الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

قراءة فنية في قصيدة الشاعرة التونسية القديرة فائزة بنمسعود "هذا المطر"

قراءة فنية في قصيدة الشاعرة التونسية القديرة فائزة بنمسعود "هذا المطر"

تاريخ النشر: 2022-12-28 | 08:11

"الجسد مادة أرضية معتمة تتسم بالشهوانية،ولكنه يؤوي روحاً من مادة سماوية نورانية تتسم بالأخلاقية،وبينهما يدور الصراع الأزلي ( فائزة بنمسعود)

*الشعر صنو المعاناة،فهما روحان في جسد واحد،جسد الشاعر الذي يعيش لحظات المعاناة ليعكسها شعراً ينبجس من قلبه ووجدانه.(الكاتب)

للقصيدة حياة وروح من روح شاعر يغوص في عمق محيط ظلامه دامس ليطفو على سطحه ويعانق خيوط الشمس، فبين الظلمة والنور، يتنقل الشاعر بحرفية اللغوي المتمرس والمتمكن من ريشة الرسام البارع، ليُلقي المعنى الحي في روع الصورة ويحدث شرخا بين عالمين يصعب تجاوزه..بين من يكتب الشعر انطلاقا من واقع الخيال، ومن يكتب الشعر انطلاقا من خيال الحقيقة.

للواقع ظلمة وللحقيقة نور يجعل للمعنى تجليات،وللصورة الشعرية حركة وحس على أرض قصيدة تصبح آهلة بأرقى المشاعر وأصدقها تتفاعل وتتأثر في كل من يكون بين يديها،تسكن وجدانه فيشعر بروعة جمال الصورة وعذوبة حلاوة معنى له نماء في عقل وفكر يعزف لحن شاعر تتهادى على إيقاعه قوافل القوافي لتقول لنا هذه أنا.. فائزة بنمسعود شاعرة التحدي والصمود في وجه الليالي العاصفات..والمواجع المبكيات..(رحم الله زوجها رحمة واسعة)

الشاعرة التونسية القديرة فائزة بنمسعود شاعرة معاصرة لها الكثير من الإنتاج الأدبي الموسوم والمميز بنفس الشاعرة وبأسلوبها المختزل المختزن الذي لا يستغرق زمنا طويلا في قراءته،لكنه يحتم على القارئ الوقوف طويلا عند الإبحار في عالمه وخياله ودلالة معانيه،فهو قليل كثير،وسهل ممتنع،يستعصي على غير المكتنزين بذلك المعجم اللفظي والدلالي والأسلوبي للشاعر،فقصيدتها في كثير من الأحيان ومضة بارقة تبعث حكاية البارق النجدي عند الصوفيين في المخيلة حين يمتزجون ويتحدون مع الذات الإلهية وفق تعبيرهم ومعتقدهم.

وتسعى الشاعرة ( فائزة بنمسعود) في بعض قصائدها إلى لغةٍ شفافة تعتمد على الوضوح والواقعيَّة؛فهي لغة تكاد تكون خاصة بالشاعرة،لغة تنطلق من الواقع ومن وعي الشاعرة بأدواتها الفنيَّة،فالنظر في التجربة الشعوريَّة وفَهم الحالة الذهنية لقصيدةٍ ما يتطلَّب القدرة على الانغماس في العالم النفسي للشاعرة واستحضار حالتها النفسية من خلال كتابتها لهذه القصيدة، وفَهمُ الحالة الذهنية تَعني القدرة على استعادة الجوِّ الشعوري ومُعايَشتِه من جديد،ولا يتم ذلك إلا إذا استطاع الناقد أن يُمعِن النظر في الظروف والوقائع التي أدَّت إلى ولادة القصيدة، وبدون ذلك قد تُنزع القصيدة عن سياقها النفسيِّ وتَبقى تراكمًا لغويًّا وشكلاً دون معنى، وتفقد الحسَّ الشعري..

لنستمتع جميعا بهذه القصيدة للشاعرة فائزة بنمسعود تاركا للقارئ الكريم حرية التفاعل والتعليق :

هـــذا المٌــطـــر

وهذا المطر يغسل الذكريات

من فوق رصيف الحياة

هذا المطر يداعب

جفون الأرض

ويعانق اديمها ويمتصّ غضبها والضجر

وقع زخاته ينبش جب أحزاني

ويهتك حياء حكاياتي

المتوارية وراء ستار الوجع

هذا المطر

أودعته ذات موسم هطول حلم

فرح بسيط فحمله ومضى

وتوارى واندثــر

وما زلت على قيد الانتظار

مشتة الشعور والفكر

والمواسم قحط وجفاف

هذا المطر

أمَّنته على ابتسامات فجري

فحولها دموعا ونشيج مزاريب

على وجنات البيوت الثكلى

هذا المطر

سألته السكينة والرضى

ففجّر ضجيج الغضب الرجيم

وأطلق سراح شياطين الغواية

توسوس في صدر الأماني

وترشي بالسكانر ملائكة الرب

لتغفل عن التسبيح باسم الحب

هذا المطر يفكّ غلالة النجمة

لتحسر عن نهدين متمردين ببحر مضرم

صنوان يصبان كؤوس الغرام

في كل فم بالعشق مستعر

ويصرخ الليل أنْ أمطري ثم أمطري

ومن هذا المطر

ينبثق الطيف يهزج الرهبة

وبميلاد جديد يئن الناي وينتحب الوتر

وتنبثق شهقة القمر

وحبات المطر

تضع اثقالها على الضياء المنتشر

فينتصب الحلم القديم

على ضفاف العمر……

ووراء ظلال الأيام تتبخر زخات المطر

وهذا المطر..

