تاريخ النشر: 2017-07-03 | 08:48
تاريخ النشر: 2017-07-03 | 08:48
يعتبر نابليون بونابرت أول من وعد اليهود بوطن قومي في فلسطين ، و كان قد دعى جميع يهود أسيا وأفريقيا للقدوم لفلسطين وإقامة القدس القديمة....، وذلك يوم 4 أبريل 1799م أثناء حصاره لمدينة عكا. ونشر وعده هذا في الصحيفة الفرنسية " لومينيتور " بتاريخ 22مايو1799 ، أي أن وعد نابليون بونابرت سبق وعد بلفور بحوالي 118 سنة ....وأن المساعدات الفرنسية الضخمة التي تلقتها أسرائيل ومن ضمنها المفاعل النووي في ديمونا ...ومشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي على مصر عبد الناصر 1956بجانب بريطانيا وأسرائيل ,,,إضافة للموقف السياسي المساند لأسرائيل عبر عشرات السنين ....إلا أننا أيضا في المقابل يجب أن نتذكر بأن أول مسؤول أوروبي يلتقي الراحل ياسر عرفات هو وزير خارجية فرنسا السيد /جو سوفانياغج ....، وذلك في بيروت في 21أكتوبر 1974 ، و أن فرنسا هي أول دولة أوربية تعتمد لديها ممثلية لفلسطين ، وذلك في 31 أكتوبر 1975 ، وفرنسا هي التي قامت بتأمين البواخر التي نقلت المرحوم ياسر عرفات والقوات الفلسطينية من بيروت عام 1982.
و يجدر الأشارة أيضا بأن البرلمان الفرنسي قد أقر قرار الأعتراف بدولة فلسطين في 2ديسمبر 2014 ب339 صوت ضد 151صوت ، وكان ذلك بعد إعتراف السويد بدولة فلسطين في 30أكتوبر 2014 .
وأن فرنسا الدولة الأولى والوحيدة في العالم التي دعت و عقدت مؤتمر دولى للقضية الفلسطينية خارج الأمم المتحدة والولايات المتحدة ....للنظر في تطبيق حل الدولتين ! ونجحت في إشراك الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ودول الجي 20 والرباعية الدولية ، وجمع حوالي 70 دولة . ووضعت لهذا المؤتمر ثلاثة أهداف وهي : دعم القدرات الفلسطينية لبناء دولة ذات سيادة في حدود 1967، و دعم الأقتصاد الفلسطيني ، ودعم المجتمع المدني الفلسطيني . وبالرغم من تعهد فرنسا بضمان أمن إسرائيل بجانب تعهدها في العمل على إنهاء الأحتلال ، إلا أن إسرائيل رفصت الحضور وأعتبرت هذا المؤتمر تدخل سافر غير مقبول ....من طرف فرنسا ، وبالرغم من أن حضور جون كيري وزير الخارجية الأميركي كان لأفراغ المؤتمر من مضمونه...إلا أن هذا المؤتمر كان الدافع لتمرير قرار مجلس الأمن رقم 2334 في 23 ديسمبر2016 الذي يعتبر الأستيطان غير شرعي . .
بعد هذه النبذة التاريخية المختصرة والسريعة عن علاقة فرنسا بالقضية الفلسطينية ، ننتقل لمحاولة قرأءة الخريطة السياسية الحالية في فرنسا ، ومدى إمكانية إعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية في ظل تعثر أفق عملية السلام المبني على حل الدولتين ، بسبب التعنت الأسرائيلي ، وحيث أن أهمية إعتراف فرنسا تكمن بالأضافة لثقلها السياسي على الساحة الدولية أنه سيكون مفتاح لتسارع الكثير من الدول الأوربية بالأعتراف بدولة فلسطين .
لقد جرت الأنتخابات الرئاسية والبرلمانية الفرنسة في الأشهر الثلاثة الماضية وأفرزت مرشح حزب الوسط - إلى الأمام - السيد " إيمانويل ماكرون " رئيسا للجمهورية الفرنسية ،وقد فاز بالدور الثاني على السيدة مارين لوبان مرشحة الجبهة الوطنية – يمين متطرف- وحصل على 66% من الأصوات مقابل 34% للسيدة لوبان .
وكذلك حصل حزب السيد ماكرون – إلى الأمام -على 314 مقعد في البرلمان ، من مجموع مقاعد البرلمان ألبالغة 577 مقعد ، وأيضا 47 مقعد للحركة الديمقراطية " موديم " التي لديها نفس التوجهات تقريبا التي لدي حزب السيد ماكرون . وكذلك حصل الجمهوريون على 100 مقعد ، وحركة البناؤون المقرب من الجمهوريين حصلت على 35 مقعد ، والأشتراكيون على 31 مقعد ، وحركة فرنسا الأبية 17 مقعد ، والحزب الشيوعي 16 مقعد، والمستقلون حصلوا على 17 مقعد .والجبهة الوطنية حصلت على 8 مقاعد.
