الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

حين تتحول الكلمة إلى شاهد:

قراءة في قصيدة المتوكل طه "الصحفي يوثّق موته"

قراءة في قصيدة المتوكل طه "الصحفي يوثّق موته"

تاريخ النشر: 2025-08-15 | 13:36

في قصيدته «الصحفي يوثّق موته»، المنشورة في جريدة "القدس" يوم الجمعة 15-8-2025 يقدم الشاعر الفلسطيني المتوكل طه تجربة شعرية استثنائية، تمتزج فيها المأساة الإنسانية بالبلاغة الفنية، والواقع السياسي بالبعد الوجودي، فالنص لا يكتفي برصد الحدث، بل يحوّل الموت إلى لغة، والكاميرا إلى مرآة للألم، ويجعل من الشهادة فعلاً شعرياً، واحتضاناً للذاكرة الجماعية.

يفتتح النص بلحظة مشحونة بالتوتر والوعي الوجودي:

"كانت الصورةُ تقتربُ، والرصاصةُ أسرعُ،

كان الضوءُ ينسابُ في عيني،

كأنني أفتح نافذةً على موتي."

هذه البداية تكثف التوتر بين الحياة والموت، وتكشف عن قدرة المتوكل طه على توظيف الزمن الشعوري، إذ يجمع بين الفعل الحاضر والمستقبل المحتمل، بين القتل الفعلي وما سيتركه من أثر، فالفعل الشعري هنا يوازي الواقع السياسي، ويجعل القارئ يعيش اللحظة كأنها حاضره المباشر.

تتجلّى براعة المتوكل طه في تحويل التجربة الفردية إلى مشهد إنساني شامل، حيث يصبح الصحفي رمزاً لكل الشهداء، وللكلمة المهددة بالمحو، يقول النص:

"لم يبقَ له ظلٌّ، والأحرفُ راحت تتصادى وتنوءُ.. وكان العالَمُ يتفرّجُ كيف يموتُ الصحفي بغزّة!"

إن العبارة تمثل تصويراً رمزياً للصمت الدولي والمشاهدة دون تدخل، حيث يمحى الضحية والأثر معاً، لكن اللغة الشعرية تعيد الحياة إلى الحدث، وتمنح القارئ إدراكاً مباشراً للحظة الموت والعدالة المفقودة.

تتداخل الرمزية والبلاغة في النص بشكل متقن، فتصبح الكاميرا ليس مجرد أداة تقنية، بل رمزاً للضمير الإنساني والمقاومة، كما يشير الشاعر:

"الصورةُ وصلتْ، ويريدُ لها القاتلُ أن تصبحَ بيضاءَ، وتبقى المذبحةُ بعيداً عن عينِ الحُرّاسِ، شُهودِ الحقِّ، بلا غاياتٍ.."

البياض هنا ليس نقاءً، بل محاولة محو التاريخ والشهادة، بينما تبقى الكلمة أداة كشف وفضح، والقصيدة تعكس هذا الصراع بين الحجب والإظهار، بين القوة والعدالة الأدبية.

الإيقاع الشعري للنص متقلب ومشحون، يتأرجح بين الانكسار والانفجار، بين التوقف والتسارع، بحيث تتجسد فيه حالة الرعب والحركة المتواصلة في الحروب، فالصور الشعرية كثيفة ودرامية:

"سمعتُ قلبي يلتقطُ أنفاسه،

وسمعتُ الكاميرا تلتقطُ آخر ما تبقّى من الضوء."

في هذه الأسطر، يمزج المتوكل طه بين الحواس، ويجعل الموت تجربة حسية كاملة، وليس مجرد حدث مروي، ما يرفع النص إلى مستوى البلاغة التعبيرية العالية، ويجعل القارئ يلامس الألم وكأنّه جسده الخاص.

ويستمر النص في توسيع المشهد الإنساني ليشمل كل من يحاول المقاومة أو الدفاع عن الحقيقة:

"قد يتكوّمُ رجلٌ آخر إنْ حاولَ إنقاذَ الصحفيّ، وإنْ وصلَ المشفى، فالقصفُ لكلِّ عيادات المبنى!"

هنا يتحول النص إلى وثيقة شعورية عن الاستهداف الممنهج، وعن معاناة المدنيين، كما يصبح المشهد شعرياً وفلسفياً في آن، مؤكداً أن الكلمة والعدسة قادران على مواجهة الموت.

في نهاية النص، يقدم الشاعر الصحفي في صورة رمزية منتصرة، إذ يعود من بين الرماد ليثبت أن الحقيقة لا تموت:

"... وعاد الصحفيُّ بكلِّ السَرديّاتِ.. ليثبتَ أنَّ بيانَ النصرِ سيتلو تقريرَ الإثبات."

بهذه النهاية، يتجلّى الإبداع الشعري للمتوكل طه، الذي يحوّل الألم والفقدان إلى قصيدة حية، تحمل قيمة فنية وإنسانية عالية، وتعكس تجربة شعرية متكاملة، تتميز بالجمع بين الرؤية الواقعية والبعد الرمزي، وبين المأساة الفردية والذاكرة الجماعية، وبين السياسة والوجود.

التجربة الشعرية في هذه القصيدة لا تقتصر على تصوير الواقع الفلسطيني، بل تتجاوز ذلك لتصبح قراءة فلسفية للحياة والموت، للكلمة والصورة، وللشهادة والتوثيق، فقد استطاع الشاعر أن يخلق نصاً قادراً على مواجهة الزمن والرصاص، نصاً يربط بين الفرد والوطن، بين الحدث التاريخي والبعد الشعوري، ويجعل من الشعر فعل مقاومة ومعرفة، ومن الكلمة صرخة أبدية في وجه الظلم.

إن هذه القصيدة شهادة حية على قدرة الشعر الفلسطيني المعاصر على التعبير عن المأساة والبطولة في آن واحد، وعلى براعة المتوكل طه في صياغة نص شعري متكامل يجمع بين الحس الإنساني العميق، والفكر البلاغي الراسخ، واللغة الشعرية الخالدة، لتبقى الكلمة حيّة، وتوثّق موتاً يتجاوز الفرد ليصبح ذاكرة وطنية وإنسانية خالدة.

×
أخبار
فايننشال تايمز: السقوط السريع لـ "المَخَا" يضع السعودية أمام اختبار استراتيجي متجدد على الساحل الغربي لليمن الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حربا بين أمريكا والصين بسبب تقديره الخاطئ كتاب جديد لديفيد كورن يرصد عقداً من "الحرب الرمادية" الروسية للتأثير في السياسة الأميركية ترامب يعلن منع وسائل إعلام أميركية من دخول البيت الأبيض تحقيق عبري يفتح ملف تمويل حماس و أموال قطر تهز نتنياهو أ  ب: انهيار مبنى مميت في غزة يكشف مخاطر السكن وسط تعثر جهود إعادة الإعمار غوتيريش يأسف لرفض أمريكا منح مسؤولين فلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة سنتكوم: تغيير مسار 105 سفن تجارية منذ استئناف الحصار على إيران مسؤول: أزمة حدود سبتة تعزز صعود اليمين المتطرف في أوروبا السجون الفيدرالي الأمريكي يضع شرطا قبل زيارة رودريغيز لمادورو في سجنه باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط