تاريخ النشر: 2017-05-22 | 08:24
تاريخ النشر: 2017-05-22 | 08:24
بدأ واضحاً الجهد الكبير الذي بُذِلَ من أجل إنجاح زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للملكة العربية السعودية كأول محطةٍ في جولته الخارجية الحالية بصفته رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية ، حيث كان التعبير عن كرم الضيافة بالغ الوضوح ويعبر عن أهمية بالغة أولتها المملكة العربية السعودية لهذه الزيارة وحرصاً قوياً على إخراجها برسائل واضحة تعبر عن متانة التحالف بين البلدين والتزاما سريعاً بتطبيق توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي عبر عنها خلال برنامجه الانتخابي !.
يبدو أنه بالفعل استطاعت المملكة العربية السعودية أن تبهر الضيف الأمريكي والوفد المرافق له بكرم الضيافة السعودية وببرنامج الاستقبال الذي قدمته له وذلك منذ اللحظة الأولى، إلى جانب عقد قمة عالية المستوى في التحضير بين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أفضت إلى توقيع الكثير من الاتفاقيات الأمنية والعسكرية والتقنية وغيرها بين الطرفين وذلك بمجمل ما يقارب من 380 مليار دولار وهي الصفقة الأكبر في تاريخ العلاقات بين البلدين.
كما أن السعودية أشرفت على انعقاد قمة خليجية أمريكية ومن ثم قمة عربية إسلامية أمريكية في سابقة هي الأولى من نوعها تاريخياً ، وذلك لبناء حلف عربي إسلامي أمريكي جديد تقوده السعودية كحليف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية التي ستتمتع بدون أدنى شك بقيادة هذا التحالف، ويسجل هنا للمملكة العربية السعودية أنها استطاعت أن تؤمن حضور ما يقارب من الخمسين وفداً عربياً وإسلامياً على مستوى القادة لحضور هذه القمة ودعم ما تمخض عنها بخصوص متطلبات العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية المستقبلية ومتطلباتها.
جاء هذا متزامناً مع الانتخابات الإيرانية التي افرزت فوز الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني بفترة رئاسية ثانية والذي دعا المملكة العربية السعودية فور إعلان النتائج للقيام بما سماه "تعزيز الديمقراطية لضمان الأمن دون الركون بذلك إلى القوى الخارجية" ، غامزاُ بذلك من احتضان المملكة العربية السعودية للقمة العربية الإسلامية الأمريكية وذلك برسالة تحمل غضباً إيرانياً من القمة من هذه القمة التي عقدت في العاصمة السعودية الرياض يوم 21 مايو 2017.
هذا يعني بأن المرحلة القادمة ستشهد تقدماً في سياسات المملكة العربية السعودية المبنية على التحالف الكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي على ما يبدو بأنها ستهدف إلى رسم السياسات العربية والإسلامية المستقبلية لمواجهة التحديات التي ترى السعودية بأن إيران وحلفائها في المنطقة تفرضها عليها لا بل تسعى لتهديدها .
هنا لابد من الإشارة إلى أن السعودية اليوم لم تعد هي السعودية كما كانت بالأمس خاصة أنها لا زالت تخوض حرب في حرباً في اليمن استنزفت الكثير من قدراتها المالية بالرغم من إمكانياتها الهائلة، ولكن بتوافد كل هذه الوفود العربية والإسلامية على العاصمة الرياض وذلك من خلال التجاوب مع دعوتها لحضور اجتماع قمة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يعني أن السعودية حققت هدف الحفاظ على المكانة القيادية وأكدت بذلك قيادتها للعالمين العربي والإسلامي، وذلك بسبب أنها الدولة القوية اقتصادياً وسياسياً والغنية مالياً والحاضنة والراعية للمقدسات الإسلامية وهذا بالتأكيد يعطيها ثقلاً وثقةً وقدرةً على قيادة المشهد العربي والإسلامي في هذه القمة التي على ما يبدو بأن أهميتها نابعة من اعتمادها على تبني مفهوم مركزي ومهم وهو فتح الباب مشرعاً على مصراعيه لإرساء السلام الإقليمي في المنطقة وخاصة بين الدول العربية والإسلامية وإسرائيل.
لمباركة هذه الخطوات كان لابد من أن يكون الخطاب الديني الأكثر تأثيراً في المشهد السعودي ، حاضراً ويرتقي إلى مستوى دعم الرسالة المبتغاة من وراء هذه القمة ، وكان ذلك واضحاً من خلال ما جاء في خطبة الجمعة في المسجد النبوي الشريف ، والتي تم الدعوة فيها إلى دعم ما تقوم به قيادة المملكة العربية السعودية ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود من خطوات في سبيل الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية وما سيترتب على ذلك ضمنياً من خطوات منشودة وخاصة فيما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط.