وتم تشكيل الحكومة وعين السيد إدوارد فيليب – جمهوري -رئيس للوزراء ، والسيد جو إيف لودريان – اشتراكي وزيرا للخارجيه . وبالتالي إكتمل بناء المؤسستين التنفيذية والتشريعية ، اللتان سوف تقودان فرنسا في السنوات القادمة ، و ملف عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين وبالتحديد مسألة إعتراف فرنسا بدولة فلسطين سيكون مطروحا أمام الرئاسة والحكومة الفرنسية ، وليتسنى لنا أستيضاح الموقف الفرنسي من الأعتراف بدولة فلسطين سوف نلقي نظرة على موقف الفاعلين السياسيين الحاليين أشخاص وأحزاب من هذه القضية .
بداية الرئيس الفرنسي السيد ماكرون ، وحزبه "إلى الأمام " وهو يمثل الوسط في الأحزاب الفرنسية ، وقد أعلن السيد ماكرون بأنه لن يستطيع الأعتراف بدولة فلسطين منفردا " بدون دول الأتحاد الأوروبي " ...وأنه علل ذلك بأن أعترافه إذا ما تم سيكون بدون فائدة ...وأن أسرائيل سوف تقاطعه ...وقد صرح بأنه في هذه الحالة لن يجد مع من يبحث ويطبق حلول ....وذلك بالرغم أنه قد سبق وصرح بأن لدى الشعب الفلسطيني رئيس حضاري وواقعي ومسؤول ..وبإمكانه تحمل المسؤوليات ..وأسرائيل تتصلب سياسيا... نظرا للمشاكل الأمنية الحقيقية التي تواجهها ..وقال : إن إعترافي بدولة فلسطين يعني إنحيازي لطرف ...وقطع العلاقات مع الطرف الآخر....وأن قوة الدبلوماسية الفرنسية مبنية على التوازن في العلاقات مع كل الأطراف.....وكان أيضا قد صرح بأنه مع حل الدولتين وأنه ضد الأستيطان الذي وصفه بأنه يعيق تحقيق السلام المبني على حل الدولتين ..... وقال أن أمن أسرائيل غير قابل للنقاش...وأنه يحترم الديمقراطية الأسرائيلية ...ولكنه غير مرتاح لعدم أحترام أتفاق أوسلو .......!!!
أما الجمهوريون يمكن التعرف على موقفهم من خلال تصريحات مرشحهم للرئاسة السيد/ فرانسوا أفيون ، الذي كان رئيس الوزراء في عهد ساركوزي ، بالرغم أنه يدعم حق إسرائيل بالوجود وحقها بأن تكون آمنة ..إلا أنه غير مرحب به أسرائيليا كونه يدعم موقف ايران وحزب الله ...والذي يعلله بمحاربتهم للأرهاب .... فقد عبر عن موقفه الداعم للحق الشرعي للفلسطينيين بإقامة دولتهم ، ودعى إلى تحرك أوروبي موحد لأعادة المصداقية للمفاوضات الأسرائيلية الفلسطينية ...ويعتبر أن أسرائيل هي التي تهدد أمنها وذلك لعدم موافقتها على إقامة الدولة الفلسطينية ...ويدعو للضغط عليها للموافقة ...ويقول أنه يجب قيام دولة فلسطين بإرادة دولية وإسرائيلية وليس بدعم فرنسا فقط ...
أما الجمهوري السيد / ألن جوبيه ، وزير خارجية في عهد ساركوزي ، دعى الاتحاد الأوروبي للأعتراف بدولة فلسطين ، وأيد أعتراف السويد بها ، ويعتبر أمن أسرائيل غير قابل للنقاش ...ولكنه عبر عن عدم فهمه لتصرفات إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني .وأعتبرها غير مقبولة سياسيا ..وأنه تصرف غير ذكي ..ويطالب شركاء فرنسا الأوروبيين الكف عن أولوية إرضاء واشنطن..في هذا الموضوع....ويعتبر مطالبة أسرائيل بالدولة اليهودية ليس له معنى ....
أما السيد إدوارد فيليب ، جمهوري ، رئيس الوزراء الحالي ، عبر عن تأييد لأقامة دولة فلسطينية
بالنسبة للأشتراكيين فقد صرح مرشحهم للرئاسة السيد/ بنوا أمون ، بأنه يجب الأعتراف بدولة فلسطين ، وأنه إذا نجح في الانتخابات سوف يعترف بدولة فلسطين ..ويعتبر أن وجود دولة فلسطين هو صمام آمان لأسرائيل في الشرق الأوسط ..ودمج لأسرائيل في بيئة المنطقة العربية ..سيكون مفيد جدا لها .. وكان قد دعا فرنسا للأعتراف بدولة فلسطين إذا فشل مؤتمر باريس في إيجاد حل...
