تاريخ النشر: 2026-01-19 | 11:24
تاريخ النشر: 2026-01-19 | 11:24
ما أن أعلن "ستيف ويتكوف" المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عن بدء المرحلة الثانية لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، حتى جاء إعلان الرئيس "ترامب" عن تشكيل ما أسماه ب "مجلس السلام العالمي" للإشراف على إدارة قطاع غزة بموجب خطته التي أعلنها في سبتمبر/ أيلول 2025.
إعلان الرئيس "ترامب" عن المجلس جاء في زحمة أحداثٍ وتطورات شهدتها وتشهدها الساحتين الدولية والإقليمية، بدءاً من الاعتداء الأمريكي السافر على دولة فنزويلا وخطف واعتقال رئيسها "نيكولاس مادورو" في خرق فاضح لأبسط القوانين والأعراف الدولية. إلى التهديد بغزو جزيرة "غرينلاند" والتي تبعد عن مدينة نيويورك حوالي 5000 كم، بما يهدد جدياً دول الاتحاد الأوربي التي فرض عليها "ترامب" عقوبات من خلال رفع الرسوم الجمركية طالما هي ترفض تسليم جزيرة "غرينلاند" له. وبما يُهدد فرط عقد حلف "الناتو" التي تعتبر الولايات المتحدة الركن الأساس في هذا الحلف. وتهديد لإيران بحرب مدمرة بهدف إسقاط الدولة فيها، بالشراكة مع كيان الاحتلال الصهيوني. ناهينا عن تصاعد حرب "ترامب" التجارية الشرسة مع الصين ومحاولة حصارها من خلال إفقادها لأهم مرتكزاتها الطاقية في فنزويلا وإيران. وقبلها في نيجيريا، التي يريد التحرك ضدها عسكرياً لحماية المسيحيين فيها حسب زعمه.
مع صدور الإعلان عن تشكيل المجلس، السؤال الأكثر إلحاحاً عن دونه من الأسئلة. ماذا يدور في رأس الرئيس "ترامب"؟ طالما يخوض معاركه على جبهات عديدة. وهذه الحروب تتناقض جذرياً مع ما يصرح به على الدوام، أنه قد أنهى حروب عديدة في العالم منذ وصوله إلى البيت الأبيض. وسعى جاهداً نحو لنيل جائزة "نوبل" للسلام وهو أبعد شخص في هذا الكون عن السلام بمعانيها الحضارية والإنسانية والقانونية والحقوقية. ما يدور في رأس الرئيس "ترامب" أولاً، هو في كيفية تحقيق وفرض استراتيجيته للأمن القومي الأمريكي بكل عناوينها وأهدافها التي أعلن عنها في الخامس من كانون أول من العام الماضي. ثانياً، كما أسلفت حول استراتيجية "ترامب" للأمن القومي، هو كان قد ألزم نفسه وإدارته بحماية الكيان وإبقائه متفوقاً على ما سواه من دول المنطقة. وبهذا المعنى هناك تعهد ل "نتنياهو" خلال قممهم المتكررة. أن يترك نتنياهو ل "ترامب" وإدارته معالجة موضوع أمن وأمان الكيان من خلال تصفية المقاومة وفي مقدمتها حماس بالطرق والوسائل التي تعفي الكيان المزيد من الإحراج وتوسع دائرة العزلة الدولية حوله كمرتكب لحرب الإبادة الجماعية بحق شعبنا الفلسطيني. أما ثالثاً، أراد الرئيس "ترامب" الهروب إلى الأمام ليعفي نفسه وإدارته من حراجة تزايد الانتقادات الداخلية والخارجية لسياساته التي لا يستطيع أحد، لا داخل الولايات المتحدة ولا خارجها التكهن عن الخطوات الخطيرة التي قد يقدم عليها في مواجهة حلفائه الأوروبيين قبل خصومه. لذلك يعتقد "ترامب" وفريقه واهمين أنّ خطوة الإعلان في توقيتها ضرورية لحجب الأنظار عن تلك السياسات الهوجاء. رابعاً، أراد "ترامب" من خطوة تشكيل ما أسماه ب "مجلس السلام العالمي" اختباراً عملياً لما يفكر به من تجاوز وقفز فوق مجلس الأمن الدولي في خلق البدائل عنه. حيث من الواضح أنّ التشابه في المسميات مع بعضها ليس بريئاً بل متعمداً، سواء في مجلس الأمن، أو مجلس السلام. وهو يريد تعميمه لفض وحل النزاعات الدولية من خارج عباءة مجلس الأمن الدولي المهيمن عليها من قبل الولايات المتحدة، ورغم ذلك لا تريده، لأن هناك دول عظمى تتمتع في استخدام حق النقض "الفيتو"، وهو أي الرئيس "ترامب" يجهد من أجل حرمانها لهذا الحق. والمضحك فيما وصلت إليه أفكار "ترامب" في تسخيفه للعلاقات الدولية، في جعل كل شيء عنده ثمن. فمن أراد أن تكون عضويته دائمة في "مجلسه" العتيد عليه دفع اشتراك يصل إلى مليار دولار.
وأخيراً فإنّ مجلس "ترامب" الطريق أمام تشكليه ليس بالبساطة التي يعتقدها، طالما قد حدد سعراً للمشاركة في هذا المجلس. فكثير من الدول لا توافق على منطق سمسار البيت الأبيض، لسببين. الأول، هي لا تستطيع دفع مبلغ كهذا، وإن استطاعت، وهذا لا ينطبق على الجميع، فهذا البعض مثل الصين وروسيا ودول الاتحاد الأوربي وأخرين لا يريدون السير وراء "ترامب" في خلق بدائل لمظلة وعباءة الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيها، على الرغم من إدراكهم أنها ومجلسها مهترئة، ولا حول لها ولا قوة طالما أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تهيمن عليها.