لذلك لابد من الإشارة إلى أن أهمية الخطاب الديني والعمل على تطويره وتوجيهه بالشكل الصحيح لربما يكون له الأثر البالغ في تحقيق النتائج المبتغاة في هذه المرحلة الدقيقة التي باتت بحاجة ملحة إلى حوار بين الثقافات والأديان لتلاشى مخاطر الصراع بين الحضارات.
هذا بالطبع سيساهم في تقديري بالمزيد من العمل الجاد الذي سيفسح المجال أمام فكرة أهمية تلاقي الحضارات بدلاً من تعميق الأسباب التي تدفع لخلق صراع فيما بينها، بما يشكل الشق الثقافي والديني والذي سيكون له أثر بالغ الإيجابية بدون أدنى شك على المنطقة بشكل خاص وعلى العالم بشكل عام إن تم تطبيق ذلك بشكل متوازن وغير مندفع وفعال ويهدف للحرص على المصالح غير المجزئة ولا المقسمة ولا المصنفة!.
خلاصة الأمر وبعيداً عما جاء في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تصنيفات لدول وجماعات إرهابية ، إلا أنه أثبت بجدارة بأنه رئيس يحمل شخصية قوية يجامل في سياق متطلبات العمل الدبلوماسي ويقدر قيمة الاستقبال ويعبر عن الشعور بالسعادة من الإبهار ويحمل مصداقية بالفعل والقول ، ولا ينسى بأن مهمته الأساسية هي مصالح بلاده التي رفع شعارها خلال خطاب التنصيب الذي سماه "أمريكا أولاً"، و التي يبدو بأنه حققها كاملةً في هذه المنطقة الغنية وذلك بصرامة وبدون مشقةٍ ولا عناء ولا طول وقت ولا تغيير جوهري في مواقفه المعلنة.
نستطيع القول هنا ، هنيئاً لمن قام بالإبداع بتحقيق هذا النجاح الباهر في الإخراج لهذا الحدث التاريخي وإظهار هذا الكم الهائل من مخزون الكرم العربي والشهامة السعودية المعهودة، وذلك بانعقاد هذه القمة التاريخية بمجمل ما جاء فيها بغض النظر عن التفسيرات المتناقضة حول ما صدر عنها، لتؤسس لمرحلة سياسية واقتصادية وأمنية جديدة في المنطقة ، نأمل أن يكون أهم نتائجها تكمن في أن يعم الخير والازدهار على المنطقة برمتها وعلى العالم أجمع ، وإرساء حالة من الأمن والأمان والسلام العادل بين شعوب المنطقة وترسيخ مبدأ العدالة والمحافظة على حقوق الإنسان ، وتؤدي إلى القضاء على الإرهاب ومصادره بكل مسبباته وأهدافه الهمجية سريعاً ، وأن لا تكون هناك نتائج عكسية تصبح دافعاً لبداية حروب أخرى من نوعٍ أخر أكثر شراسةً مما نشاهده في المنطقة العربية حالياً.
أخيراً ، في تقديري أنه كان هناك مفارقة مثار جدلٍ واسع حول تفسيرها حيث أنها لم توحي أبداً بأن القضية الفلسطينية ستنال نصيب الأسد من الاهتمام، مقارنة مع الاهتمام الذي أولته تلك القمم الثلاث لعقد الصفقات والتحالفات الاستراتيجية المستقبلية، وهذا ما أثار تخوفات كبيرة بين صفوف السياسيين والمراقبين الفلسطينيين، خاصة فيما يتعلق بالتصنيف الإرهابي لإحدى الجماعات الفلسطينية وهذا في تقديري ليس بجديد ، ولكنه يزيد الأمور تعقيداً ، لا بل ذهب البعض بعيداً في تفسيرها بأن ذلك قد يكون يهدف أو يعجل من خطوة انفصال قطاع غزة، وبالتالي إضعاف المفاوض الفلسطيني وتفريغ جيوبه من إمكانية الاستمرار في أي عملية تفاوض مستقبلية، بالرغم من التصريحات الإعلامية التي صدرت عن المسؤولين السعوديين الذين أكدوا فيها بأنهم قادرين على إنهاء الانقسام الفلسطيني فوراً، وهذا حسب المراقبين اصطدم مبكراً مع التحديات التي أفرزها الواقع الجديد الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو الذي أثبت بأنه يتمتع بمصداقية عالية في أقواله ، والذي لربما يأخذ المنطقة برمتها إلى منحى خارج عن السيطرة والدفع بها باتجاه خلق محاور جديدة مجنونة وأكثر تطرفاً مما هي عليه الآن أو قد يكون هناك عملية احتواء غير مسبوقة إن تم قراءة الواقع الجديد بمنطق وعقل واعٍ تقبل بمفهوم سلام إقليمي حقيقي بين جميع الأطراف في المنطقة ضمن رؤية أمريكية مُلزِمَة لجميع الأطراف المعنية بهذا الشأن