أما السيد / مانويل فالز ، أشتراكي أيضا ، كان رئيس وزراء في عهد هولاند ، والذي خسر في انتخابات الحزب أمام منافسه المرشح للرئاسة السيد بدوا آمون ، و السيد مانويل فالز كان من أكبر المؤيدين في فرنسا للحقوق الفلسطينية ، ولكنه عندما أصبح رئيس وزراء ، وبقدرة قادر أنقلب بشكل معاكس تماما ....وصرح علنا بصداقته القوية مع إسرائيل ..وعندما زار أسرائيل في 22مايو 2016 سحب دعمه لأقامة دولة فلسطينية ...وقال أن ليس لها فائدة ...وأن الأستيطان أمر حتمي ....
أما السيد لورون فابيوس أشتراكي " يهودي " وزير خارجية في عهد هولاند ، داعم لأقامة دولة فلسطينية..وهو الذي دعى لمؤتمر باريس، وقد عبر عن حزنه من الأستيطان معتبرا أنه عقبة أمام تحقيق السلام .. وكان قد صرح بأن على فرنسا أن تعترف بدولة فلسين إذا لم ينجح مؤتمر باريس ولم تلتزم إسرائيل بحل الدولتين ...وقد رفضت أسرائيل تصريحاته وأعتبرتها قرارات للمؤتمر ضمنها الفلسطينيون قبل أن يبدأ المؤتمر... .
وبالنسبة للجبهة الوطنية "يمين متطرف ، والذي تمثله السيدة مارين لوبان ، تؤيد إقامة دولة فلسطين بجوار أسرائيل ، وسبق أن شبهت غزة بمعسكرات الأبادة النازية ...ووصفت فرنسا في عهد هولاند بالذنب لأمريكا ...وأن فرنسا لا صوت لها ...وطالبت بإستقلال القرار الفرنسي عن أمريكا ..وكان والدها السيد/ جو ماري لوبان ، المؤسس للجبهة الوطنية قد أعلن تأييده للمقاومة ضد إسرائيل ...
أما حزب فرنسا الأبية ، ذو الأفكار اليسارية التي تلامس الشيوعية ، فقد عبر رئيسه السيد/ جون لوك ميلنشون, عن موقف الحزب من إسرائيل بوضوح عندما صرح بأنه سيقاطع إسرائيل إذا نجح في الانتخابات وسوف يعترف بدولة فلسطين ..ويعمم مقاطعة البضائع الأسرائيلية ..وقد حصل هذا الحزب على 16 مقعد في البرلمان .
وهناك حزب أنهضي فرنسا ، وزعيمه السيد/ دوبو أنيون ، وهذا الحزب يعتبر بين اليمين واليمين المتطرف ، ومتحالف مع الجبهة الوطنية ، وهو يدعم حقوق الأنسان في فلسطين ويعتبر أن الفلسطينيين جميعهم أسرى لدى إسرائيل وقنابلها ....ودائما مؤيد لقيام دولة فلسطين ، ويراه الحل الوحيد لقضايا الشرق الأوسط ،،،وسمومها....
في ظل ما سبق يظهر لنا بأن هناك إجماع لدى كافة الأحزاب والحركات السياسية الفرنسية بتأييد إقامة دولة فلسطين ، ومنهم من يؤيد الإعتراف بدولة فلسطين ..وعدم الأنتظار ...ولكن أغلبية المواقف وعلى رأسها الرئيس ..تريد إعتراف فرنسي أوروبي موحد .أو إرادة دولية ...وترفض إعترافا فرنسيا منفردا...وهذا بطبيعة الحال ناجم عن حسابات للسياسة الفرنسية ومصالحها تجاه أمريكا أولا ..وأوربا ثانيا ، خاصة أن توجهات الرئاسة الفرنسية نحو العمق الأوروبي لفرنسا وتبنيها إستنهاض الاتحاد الأوروبي والعمل على الوصول للأتحاد الفدرالي للدول الأوربية ...وبالتالي يحتم على فرنسا أن لا تتصرف منفردة في ملف معقد وحساس مثل الموضوع الأسرائيلي الفلسطيني ....وهذا التصرف إذا ما حصل سيضع فرنسا في موقف صعب من طرف حلفائها الأوربيين أولا ...وسيعرضها لشيطنة أمريكية ...وخاصة من خلال بعض دول الاتحاد الأوروبي التي تربطها بأمريكا علاقات الطاعة والولاء....وهذا ممكن يؤدي إلى تصدع في الوحدة الأوربية وخاصة بعد خروج بريطانيا ...وفرنسا في غنى عنه الأن..أما إذا أستطاعت فرنسا إقناع بعض الدول الأوربية الكبرى مثل ألمانيا ..وهذا مستبعد...بالأعتراف بدولة فلسطين كخيار لدعم عملية السلام في ظل مماطلة إسرائيل وتهربها من أستحقاقات السلام ...أو بإتفاق مع الرئيس ترامب ..ولو بشكل غير معلن ...وهذا أيضا مستبعد على الأقل في هذه الظروف .التي يتهيئ بها الرئيس ترامب بطرح خطته للسلام ..ولم يتضح موقف الطرفين منها....خلاصة القول أن المراهنة على صدور إعتراف فرنسي بالدولة الفلسطينية في ظل هذه الظروف يعتقد بأنه أمر مستبعد.