في الوقت الذي يواجه فيه الشعب الفلسطيني واحدة من أعنف الحروب وأقسى أشكال الحصار والتجويع، يطلّ قرار فصل مئات الموظفين الفلسطينيين من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) كوجهٍ آخر من وجوه الظلم، لا يقل قسوة عن القصف، ولا يبتعد كثيرًا عن سياسات العقاب الجماعي التي تستهدف الإنسان الفلسطيني في لقمة عيشه وكرامته.
إن فصل 575 موظفًا في هذا التوقيت الحرج لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري معزول عن الواقع، بل هو فعلٌ يحمل أبعادًا إنسانية خطيرة، ويمسّ بشكل مباشر آلاف الأسر التي فقدت بيوتها، ونزحت قسرًا، وتكافح اليوم من أجل البقاء. فهؤلاء الموظفون ليسوا أرقامًا في سجلات العمل، بل هم آباء وأمهات، وأطفال بلا مأوى، وأسر تعتمد على هذا الراتب كخط دفاع أخير في وجه الجوع والعوز.
لقد جاءت هذه الخطوة في سياق استثنائي يشهد فيه قطاع غزة حرب إبادة وحصارًا خانقًا، ما يجعل القرار فاقدًا لأي مشروعية أخلاقية أو قانونية، ويضعه في خانة التواطؤ غير المباشر مع سياسات تستهدف تفكيك المجتمع الفلسطيني، وكسر صموده من الداخل عبر تجفيف مصادر رزقه.
إن الأونروا، التي أُنشئت بقرار أممي لتكون مظلة حماية ودعم للاجئين الفلسطينيين، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالالتزام بتفويضها الإنساني، لا الانزلاق نحو قرارات تزيد من عمق المأساة. فبدل أن تكون صمام أمان اجتماعي في زمن الكارثة، يأتي هذا القرار ليضيف عبئًا جديدًا على شعب أنهكته المجازر والاقتلاع والحرمان.
ولا يمكن تبرير هذا الفصل تحت أي ذريعة، فالقانون الدولي الإنساني واضح في حماية حقوق المدنيين خلال النزاعات، ورفض أي إجراءات تؤدي إلى معاقبتهم جماعيًا. كما أن القيم الإنسانية التي تتغنى بها المؤسسات الدولية تسقط أخلاقيًا عندما يُترك الموظف الفلسطيني بلا عمل، وأطفاله بلا غذاء، في ظل حرب لا ترحم.
إن استمرار هذا القرار ينذر بتداعيات إنسانية واجتماعية خطيرة، ويستدعي تدخلًا عاجلًا من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لتحمل مسؤولياتهم، والضغط من أجل التراجع الفوري عنه، وإعادة جميع الموظفين إلى أعمالهم دون قيد أو شرط، صونًا لكرامتهم وحقهم المشروع في الحياة والعمل.
في ختام سطور مقالي:
فإن الشعب الفلسطيني، الذي يواجه القتل والحصار والاقتلاع، لا يحتمل مزيدًا من الظلم ولا مزيدًا من الصمت الدولي. وستبقى المطالبة بالعدالة وحقوق الإنسان واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، وسيظل الفلسطيني متمسكًا بحقه في العيش بكرامة، مهما اشتدت المحن وتكاثفت المؤامرات.
وإنها لثورة… حتى النصر.