا يعكس خبرة قائد كاريزما يملك قدرات في أكثر من مجال. والذي يبدو أن المشير السيسي قد بدأ المشوار الذي نعتقد بدرجة عالية انه سينتهي به إلى موقع الرئاسة ومن ثم وهو الأهم لدينا عودة مصر عزيزة قادرة على قيادة الأمة والتصدي لكل الطامعين الإقليميين والدوليين وكذا الانتصار للقضية الفلسطينية محور الصراع في المنطقة.