تاريخ النشر: 2016-12-23 | 13:06
تاريخ النشر: 2016-12-23 | 13:06
زارتني ذات مساء , دون موعد سابق , ولا استئذان , فألهبت الجسد , وأشعلت فيه الحطب , وأوهنت العظام , وأذهبت النعاس والنوام , فذكرتني بقصيدة الشاعر أبو الطيب المتنبي عندما زارته الحمى اللئيمة ذات ليلة ليلاء , وأنشد شعرا قائلا :
وزائرتي كأن بها حياء *** فليس تزور إلا في الظلام
فرشت لها المطارف والحشايا ***فعافتها وباتت في عظامي
يضيق الجلد عن نفسي وعنها ***فتوسعه بأنواع السقام
اذا ما فارقتني غسلتني ***كأنا عاكفان على حرام !!
كانت تصطحب معها صاحباتها الأربعين , كأنها علي بابا والأربعين حرامي , طرحتني فراشا , وكيف يقوى الجسم العليل على مقاومة الأربعين لسعة تلهب الجسد وما أصابه من تعب , لم تنفع معها أي مقاومة جسدية ولا دوائية , ولا حتى إسلامية أو وطنية , فهي وصويحباتها الأربعين قادمة للانتقام , فمنذ عام بالتمام والكمال , لم تزر المستشفيات أيها المتحدي العنيد , تحملتها بكل عناد وتحد ليلة وليليتين , لكنها في الثالثة هزمتني وحملتني إلى المستشفى , التي يبدو أنها اشتاقت للنزيل الدائم منذ ست سنين , ويبدو أنها من كثرة الحميمية والاشتياق , لم تشأ أن تأخذ زاوية واحدة من الجسد , فبعد أن اكتشف الطبيب أنها تختبيء في ناحية الخاصرة اليسرى , وتصطحب معها جرثومة خبيثة في الكلية اليسرى , أدمتها وأصابتها بالتقيح والصديد , حيث باشر الطبيب في محاصرتها ومقاومتها بجيوش المضادات من الجيلين الأول والثاني , لكنها كانت تقاوم بصمود وعناد , بينما كانت آثار المعارك الداخلية تنعكس ألما ووجعا وصراخا من صاحب الجسد الضعيف , الذي يتلقى الطعنات تلو الطعنات , رغم جميع أنواع المهدئات .. عندها طلب الطبيب المعالج اجراء استكشافي لما يجري , فقرر إجراء صورة ( سي . تي ) لاكتشاف أي تسلل آخر من صاحبات أم الأربعين , وجاءني في المساء بالبشرى :
- لديّ لك مفاجأة يا صديقي !!
- خير إن شاء الله يا دكتور ؟!
- لا تقلق .. لقد اكتشفنا سببا آخر أشد فتكا استخدمته أم الأربعين في غزو الجسد فهناك التهاب شديد في الرئة اليسرى , وسنستدعي قائد المواجهة الصدرية , " اخصائي الأمراض الصدرية المشهور" .
حضر طبيب الأمراض الصدرية , وبعد الفحص والتدقيق والتمحيص , قرر استخدام جيوشا أشد قوة وفتكا باستخدام الجيلين الثالث والرابع من المضادات الأرضية والهوائية , لمقاومة أم الأربعين وأفراد جيشها , وبعد معركة تواصلت المعركة بشدة بين الطرفين , عانى خلالها المسكين من آثار الضربات من الجانبين , غير أنه وبعد ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ لم يعرف فيها النوم , تمكنت المضادات من اسقاط أول الخسائر لدى جيش أم الأربعين ’ ثم في الليلة الموالية تراجعت قوتها إلى 38 , وبعد مقاومة وصمود باستخدام كافة أنواع الأسلحة الدوائية , وبعد أسبوع من الألم والمعاناة , تمت محاصرة أم الأربعين بعد أن خسرت معظم قواتها , وبدأت بالانحسار والانسحاب , تاركة بعض الآثار الجانبية , وعندها قرر الأطباء سحب القيود من معصمي , والاعلان عن تحرري من قيود السرير والمستشفى , والعودة إلى المنزل سالما معافى , ولكن تحت بند الحذر والطوارئ والاستنفار , وعدم الاستهانة , فهم يخشون أن تعود الحميمة أم الأربعين للانتقام , وبدأت مرحلة جديدة من أخذ الاحتياطات لما هو آت , بتخزين المزيد من المشروبات الساخنة , ووسائل الدفاع بالتدفئة من البرد اللعين .. والحمد لله رب العالمين , أن المعركة لم تستغرق سوى أسبوع واحد , وكانت الخسائر مادية في معظمها , وحمدنا الله أن خرجنا من هذه المعركة منتصرين , وعقبال الانتصار لفلسطين .!!