(فائزه بنمسعود )

يوميات مارقة 2-Ottawa /15/12/2022

سألتها ذات مرة : ثمة حس صوفي يتجلى في بعض قصائدك،ويظهر ممتزجاً مع ما هو حسي وجسدي.وما الذي ترمي إليه من خلال هذا المزج؟

وكان جوابها :

" يرجع ذلك إلى طبيعتي الشخصية،وما أثر فيها من جوانب فلسفية وفكرية،فقد كنت،وما زلت، ميالة للعزلة والتأمل،والعالم يسلبك هذه المتعة.التصوف،مفاهيمه،وأحواله ومقاماته المجردة، وليس بشطحاته الفكرية،هو ما جذبني،أو لنقل انجذب إليَّ،حيث كانت نفسي بيئة خصبة له.

أما تجليه شعريا،فلأنه كان التعبير عن السمو والرفعة والنقاء،وهذا ما رغبت في نقله إلى قارئي،إضافة إلى الجانب المعرفي،وأقصد به الجانب الأخلاقي؛فالجسد مادة أرضية معتمة تتسم بالشهوانية،ولكنه يؤوي روحاً من مادة سماوية نورانية تتسم بالأخلاقية،وبينهما يدور الصراع الأزلي الأبدي،ودعوتي أن على الإنسان أن يدرك أن مادة جسده تنطوي على روح نقية، فلا يهملها، وعلى علاقاته بالعالم أن تمضي بحسب هذا الجانب الروحي."

ختاما أقول :

الشعر صنو المعاناة،فهما روحان في جسد واحد،جسد الشاعر الذي يعيش لحظات المعاناة ليعكسها شعراً ينبجس من قلبه ووجدانه.

والشاعر بحكم تكوينه النفسي،وحبه العميق للتعبير عن وجوده وتفاعله مع الحياة،يعيش دائماً مع المعاناة،ويتصالح معها،لأنه إنسان ذو إحساس رقيق وشعور مرهف..يستطيع أن يصنع من هذه المعاناة شعراً خلاّقا يداعب الذائقة الفنية للمتلقي، ويدفع به-قسر الإرادة-إلى حلبة الرقص على إيقاع الكلمات..

وهنا أضيف : لا تولد القصيدة وفي فمها ملعقة من ذهب،بل تأتي من رحم المعاناة،إذ يبث كاتبها الروح فيها بعد عناء،فتلتقط أولى أنفاسها على يديه،ويحرص على ألا تخرج إلى الدنيا إلا وهي في أبهى حلتها،بعد تنقيح وتعديل،وتغيير وتبديل،لتكون ثمرة مواقف وتجارب،وخلاصة دقائق مليئة بالانفعالات،وأيام متخمة بالمشاعر،وأشهُر،أو حتى سنوات،مزدحمة بالتدفق العاطفي الشاعري.

وبهذا تنطلق القصيدة متكاملة العناصر،تنطلق إلى عالم الشعر كالدرة،لتزيد الكون جمالاً وشاعرية وأحاسيس.

هكذا هي الشاعرة التونسية الفذة فائزة بنمسعود كما أراها..وكما أصغي إلى قصائدها العذبة..التي طالما داعبت ذائقتي الفنية..

على سبيل الخاتمة :

تتجاوز مهمة الشاعر رصف الوحدات اللسانية بالطريقة،التي تتحقق بها السلامة المعنوية، وتتعدى اللغة الشعرية حدود القواعد النحوية لتتبنى منطقا جديدا هو منطق اللغة الشعرية،لأن المنطق الذي يخرق المألوف ويقتحم عوالم المجهول لأنّه يؤلف بين دوال متباعدة،لا تلتقي في نظام اللغة

ـ المعيار أي اللغة المتداولة التي لا تسعى إلى تحقيق ما أطلق عليه جاكبسون ″الوظيفة الشعرية″. وإذا كان الشاعر لا يتعامل مع اللغة تعاملا بريئا،لأنّه يستدعي الألفاظ وينسجها بطريقة مقصودة (الشاعرة التونسية القديرة فائزة بنمسعود نموذجا)،فإن القارئ مطالب بأن يكون حاذقا في فك شفرات النصوص بالدفع بكل كلمة إلى مجال تنكشف فيه الدلالات الخفية التي لا تتمظهر على سطح النص،ويؤول الأمر في النهاية إلى قراءة القراءة وإلى دلالة الدلالة.

وهو ما يستدعيه النّص الأدبي،حتى يبقى ديناميا ومفتوحا على التأويل.

ونرجو من الله التوفيق في استيعاب وفهم الدلالات والإيحاءات الإبداعية في قصائد شاعرتنا التونسية الفذة فائزة بنمسعود..

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط